صحافة ما بعد الإنترنت

الخميس 2014/01/16

قد يبدو السؤال ضيقا عندما أختصره في “الصحافة” لأن الحياة برمتها من دون إنترنت اليوم أشبه بصورة متحفية تثير التأسي!

الإنترنت أداة حياتنا اليوم في العمل واللهو معا، لكن الصحافة أسوة ببقية شؤون العالم كانت مستفيدة من هذا الابتكار المذهل، وبقدر أقل متضررة إلى حد ما.

ومناسبة هذا الكلام هو ذكرى إعلان السير تيم بيرنرز لي في مارس من عام 1989 فكرة نظام الويب المعتمد على ربط نظام المعلومات للمساعدة في ربط عمل عدة آلاف من العلماء والباحثين والإداريين في سيرن “البيت الأوروبي للأبحاث النووية”.

مكتشف “الويب” طور مقترحه إلى عمل وبحلول عام 1990 وضع أول خادم لصفحات الويب، وكان أول متصفح الراحل ستيف جوبز مؤسس شركة أبل حيث أطلقت أول صفحة في السادس من مايو 1991 عن مركز الأبحاث الأوروبي “سيرن” info.cern.ch

وأراد تيم بيرنرز لي أن يصبح الويب أداة قوية في كل مكان لأنه بني على مبادئ المساواة، لكنه عبر لاحقا عن خشيته من تلاشي هذا التنوع عبر تهديده بطرق مختلفة.

ولم يكن بمقدور أي ذهن آنذاك تخيل التنوع والوجود المطلق والوظائف التي تقوم بها شبكة الإنترنت اليوم.

والصحافة تكاد تكون ثيمة ما يعرض اليوم على الشبكة، بعد كل تلك السنوات من التجريب والعمل، لم يعد الصحفي وحده من يمتلك المعلومة ليطلقها للقراء. الإنترنت أنهى هذا التفرد وأنزل المحرر من برجه العالي ليكون المستخدم شريكا له من هاتفه المحمول.

فكل الذين يعملون على الإنترنت يمارسون بطريقة أو بأخرى عملا صحفيا في تقديم وعرض المعلومة والصورة عن أنفسهم أو نتاجهم أو ما يحيط بهم.

أو بتعبير كاثرين فاينر رئيس تحرير صحيفة الغارديان الطبعة الأسترالية، يعتبر انتقال الصحافة الورقية إلى الرقمية، أشبه بالتحول من الحالة الصلبة التي تقدم الكتب والصحف المطبوعة إلى التدفق الحر في حالة سائلة، مع إمكانيات لا حدود لها وبسرعة هائلة تكاد لا تصدق.

الإنترنت دمر التسلسل الهرمي الذي كان يضع المحرر في مستوى مرتفع عن القراء، وكان في أفضل الأحوال يعرف علاقته مع القراء عبر الرسائل التي يتلقاها منهم وقد ينشرها أو يرفضها.

وما يثار اليوم هو قدر كبير من حرية الإنترنت وخصوصية معلومات المستخدم وسعي الحكومات إلى اختراق هذه الخصوصية، وكأنها تدخل غرف نوم الأشخاص، بينما ثمة جانب يهدد أسلوب صحافة كان سائدا لقرون على أنها المصدر الوحيد لبث المعلومات.

الصحفيون ووسائل الإعلام باتوا يدركون أن شبكة الإنترنت وصلت إلى مستوى من النضج كأداة ديمقراطية حيث يصبح من المستحيل السيطرة عليها أو حصرها بفئة أو جهة أو حكومة معينة. الكل شركاء في صناعة المعلومات، ولهذا يبدو البشر مهددين بكم هائل من المعلومات يفوق قدرتهم، ويولد ضغطا عليهم.

الصحافة هي أداة كل من يستخدم الإنترنت، ولم تعد “مهنة” الصحفي وحده، فالتلميذ صحفي بشكل ما وهو يقدم صورة عن نفسه في مواقع التواصل الاجتماعي، والرجل المتقاعد صحفي عندما يشارك بوجهة نظره في المدونات، وربة البيت صحفية وهي توصل إلى معارفها طريقة مصورة لعملها في المنزل والمطبخ… كذلك بات على الصحفي أن يعيد رسم دوره في زمن رقمي متسارع، أنهى حصر المعلومة بين أصابعه، فالقلم ليس أداة الصحفي اليوم.

18