صحافة ما بعد سنودن: حماية الحرية في زمن المراقبة الرقمية

السبت 2015/02/14
تسريبات سنودن الأخطر في تاريخ الأمن القومي الأميركي

واشنطن- خارطة مكتملة لـ“صحافة ما بعد سنودن” يسعى صحفيون أميركيون عبر نقاش وطني بني على أسس علمية وموضوعية (البحث الميداني وجمع البيانات وتحليلها) إلى وضعها وتحليلها.

تؤرخ الصحافة الأميركية للمنعطفات التي مرت بها، ودخلت حقبة جديدة منذ سنتين تقريبا، ويتعلق الأمر بصحافة “ما بعد إدوارد سنودن”.

من مراكز البحث ومن داخل أروقة كليات الإعلام، شرع في التأصيل للواقع الجديد بمحاولة فهم الوضع الذي استفاقت عليه السلطة الرابعة بعد تسريبات سنة 2013، ومن داخل متحف الأخبار بواشنطن العاصمة قضي الأمر، الأسبوع الماضي، بالإعلان عن ممارسة إعلامية جديدة تقويمها التاريخي “ما بعد سنودن”.فما هي ملامح هذا العهد الجديد؟

في متون النقاش التي استوعبتها جلستان مسائيتان، أطلق المشاركون عملية تفكيك شاملة للبينة الإعلامية القائمة، محاولين رسم سيناريو المرحلة وتحدياتها ودرجة تأثرها بتسريبات المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن.

وقبل عام، بدأ مركز “التو سنتر” للصحافة الرقمية العمل على مشروع استكشاف الآثار المترتبة على تشديد مراقبة الدولة لممارسة الصحافة بتمويل من مؤسسة تو ومؤسسة نايت، ودرست مبادرة “الصحافة بعد سنودن” بعض التحديات التي تواجه الصحفيين في عصر المراقبة الشاملة للدولة والبيانات الضخمة.

في متون النقاش التي استوعبتها جلستان مسائيتان، أطلق المشاركون عملية تفكيك شاملة للبينة الإعلامية القائمة، محاولين رسم سيناريو المرحلة وتحدياتها

وقد ختم فريق عمل المبادرة رسميا دراسته، في إطار حدث تمّ تنظيمه بمتحف الصحافة “نيوزيم” في واشنطن، حيث تمّ إطلاق دراسة ومناقشتها، حول الصحفيين الاستقصائيين والممارسات الأمنية الرقمية التي يتخذونها، بالتعاون مع مركز أبحاث بيو.

واستضافت المناقشة حول المراقبة، رؤساء تحرير وصحفيين وأكاديميين، بما في ذلك رئيس التحرير التنفيذي لنيويورك تايمز، دين باكويت، ورئيس التحرير التنفيذي لواشنطن بوست، مارتى بارون، ورئيس جامعة كولومبيا، لي سي بولينجر، ومدير معهد كولومبيا للصحافة، ستيف كول، ورئيسة تحرير بوليتيكو، سوزان كلاسر.

وقد نجحت المبادرة، عبر سلسلة من المشاريع البحثية، في تحقيق دراسة معمقة عن الرأي القائل بأن على الصحفيين ووكالات الأنباء أن يأخذوا مسألة حماية مصادرهم على محمل الجدّ. كما نجحت في تسهيل التعاون بين الصحفيين وخبراء التكنولوجيا، وبدأت في تطوير مناهج الأمن الرقمي واختبارها، التي من المنتظر إدماجها في القاعات الدراسية لمعاهد الصحافة.

وأطلقت المبادرة مناقشات وقامت بتوفير البيانات الأساسية لتحقيق تقييم شامل للتحدي الذي تشكله مراقبة الدولة للصحافة الحرة والمفتوحة. وما كشفه هذا المشروع هو أن التصور العام لماهية المراقبة المفروضة له تأثير ملموس على ممارسة الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة الأميركية.

في رد على تصورهم لمفهوم وماهية المراقبة، نقل العديد من الصحفيين التغييرات التي طرأت على كيفية مشاركتهم أو تخزينهم للوثائق الحساسة وكيفية تواصلهم سواء مع زملائهم أو مع مصادرهم.

كما أقرّ بعض الصحفيين بأنهم شعروا بتغيير ملموس على مستوى مدى استعداد مصادرهم لتبادل المعلومات. ولحسن الحظ، أظهر استطلاع للآراء أجراه مركز تو للصحافة الرقمية “Tow Center for Digital Journalism” أن غالبية الصحفيين تنتابهم المخاوف من المراقبة، لكن ذلك لم يحل بين متابعتهم أعمالهم الاستقصائية والاستمرار في الوصول إلى مصادرهم.
مارتي بارون: أنا مواطن أميركي، يهمني الأمن القومي، وتهمني الديمقراطية

ولسوء الحظ، تستقبل غرف الأخبار الوضع الجديد وهي تعاني من ضائقة مالية بسبب منافسة مصدرها شبكات التواصل الاجتماعي وتراجع المبيعات، ما يعني تخفيضها الموارد المطلوبة لتوفير التدريب على الأمن الرقمي لصحفييها، وكشفت الدراسة أن 15 بالمئة من الصحفيين فقط تلقوا تدريبات تتصل بالأمن الرقمي من طرف مؤسساتهم.

