صحافيات في مواجهة التنمر الجنسي عبر الإنترنت: هدفهم تدميرنا

مراسلات يتخلين عن تفاصيل من القصص لمنع التحرش وجهود المؤسسات الإخبارية غير كافية للتعامل مع الهجمات.
الجمعة 2018/05/18
معاناة الصحافيات لا تختلف في الواقع عن الفضاء الإلكتروني

واشنطن - تهديدات بالاغتصاب والتخويف الجنسي وإشارات مبتذلة إلى الظهور الجسدي، هي عينات فقط مما تواجهه الصحافيات في أنحاء مختلفة من العالم، للتسبب في أقصى ضرر عاطفي ممكن وإسكاتهن.

وتوصلت دراسة حديثة أجراها مركز إشراك وسائل الإعلام (سي إم أي) في جامعة تكساس، أوستن في الولايات المتحدة إلى أن التحرش عبر الإنترنت بحق الصحافيات غالبا ما يأتي في شكل “تنمر جنسي”.

وذكرت الدراسة مثالا من الهند: إذ بعد أن قامت إحدى الصحافيات بإعداد قصة عن النساء اللواتي تعرضن للتحرش الجنسي، تعرضت للترهيب من قبل المتصيدين الذين نشروا تعليقات مسيئة، بما فيها عبارات “يجب أن أتعرض للاغتصاب وأرمى للكلاب”.

وأتت الدراسة ثمرة لأبحاث سابقة، وفق ما ذكرت شيري ريتشياردي الصحافية الدولية وخبيرة في تطوير الإعلام في واشنطن، في تقرير لشبكة الصحافيين الدوليين.

وتضاف النتائج إلى مجموعة العمل حول المشكلة التي تتربص بالصحافيات اللواتي يُستهدفن من قبل قراصنة المعلوماتية.

وتمت خلال المشروع الأول مقابلة المهنيين والإعلاميين من الذكور والإناث حول التعليقات غير المحترمة، والمليئة بالكراهية، أو المذلة والمنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي حولهن وحول عملهن، ولاحظ الباحثون توجها معينا.

 

تتعرض الصحافيات للمضايقات في الفضاء الإلكتروني، تركز على شخصهن أو جنسهن، وهي مختلفة تماما عما يواجهه الصحافيون الرجال، ما يجعل الأمر مؤلما لهن عند الذهاب إلى العمل أو حتى النظر إلى التعليقات على مشاركات وسائل التواصل الاجتماعي، كما يحد من الرضا الوظيفي الذي قد يردع البعض منهن عن الاستمرار في هذه المهنة

وقالت مديرة التعليم الطبي البريطاني جينا ماسولو تشن، التي قادت الدراسة “بقينا خلال المقابلات نسمع هذه القصص المقنعة والمروعة من الصحافيات حول الطبيعة الجنسية للتحرش، وهي تختلف عما كنا نسمعه من الرجال، لذلك قررنا أنه علينا إجراء دراسة منفصلة”.

وأضافت “لا شك في أن عملية التحرش تتسبب في ضرر عاطفي حقيقي وتجعل من الصعب عليهن القيام بعملهن”.

وأوضحت “يمكن أن تجعل الأمر مؤلما لهن للذهاب إلى العمل أو حتى النظر إلى التعليقات على مشاركات وسائل التواصل الاجتماعي”، مشيرة إلى أنّ ذلك “يحد من الرضا الوظيفي الذي قد يردع البعض منهن عن الاستمرار في هذه المهنة”. كما أنّها ترى الرقابة الذاتية قضية أخرى.

وتابعت “قد تتخلى المراسلات عن بعض التفاصيل من قصة يعرفن أنها قد تؤدي إلى إغضاب الناس أو تصعيد الهجمات، قد يتجنبن بعض المواضيع، ويمكن أن يؤثر ذلك على الطريقة التي تروى بها القصص، وهو أمر مزعج للغاية بالنسبة للصحافة”، وكتبت أيضا كتاب “القابلية على الإنترنت والنقاش العام: الكلام البائس”، الذي نُشر عام 2017.

ووفقا لما نشره موقع “سي إم أي”، سعى المشروع إلى “فهم كيفية تعامل الصحافيات المحترفات في النشرات المطبوعة والمنشورات على الويب فقط مع هذه المضايقات وما هو تأثيرها على قدرتهن على القيام بوظائفهن، الأمر الذي يتطلب على نحو متزايد التفاعل مع الجمهور”.

