صحافيون للأناضول في مئويتها: أين الأصوات المختلفة للشعب التركي

وكالة الأناضول تحتفل بمئويتها باستعراض مبالغ فيه للرسائل البرتوكولية التي تلقتها ما يوحي بأنها تحاول تبرئة ساحتها من تهم دون أن تذكرها.
الثلاثاء 2020/04/07
الأناضول تثير الجدل بين الأمس واليوم

مع احتفال بمئة عام على تأسيسها، تسلط وكالة الأناضول التركية الضوء على التغيرات الكبيرة التي شهدتها طيلة هذه الفترة، مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا، وتوجهها للجمهور العربي بتغطية إخبارية تتناسب مع مشروع رجب طيب أردوغان والإخوان في المنطقة.

أنقرة- خصصت وكالة الأناضول التركية مساحة واسعة من تغطيتها الإخبارية الرئيسية طيلة الأيام الماضية للاحتفال بمئويتها، طغت على المواضيع الإخبارية، لكن هذه التغطية سلطت الضوء على واقع الوكالة تاريخيا واختلاف طريقة تناولها للحدث التركي ما بين الماضي، والعصر الحالي تحت حكم الرئيس رجب طيب أردوغان.

واحتفت الأناضول بشكل مبالغ به بالرسائل البرتوكولية التي تلقتها، رغم أنها أمر معتاد بالنسبة لوكالات الأنباء الدولية في مثل هذه المناسبات، خصوصا الوكالات الرسمية التابعة للحكومات والتي تمثّل وجهة نظر بلادها.

ومنحت الأناضول منصتها لمسؤولين أتراك وأعضاء في الحكومة للإشادة بدورها في نقل الأخبار والمعلومات، كما ركّزت على شهادات عدد كبير من صحافيي ومسؤولي وسائل إعلام معروفة التوجّه، وبشكل خاص رؤساء تحرير صحف قطرية والبعض من السياسيين الذين ينتمون إلى جماعة الإخوان في عدة دول عربية، ومنهم من يقيم في تركيا، الذين أشادوا بتغطيتها واهتمامها بالشأن العربي، مستفيضين بالحديث عن “المهنية والموثوقية” في إخبارها، وفق قولهم.

واعتبر متابعون أن احتفال الأناضول بمئويتها أمر طبيعي، لكن ما يثير الانتباه والاستغراب هو المبالغة في استعراض الشهادات وكيل المديح لـ”معايير المهنية والصدقية” التي من المفترض أن تتمتع بها وسائل الإعلام ووكالات الأخبار الدولية.

وأضافوا أن هذا السيل من الشهادات يوحي كما لو أن الوكالة تحاول تبرئة ساحتها من تهم دون أن تذكرها. ووجه صحافي عربي مقيم في تركيا (فضّل عدم الإفصاح عن اسمه)، تساؤلا للوكالة: أين وجهات نظر الأتراك المختلفة على الوكالة الحكومية لبلادهم؟ لماذا لا تسمع أصوات الصحافيين المستقلين الذين ينتفضون من خلال مواقع التواصل الاجتماعي متحدين التهديدات الأمنية وحملة الاعتقالات ضدهم؟

وبالتزامن مع الإشادات بالوكالة وتاريخها، واحتفاء المسؤولين الأتراك بوسائل إعلام بلادهم ومهنيتها، يطلق صحافيون أتراك من منازلهم صيحات للمطالبة بإطلاق سراح زملائهم في السجون، ولا تنفكّ وسائل الإعلام التركية المنفية خارج البلاد الحديث عن فضيحة القانون الذي بصدد إطلاقه البرلمان بالإفراج عن السجناء
المعتقلين باستثناء الصحافيين. لكن الأناضول لم تذكرهم في أي خبر أو تقرير.

وتعدّ وكالة أنباء الأناضول من أقدم الوكالات الإخبارية في المنطقة، إذ تأسست في 6 أبريل عام 1920 بقرار من مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، ثم تحولت إلى شركة تركية مساهمة في عام 1925. وهي الوكالة الرسمية لتركيا. وتخضع لملكية الدولة التي تشرف عليه.

واكتسبت أهمية تاريخية انطلاقا من تغطيتها وقائع حركة الاستقلال، حيث منحها أتاتورك أولوية لنقل الأخبار، وأرسل تعميمًا إلى المؤسسات العسكرية والمدنية في البلاد، أبلغها فيه بتأسيس الوكالة، وإطلاع الرأي العام على تطورات الأحداث الداخلية والخارجية.

وبالفعل قامت الأناضول بدور فاعل في تغطية مجريات الأحداث في تركيا ونقلها إلى العالم منذ تأسيسها، لكنها شهدت نقطة تحول كبيرة مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم.

وفي 2015، أزالت الوكالة اسم مصطفى كمال أتاتورك، واعتبر ذلك علامة على تحولها صوب الحزب الإسلامي الحاكم. وفي أبريل 2019، صدر مرسوم رئاسي في الجريدة الرسمية يؤكد سيطرة مديرية الاتصالات الرئاسية على وكالة الأناضول التركية.

وقالت صحيفة حريات التركية، إن الهيئة باتت مخولة “بمراجعة موارد الأناضول وتنظيمها ومواردها البشرية”، وفقاً للمرسوم الموقع من أردوغان. وبذلك، بمقدور الدوائر المحيطة بأردوغان التحكم بطريقة تعيين مدراء الوكالة، وبالتالي الأخبار التي يراد نشرها أو إخفاؤها.

والتطور المهم في الوكالة بالنسبة للجمهور العربي هو إطلاق النسخة العربية الذي تم في عام 2012، أي بعد مُضيّ 92 عاما على تأسيسها، لأسباب سياسية وليست إعلامية. وارتبط إطلاق النسخة العربية بصعود الإسلاميين في المنطقة العربية وتطلعات أردوغان لاستعادة العثمانية، عبر دعم جماعة الإخوان، وسيطرته عليهم.

احتفال الأناضول بمئويتها أمر طبيعي، لكن المبالغة في مديح "المهنية والصدقية" تثير الاستغراب

وبدا ظاهراً استغلال مكانة وكالة الأناضول في تسويق تحركات ونشاطات الجماعات الإسلامية المتشددة في عدة دول حول العالم، والترويج للفكر الإخواني داخل الدول العربية.

وظهر هذا بشكل واضح للقراء في طريقة تعاطي الأناضول مع مختلف القضايا التي تخص تركيا ومحيطها الإقليمي، وسبق أن وصف نائب “حزب الشعب الجمهوري” المعارض طورجوت ديبك، الوكالة بأنها مجرد أداة في يد أردوغان، إذ تقوم بتعيين الموالين له في كوادرها، كما تستخدم كوسيلة للضغط على صحف المعارضة.

ومقابل الدعم السياسي الذي تقدّمه وكالة الأناضول لأردوغان، فإنه وفّر لها دعما ماليا كبيرا إذ تحدثت المعارضة التركية ما كشف عنه تقرير لهيئة الإعلام والصحافة التابعة لرئاسة الوزراء التركية، الذي يؤكد أن الهيئة قامت خلال عام 2014 -على سبيل المثال- باستقطاع مبلغ 144 مليون ليرة تركية من ميزانيتها البالغة 197 مليون ليرة تركية، أي ما يمثل 73 في المئة من تلك الميزانية، لصالح وكالة أنباء الأناضول.

18