وتمثّل هذه المسألة مصدرا فعليا للقلق بسبب الأحداث الأخيرة التي أظهرت أنه من الممكن الكشف عن هوية مصادرالصحفيين من خلال الميتاداتا (معلومات المعلوماتية)، مما يلغي الإجراء السابق الذي يقضي بضرورة استدعاء صحفي لإصدار شهادة للكشف عن هوية مصدره.

وعندما يعجز الصحفيون عن حماية مصادرهم فإننا نقع في خطر فقدان عامل مراقبة أساسية مفروضة على السلطة المؤسسية. هذا هو التحدي الرئيسي، لا سيما وأنّ الصحافة الحرة تتمتع بمكانة فريدة في النظام الديمقراطي.

أمام هذه الحالة، لا سبيل لحملة القلم سوى المبادرة الفردية عبر اتخاذ خطوات مستقلة لحماية مصادرهم، وهو ما أظهرته الدراسة، إذ أن معظم الصحفيين اتجهوا إلى عقد لقاءات مباشرة مع مصادرهم من باب التحرر من عقال الرقابة. لكن رئيس كلية كولومبيا للصحافة، لي بولينغر، اعتبر أن انحسار الموارد المالية للمؤسسات الصحفية لا ينبغي أخذه مطية للحؤول بين غرف تحريرها وبين التدريب، بل “يجب أن يشجع على الاستفادة من دورات الأمن الرقمي لتقييم المخاطر”.

وأضاف بولينغر “يمكن لمدارس الصحافة ومعاهدها تطوير مناهج الأمن الرقمي وتعميمها حتى تلقن الأجيال القادمة أصول العمل داخل مناخ ما بعد سنودن”.

وقال أيضا: إن ما يتطلبه العهد الجديد هو “الحرص على قدسية المصدر والبحث عن حلول لتجاوز محاولات الإخضاع التي تمارسها المؤسسة السياسية، فضلا عن أهمية احترام الأخلاقيات والمسؤولية”.

وبالرغم من الموارد المحدودة، هناك العديد من التدابير التي يمكن اتخاذها لمعالجة هذا التحدي. فيمكن لوكالات الأنباء مثلا أن تشجّع الصحفيين على الاستفادة من مجانية الأمن الرقمي في إطار دورات تدريبية وحلقات عمل تحت رعاية المنظمات الموثوقة لمعرفة كيفية إجراء تقييم للتهديدات واستخدام أدوات التشفير، مع إطلاق مناقشات داخلية في الوقت نفسه حول أفضل السبل الكفيلة بضمان تعبئة الموارد من أجل توفير مزيد من التدريب المنتظم.

كما يمكن لمعاهد الصحافة أن تطور مناهج رئيسية حول الأمن الرقمي وتقوم بتدريسها في فصولها، ويمكن لجماعات الدفاع غير الربحية أن تستمر بالضغط على واضعي السياسات لضمان توخي الحذر عند استخدام مراقبة كبيرة لسلطات المقاضاة.

وكشف رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة واشنطن بوست، مارتي بارون، بدوره، جانبا من التحديات التي تواجه صحفيي اليوم بما في ذلك عدم القدرة على حماية المصادر وتحقيق التوازن بين الهاجس الأمني وخطابي الحرية والديمقراطية.

إطلاق عملية تفكيك شاملة للبينة الإعلامية القائمة ما بعد سنودن

وقال في هذا السياق “أنا مواطن أميركي، إسوة بمواطني الدولة يهمني الأمن القومي لبلادي، ويهمني أيضا الصالح العام، ولكن تهمني بالخصوص الديمقراطية”.

وعلى النقطة نفسها وضع متدخلون آخرون أصابعهم وإن اختلفت زوايا المعالجة، فالتحدي بالنسبة إليهم متشابه ولا يمكن تجاوزه والوصول إلى خارطة مكتملة لـ “صحافة ما بعد سنودن” إلا عن طريق مثل هذا النقاش الوطني الذي بني على أسس علمية وموضوعية (البحث الميداني وجمع البيانات وتحليلها).

وهذا الشهر، ستنطلق على الإنترنت، مكتبة الأدوات التعليمية، حتى توفر للصحفيين موارد دائمة كفيلة بمساعدتهم على ضمان حماية أفضل لبياناتهم. كما ستقوم بنشر عينة من منهاج، قام بتجميعه الباحثان كريس ووكر وكارول واترز، يشمل أمثلة ملموسة عن اختبارات التقييم وعملياته التي يمكن لأي معهد صحافة أو غرفة أخبار أن تعتمدها بسهولة إذا رغبت في إدراج وحدة تدريب عن الأمن الرقمي وتطبيقها.

كما سينشر مُؤلَف، من المتوقع صدوره في وقت لاحق من هذا العام، بالتعاون مع جامعة كولومبيا للصحافة، بعنوان “الصحافة بعد سنودن”، وهو يتضمن مقالات عن المخلفات المترتبة على ممارسة الرقابة على الصحافة ودورها المجتمعي.

ويضم الكتاب كذلك فصولا حررها كل من جيل أبرامسون، جوليا انغوين، ستيف كول، سوزان كراوفورد، رون ديبرت، سيبوهان جورمان، غلين غرينوالد، غيبين موغلين، آلان روسبردجر، ديفيد سانجر، ديفيد شولتز، كلاي شيركي، كاس سنشتاين، تريفور تيم وبالرغم من أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به، فالصحفيون يأملون أن يساهم هذا البحث والأحداث التي استجدت عبر البلاد، في تعميق الحوار.

18