صحافيون وهميون يستخدمون التزييف العميق لخداع الإعلام

مهاجمة الأكاديمي مازن المصري وزوجته الناشطة في مجال الحقوق الفلسطينية تكشف عن أداة جديدة للتضليل الإعلامي من خلال شخصيات وهمية المركبة.
الخميس 2020/07/16
هاني فريد يؤكد ملامح التشوه وعدم الاتساق في الخلفية

واشنطن - نشرت صحف إسرائيلية مقالات لأوليفر تيلور الطالب بجامعة برمنغهام في إنجلترا في العشرينات من عمره وله عينان بنيتان ولحية خفيفة وابتسامة جافة بعض الشيء، لكن الحقيقة التي ظهرت لاحقا أنه مثال نادر لظاهرة برزت كسبب رئيسي للقلق في العصر الرقمي وهي الجمع بين التزييف العميق والتضليل الإعلامي.

ويعرف تيلور عن شخصيته بأنه عاشق للقهوة ومدمن سياسة نشأ في بيت يهودي تقليدي. وتكشف منشوراته ككاتب حر والتي يبلغ عددها ست مقالات، وكذلك تدويناته على الإنترنت عن اهتمامه بقضايا مناهضة السامية والشؤون اليهودية. وقد نشرت له مقالات باسمه في صحيفتي جيروزاليم بوست وتايمز أوف إسرائيل.

وبعد البحث عن تايلور تبين أن جامعته ليس لديها أي سجلات عنه. وليست له بصمة واضحة على الإنترنت سوى حساب على موقع كورا، القائم على أسئلة وأجوبة، كان نشطا في استخدامه لمدة يومين خلال شهر مارس.

وتقول صحيفتان نشرتا كتابات له أنهما حاولتا دون جدوى التأكد من هويته. واستخدم خبراء في الصور الخداعية برامج متطورة أكدت أن الصورة المنشورة على صفحته تمثل تزييفا متقنا مما يطلق عليه التزييف العميق.

الشخصيات الوهمية المركبة من خلال التزييف العميق خطرة لأنها يمكن أن تساهم في إنشاء هوية لا يمكن رصدها

وقالت وكالة رويترز إنها لا تعرف من يقف وراء تيلور. وكان الرد على مكالمات لرقم الهاتف البريطاني الذي قدمه للمحررين عبارة عن رسالة مسجلة عن خطأ في الاتصال. ولم يرد تيلور على رسائل أرسلت إلى عنوان المراسلة على بريد جيميل الإلكتروني.

ونبه رويترز لشخصية تيلور الوهمية الأكاديمي مازن المصري المقيم في لندن والذي أثار اهتماما دوليا في أواخر عام 2018 عندما ساعد في رفع دعوى في إسرائيل على شركة المراقبة أن.أس.أو بالنيابة عن مكسيكيين قيل إنهم ضحايا لتكنولوجيا اختراق الهواتف التي ابتكرتها تلك الشركة.

وكان تيلور قد اتهم المصري وزوجته ريفكا برنارد الناشطة في مجال الحقوق الفلسطينية بأنهما من الشخصيات المعروفة بالتعاطف مع الإرهاب وذلك في مقال نشرته صحيفة ألجماينر اليهودية الأميركية.وكان ذلك الاتهام مباغتا للمصري وزوجته، ونفي الاثنان صحته.

واحتار الاثنان في السبب الذي دفع طالبا جامعيا لتوجيه الاتهامات لهما بالذات. وقال المصري إنه بحث عن صورة تيلور الموجودة على الإنترنت. وبدا له شيء غريب فيها لكنه لم يستطع أن يحدد طبيعته.

وقالت رويترز إنها استطلعت آراء ستة خبراء أكدوا أن الصورة بها خصائص التزييف العميق.

وأفاد هاني فريد رائد بتحري صحة الصور الرقمية وهو من القائمين بالتدريس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي “ملامح التشوه وعدم الاتساق في الخلفية علامة واضحة على أن الصورة مركبة، وكذلك شوائب قليلة حول عنقه وياقته”.

