صحافة خرساء لا تستطيع أن تنقذ رئيسا

صحافة خرساء صماء مرّت وتمر بها عاصفة الليرة دون أن تحرك في صحافييها شعرة اللهم إلا الترويج لنظرية المؤامرة الخارجية.
الثلاثاء 2018/08/14
الصحافة عاجزة عن إنقاذ أردوغان

لا يمكن الحديث عن الصحافة ودورها المحوري في الحياة اليومية دون الحديث عن يقظتها الكاملة، رصدها ومراقبتها وفضحها.

المهمة الصحافية مثل “وثيقة شرف” تجاه الرأي العام تؤديها الصحافة في نقل الحقيقة وإيقاظ المجتمع وتنبيهه وزجّه في عمق الظاهرة والأزمة والحدث.

هو توصيف عام ومطلق دون شك، لكن إذا انتقلنا إلى التفاصيل فسنكون أمام مقاربة أساسية في ما يتعلق بأدوار الصحافة في الشرق الأوسط والعالم العربي. وهل هي معنية حقا بكل ما يجري حول المواطن وتتبّعه ورصده بشجاعة؟

سوف تبرز هنا ثنائية الصحافة والسلطة أو الصحافة ونظام الحكم، وهي ثنائية إشكالية معقدة. المثال الأحدث في هذا المجال هو حال الصحافة التركية في مقابل النظام التركي في فترة زمنية محددة تمتد من مطلع يوليو الماضي وحتى مطلع أغسطس الحالي، شهر واحد يقدّم عيّنة مشخّصة لواقع حال يستحق الدرس والتأمل.

فخلال شهر واحد أدت الصحافة التركية من خلال صلتها بنظام الحكم دورين مختلفين تماما لكنهما دوران مفتعلان بالمطلق ويتقاطعان مع المصداقية ويتقاطعان مع الوظيفة الاجتماعية والأخلاقية والوطنية للصحافة الحرة والمستقلة.

في مطلع يوليو الماضي وطيلة ثلاثة أسابيع ظلت الصحافة التركية تروّج للنظام الرئاسي التركي الجديد بعد ما يشبه الانقلاب على جميع السلطات وتسليم كل مفاتيحها للرئيس رجب طيب أردوغان شخصيا.

تحوّل وانقلاب غير مسبوقين في تاريخ تركيا الحديث لكن الصحافة أغفلت تماما انتهاء زمن الفصل بين السلطات، وأغفلت إلغاء هوية وشكل ودور مجلس الوزراء ورئيس الحكومة وراحت تظهر جماليات منصب الرئيس وما سوف يحمله من المنّ والسلوى للشعب التركي.

سكتت الصحافة عن ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الصحافة والإعلام في تركيا وهو ارتباطها بالقصر عبر هيئة عليا تنفيذية تقوم بما يشبه دور الرقيب مطلق الصلاحيات.

سبق ذلك إغلاق العديد من الصحف والمنابر الإعلامية بجرّة قلم واحدة من الباب العالي.

صحافة خرساء صمّاء لم تتضامن مع السجناء من زملاء المهنة ولم تذرف من أجلهم قطرة حبر واحدة إذ جيّرتهم خونة وأعداء للوطن.

المشهد الثاني المقابل هو الصمت شبه المطبق على ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في ظل التدهور الدراماتيكي وغير المسبوق للعملة التركية.

قال الرئيس مخاطبا شعبه اتركوا موضوع الليرة وانظروا للصورة الكبيرة، فنقلت الصحافة التركية الخاضعة لسطوة القصر الرئاسي النصّ كما هو، لم تقو على إيجاد مقارب موضوعي لفحوى تلك الصورة التي يعنيها الرئيس، أهي صورته التي ملأت الشوارع والساحات مثلا؟

صحافة خرساء صماء مرّت وتمر بها عاصفة الليرة دون أن تحرك في صحافييها شعرة اللهم إلا الترويج لنظرية المؤامرة الخارجية. بالطبع سيكون أمرا واضحا بأن تلك الصحافة ومنابر الإعلام الرسمية لا تريد أن تصبح طرفا في بث الذعر ومشاعر الخوف من المستقبل لا سيما وأن المحللين والمراقبين لا يستبعدون أزمة اقتصادية خطيرة وطويلة الأمد تنتظر النظام التركي.

بالطبع لا تستحق تركيا هذا الوضع التراجيدي وربما المأساوي المقبل.

بلد حضاري لديه تجربة صحافية وإعلامية راسخة ومتطورة، يصدر العشرات من الصحف وفيه العشرات من المحطات التلفزيونية والفضائية وفيه الآلاف من الطواقم الصحافية والإعلامية عالية الاحتراف والمهنية لكنها اليوم مجتمعة لا تقوم بأدوارها التي عرفت بها.

الرئيس التركي بعدما انتزع جميع السلطات ووضعها في قبضته واختار كما يشاء طاقمه الحكومي وبيده منح أو منع سائر المناصب الحكومية لم يعد له عذر في الوفاء بوعوده العظيمة التي روجتها صحافته الشهر الماضي أما في هذا الشهر فإن الرئيس في وضع لا يحسد عليه وصحافته عاجزة.

الرئيس في أمسّ الحاجة إلى إنقاذ ليخرج نفسه واقتصاد بلاده وعلاقاته الداخلية والخارجية مما وصلت إليه.

صحافة الزعيم الخرساء الصماء هي اليوم عاجزة عن إنقاذه، غير مهيّأة أصلا للاضطلاع بدورها لأنها مدجّنة ومسلوبة الإرادة وقوة الموقف.

18