صحافة ملفقة

أضاف وهو يراجع بعض الأوراق “منك ومنها لله” سألته: أنا مفهوم، لكن من هذه؟ فقال: الصحافة الملفقة التي رمت بـ”مصيبة تاخدك علينا!”.
السبت 2018/09/01
هناك "حرامي" وفاسد يجب كشفهما، فيعاود تكرار ذات الجمل، مع عبارة "عندما تكبر ستفهم"

وأنا “فِسل” تحت التدريب بالصحيفة الشهيرة، وقعت في يدي مستندات عن عملية فساد كبرى كـ”أول خبطة صحافية” في حياتي، طرت بها فرحا لرئيس قسم التحقيقات الذي قال لي مشجعا “ستصبح نجما إذا وثَّقت هذه المعلومات”.

انتشيت جدا وظللت قرابة شهر أجري وراء الخيوط المتشابكة، ويوم أن انتهيت ذهبت إليه طالبا مصورا لتصوير المستندات، استأذن لدقائق ظننتها إلى “دورة المياه”، ثم عاد وأعطاني قصاصة مكتوب عليها باللون الأحمر “يكلف بعمل موضوع عن هوايات أعضاء مجمع اللغة العربية” مع توقيع رئيس التحرير، فأسقط في يدي وعرفت أنه تمّ رفض التحقيق!

وبشعور مَن أخذ على “قفاه” جلست أجادله عن فائدة معرفة القراء بأن رئيس مجمع اللغة العربية يهوى “الملوخية بالأرانب”، لكنه ظل يراوغني بالقول إننا في مرحلة نحتاج فيها إلى إبراز الأمن الغذائي وثورة التعمير، وغيرهما من الشعارات التي راجت أواخر حكم الرئيس الراحل أنور السادات، وفي كل مرّة أفاجئه بعبارة واحدة: لكن هناك “حرامي” وفاسد يجب كشفهما، فيعاود تكرار ذات الجمل، مع عبارة “عندما تكبر ستفهم”.. ولما نفد صبره أمام حدّتي انتفض من مكتبه غاضبا “هلا جئت وجلست مكاني”، وبصفاقة “فتى” طائش رددت “الآن لا.. ربما غدا” فنظر إليّ إشفاقا وأنا ألملم أوراقي وأغادر قهرا.

لم أنفذ التكليف بالطبع، وعدت إليه بعد أسبوع حاملا تحقيقا مغايرا عن إمبراطورية السماسرة الذين عانيت منهم وأنا طالب، بحثا عن غرفة للسكن، وأرفقته بصورة ضخمة لعم عبدالعاطي أشهر سمسار وقتها بميدان الجيزة، كان يفرض إتاوة 50 قرشا نظير معاينة غرفة يتيمة، يرتزق منها دون أن يؤجرها لأحد، رحب بي باسما وأثنى على التحقيق بأن هكذا هو العمل الصحافي، لينشر على صفحة كاملة، وأقع بعدها في هستيريا من الضحك، سألني عن السبب فصارحته بأنه تحقيق “مفبرك” ليس فيه كلمة واحدة صحيحة؟

فشدني إليه: كيف؟.. فأجبت: هذا السمسار “لطش مني 50 قرشا” فانتقمت منه وصورته من “قفاه”. فتساءل: وبقية الصور؟ فقلت: إنها لطلبة أصدقائي وعدتهم بنشر صورهم مجانا!. فألقى بجسده على الكرسي “لاعنا أهلي.. لقد أوقعتنا في مأزق” ثم أكمل “اخفض صوتك لئلا يسمعنا أحد”.. قلت له: أسكت أنا! لا.. لقد خسرت 50 قرشا “لهفها” عبدالعاطي وأريدها.. مدَّ يده وأخرج جنيها أعطاني إياه وكأنه يصرفني “لا أريد الباقي”. ثم أضاف وهو يراجع بعض الأوراق “منك ومنها لله” سألته: أنا مفهوم، لكن من هذه؟ فقال: الصحافة الملفقة التي رمت بـ”مصيبة تاخدك علينا!”.

24