صورة أوليفر تيلور الطالب بجامعة برمنجهام في إنجلترا (إلى اليسار) وخريطة حرارية لنفس الصورة للكشف عن خاصية التزييف العميق في صورة مجمعة
صورة أوليفر تيلور الطالب بجامعة برمنجهام في إنجلترا (إلى اليسار) وخريطة حرارية لنفس الصورة للكشف عن خاصية التزييف العميق في صورة مجمعة

وكشف الرسام ماريو كلينجمان الذي يستخدم التزييف العميق بانتظام في أعماله إن الصورة بها كل علامات التزييف. وأضاف “أنا متأكد 100 في المئة”.

وفي العام الماضي حذر النائب آدم شيف رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب من أن مقاطع الفيديو التي يتم انتاجها باستخدام الكمبيوتر قد تحول “زعيمـا عالميـا إلى دميـة لشخص يتكلـم من بطنه”.

ويقول دان براهمي المتخصص في رصد الصور المزيفة إن الشخصيات الوهمية المركبة من خلال التزييف العميق خطرة لأنها يمكن أن تساهم في إنشاء “هوية لا يمكن رصدها على الإطلاق”.

وأضاف براهمي أن المحققين الذين يسعون للوصول إلى أصل مثل هذه الصور كمن “يبحثون عن إبرة في كومة قش باستثناء أن الإبرة لا وجود لها”.

ويبدو أن تيلور لم يكن له وجود على الإنترنت إلى أن بدأ يكتب مقالاته في أواخر ديسمبر الماضي.

وأفادت جامعة برمنجهام في بيان إنها لم تستطع العثور على “أي سجل للشخص الذي يستخدم هذه التفاصيل”. ويقول محررون بصحيفتي جيروزاليم بوست وألجماينر إنهم نشروا مقالات لتيلور بعد أن عرض عليهم مقالاته بالبريد الإلكتروني. وقالوا إنه لم يطلب مقابلا ماديا وإنهم لم يبذلوا جهدا كبيرا للتحقق من هويته.

الأكاديمي مازن المصري الذي كشف استخدام التزييف العميق
الأكاديمي مازن المصري الذي كشف استخدام التزييف العميق 

وأوضح دوفيد إيفون رئيس تحرير ألجماينر “لسنا وحدة استخبارات مضادة” لكنه أشار إلى أن الصحيفة طبقت ضمانات جديدة بعد تلك الواقعة.

وبعد أن بدأت رويترز تستفسر عن تيلور سحبت صحيفتا ألجماينر وتايمز أوف إسرائيل مقالاته. وأرسل تيلور رسائل بالبريد الإلكتروني للصحيفتين يحتج على رفع مقالاته لكن ميريام هيرشلاج محررة مقالات الرأي في صحيفة تايمز أوف إسرائيل قالت إنها صدته بعد أن فشل في إثبات هويته.

وأبقت صحيفة جيروزاليم بوست وموقع أروتز شيفا على الإنترنت على مقالات تيلور رغم أن الموقع شطب الإشارة إلى المصري وزوجته باعتبارهما من المتعاطفين مع الإرهابيين.

ولم يرد ياكوف كاتز رئيس تحرير جيروزاليم بوست عندما سئل عما إذا كانت مقالات تيلور ستبقى. أما يوني كيمبنسكي رئيس تحرير أروتز شيفا فقال إن منافذ إخبارية تستخدم في حالات عديدة أسماء مستعارة على مقالات الرأي. وامتنع عن الخوض في التفاصيل عما إذا كان يعتبر تيلور اسما مستعارا.

ولم يحدث تفاعل يذكر مع مقالات أوليفر تيلور على وسائل التواصل الاجتماعي لكن هيرشلاج من صحيفة تايمز في إسرائيل قالت إنها لا تزال خطرة لا لأنها تشوه الخطاب العام فحسب بل لأنهه من المحتمل أن تجعل من هو في مثل موقعها أقل استعدادا للمجازفة بنشر مقالات لكتاب مغمورين.

18