صحافة حرة لكن تنقصها الجرأة

بصرف النظر عن نوع المجتمعات غربية كانت أو شرقية صرنا أمام صحافة ملاحقة باتجاه أن تحابي وترى وتسمع فتسكت، ومع ذلك تسمى حرة مع أنها لا جريئة ولا شجاعة.
الثلاثاء 2018/10/09
هل يجب على الصحافة أن تسكت أم تركب العاصفة وتكون جزءا منها؟

يدور سجال هنا وهناك عن وصف يمكن أن يطلق على صحافي بأنه شجاع وآخر ما دون ذلك.

ما بين التوصيفين تقف الصحافة بوصفها تجربة عميقة وفاعلة في المجتمعات المعاصرة.

لكن هذه الصحافة وهي تنتشر وتمتلك وظيفتها الاجتماعية والسياسية والإنسانية ستغدو مثقلة بمهام ثقال، حتى يسرف المجتمع تحميلها ما لا تحتمل.

مشاكل الحياة في مجملها وأخطاء الحكومات والساسة ومشاكل التلوث والطاقة والبطالة وحقوق المرأة والأقليات والعنف والحروب والصراعات، كلها تصبح برسم الصحافة لا لشيء إلا أنها يجب أن تغطيها بلا كلل ولا ملل مع أنها بكل تأكيد ليست مسؤولة عنها.

في بريطانيا مثلا وهي تخوض اليوم ومنذ العام 2016 مخاضا عسيرا بصدد الطلاق من الاتحاد الأوروبي، تسمع صراخ جمهور إنكليزي واسع متسائلا أين جرأة الصحافة لتقول لرئيسة الحكومة لا يمكنك المضيّ في البريكست من دون استفتاء ثان يقرر الشعب فيه مصيره.

على الضفة الأخرى هنالك صحافة ترقص طربا لإجراءات الطلاق، وكلما لاح بصيص أمل راحت تهلل وتنشر الوعود والأماني.

في وسط هذا وفي حمّى المفاوضات بين الحكومة البريطانية والمفوضية الأوروبية ومع تعسر تلك المفاوضات حمّلت صحف بريطانية على رئيس المفوضية جان كلود يونكر محملة إياه المسؤولية في تعثر المفاوضات.

لكن تلك الصحافة الجريئة تمادت فاتهمته بالثمالة في مرات عديدة وأنه معاقر للخمرة، وأن والده حارب إلى جانب الجيش الألماني في عهد النازية عندما وصلت جحافله الغازية وطن يونكر لوكسمبورغ، هذا السجال دفع يونكر للصراخ بأعلى صوته إن لحرية الصحافة حدودا يجب أن لا تتخطاها وأن الجرأة والشجاعة لا تعني المساس بالحياة الإنسانية والشخصية.

هل يجب على الصحافة أن تسكت أو تتريث حتى تمر العاصفة أم أن عليها أن تركب العاصفة وتكون جزءا منها؟

سؤال آخر يتعلق هذه المرة بالسجال بخصوص الانتقادات المتجددة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصريحاته الأخيرة في أثناء لقائه مع مناصريه في عدد من الولايات الأميركية، والحاصل أن على الصحافة في هذه الحالة أن تكون في صف الرئيس ما دام ممثلا للأمة ويحقق لأميركا ما لم يحققه سواه.

لكن الصحافة الأميركية لم تمر مرور الكرام على تلك الضحكة المسموعة في أوساط الوفود الأممية عندما كان الرئيس ترامب يلقي خطابه أمام الجمعية العامة قائلا أنه حقق لأميركا ما لم يحققه من هم من قبله.

لم يكن الرئيس ينتظر كل تلك التعليقات الصحافية لكنه صار معتادا عليها فهذه الصحافة الجريئة، وربما يطلق عليها العدوة تمتلك ما يكفي من الجرأة والشجاعة لكي تكون كتفا إلى كتف في سجالها مع الرئيس.

وفي ظل ذلك فإن مصطلح (الصحافة الحرة) صار مثل لازمة تتحدث عنه العديد من الدول والحكومات، بزعم أنها ملتزمة بالمبدأ ومدافعة عنه ومنها تركيا مثلا في عهدها الحالي، حيث يقول الرئيس أردوغان إن زمن حكمه هو أزهى عهود الصحافة التركية.

لكن الرئيس نفسه وفي زيارته الأخيرة لألمانيا قال إنه سلم للألمان قوائم بأسماء معارضين يعيشون في ألمانيا وبعضهم بصفة لاجئين سياسيين أو مواطنين ألمان ولكن من أصول تركية، وطلب من الحكومة الألمانية تسليمهم إلى الجانب التركي والمشكل أن من بينهم صحافيين تجرأوا يوما على انتقاد الحكومة التركية وممارساتها.

فماذا بقي من تلك الصحافة التي يمجدها الرئيس بوصفها حرة ولكنها تفتقر إلى الجرأة والمسؤولية والشجاعة؟

واقعيا، وبصرف النظر عن نوع المجتمعات غربية كانت أو شرقية صرنا أمام صحافة ملاحقة باتجاه أن تحابي وترى وتسمع فتسكت، ومع ذلك تسمى حرة مع أنها لا جريئة ولا شجاعة.

18