وتضمنت العينة 75 صحافية محترفة من ألمانيا والهند وتايوان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، وركّزت الدراسة على سؤالين رئيسيين: إﻟﻰ أي ﻣﺪى -إن وﺟﺪ- ﻳﺆﺛﺮ اﻟﺘﺤﺮش ﻋﺒﺮ اﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ﻋﻠﻰ كيفية ﻗﻴﺎم اﻟﺼﺤاﻔﻴﺎت ﺑﻮﻇﺎﺋﻔﻬﻦ؟ وما هي الاستراتيجيات التي تستخدمها الصحافيات لمنع هذا التحرش أو التعامل معه عند حدوثه؟

وأفادت جميع الصحافيات تقريبا بأنهن تعرضن لنوع ما من المضايقات في الفضاء الإلكتروني التي ركزت على شخصهن أو جنسهن أو نشاطهن الجنسي. وقالت محررة على الإنترنت لمؤسسة إخبارية ألمانية إن التنمر الذي تعرضت له لم يكن موجها إلى عملها، وإنما لـ”التدمير الشخصي”.

وأشارت المجيبات إلى أن المضايقات تختلف عن نظرائهن الذكور. وقد نظرن إليها على أنها أكثر ميلا للجنس، بما في ذلك التهديد بالاعتداء الجنسي.

وشعرت غالبية المستجيبات بأن مؤسساتهن الإخبارية لم تفعل سوى القليل لمساعدتهن على التعامل مع الهجمات الإلكترونية. كنّ قلقات في حال أثرن مشكلة المضايقة، فسيتم وصفهن بـ”الحساسية المفرطة”.

صحافيات مستقلات قررن تجاهل وسائل التواصل الاجتماعي بعد نشر القصص الإخبارية لتجنب سوء المعاملة

ومن بين 75 امرأة تمت مقابلتهن، 24 وصفن إستراتيجية تم تطويرها للتعامل مع الإساءة عبر الإنترنت. وعلى سبيل المثال تستخدم مذيعة أميركية ميزة تحجب بعض الكلمات على صفحتها في فيسبوك، من أجل منع المستخدمين من نشر كلمات مثل “مثير أو “ساخن” أو “الثدي”.

وقالت صحافية أخرى في قناة أميركية إنها تقوم بحذف الكلمات التي تبدو وكأنها تحرشات من صفحة فيسبوك الاحترافية ولديها خشية من أن يؤدي تركها إلى جذب المزيد منها.

وواجهت صحافية لاتينية في الولايات المتحدة “مضايقات شديدة” عندما بدأت عملها منذ خمس سنوات. وهي الآن “أكثر يقظة” حول إظهار جوانب متعددة من القصة لمنع الشكاوى التي قد تتطور إلى إساءة.

وتحدثت إحدى الصحافيات المستقلات في المملكة المتحدة عن تجاهل وسائل التواصل الاجتماعي بعد رواية القصة لتجنب سوء المعاملة، وقالت “إذا كنت أكتب لصحيفة الأحد، فستظهر تلك التعليقات على صفحتي على تويتر وأكون قد قضيت على عطلة نهاية الأسبوع بأكملها”. وﺷﻌرت الصحافيات الألمانيات المستجوبات أنه ﻣن اﻟﻣهم أن تكون ﻟدﯾﻧﺎ زميلات ﻟﻟﺗﺣدث ﻋن اﻟﻣﺿﺎﯾﻘﺎت اﻟﺗﻲ تعرضن لها واﻟﻣﺳﺎﻋدة ﻓﻲ إﺑطﺎل اﻟﺗﻌﻟﯾﻘﺎت.

وأعربت الدراسة عن أن معظم النساء اللواتي قابلناهن ذكرن أنهن يشعرن أن المؤسسات الإخبارية يمكنها أن تفعل المزيد لتدريبهن على كيفية التعامل مع الإساءات ودعمهن بعد حدوثها. وهذا يشير إلى الحاجة إلى مدارس الصحافة ودورات التطوير المهني لتشمل التدريب حول كيفية التعامل مع التحرش عبر الإنترنت.

وتأمل معظم الصحافيات أن يرى رؤساؤهن ضرورة لضمان مكان أكثر أمانًا للتشارك، خال من التحرش عبر الإنترنت.

18