صحافيو إسطنبول العرب

تركيا غير مرتاحة للوجود الإعلامي العربي الحالي فيها، لأنه لا يستطيع أن يعبر عنها بالشكل الذي تريده، كونه مرتبطا بالظروف السياسية التي يعيشها الواقع العربي.
الاثنين 2018/05/21
ملتقى لتحسين صورة تركيا

أثار مؤتمر “ملتقى إسطنبول للصحافيين العرب” عددا من التساؤلات حول أهدافه وزمانه ومكانه، من أهمها تلك التي طرحتها الصحافية السعودية منيرة المشخص على حسابها في تويتر حين وجهت إليها الدعوة.

وكتبت المشخص “وصلتني هذه الدعوة من ملتقى إسطنبول للصحافيين العرب، وكان لديهم إصرار غريب على حضوري بحجة أنه تم توجيه الدعوة لخمسين صحافيا عربيا، بطبيعة الحال أنا رفضت، ولكن دعوني أطرح تساؤلا: كيف يكون خاصا بالصحافيين العرب وفي تركيا؟ والسؤال الثاني: لماذا في هذا الوقت بالذات وهذا الإصرار العجيب على دعوتنا؟”.

بغض النظر عن إجابتي سؤالي المشخص السابقين، رغم أهميتهما، فإن تركيا دأبت خلال السنوات الماضية، وتحديدا منذ الانتفاضات المشؤومة في الدول العربية على عقد مؤتمرات تخص دولنا، حملت شعارات إسلامية، ومدخلها دائما هو دعم جماعات وأحزاب وميليشيات ما أصبح يعرف بتيار الإسلام السياسي، ورافقت ذلك بتدخل مباشر في الشؤون الدّاخلية، من ذلك دعم الفوضى والإرهاب في مصر، ودعم القتل والدم في سوريا، ودعم الفرقة وإحداث قطيعة بين أهل البيت الواحد من خلال دعمها للموقف القطري.

اليوم تنتقل تركيا من خلال عقد ملتقى الصحافيين العرب إلى محاولة اختراق الجبهة الداخلية في الدول العربية، بشكل آمن ومقبول اجتماعيا، مع أن تصريحات المسؤولين الأتراك توحي بالتركيز على الجبهة الداخلية لبلادهم، من ذلك ما ذكره رضوان دوران رئيس قسم الشؤون الفنية ببلدية إسطنبول في كلمته الترحيبية بالصحافيين العرب، بقوله “إن إسطنبول من أكثر مدن العالم التي يقصدها السياح من مختلف بلدان العالم.. وإنها تستضيف حاليا نحو 700 ألف من أبناء الجالية العربية في تركيا، وإنها عبارة عن متحف مكشوف في مختلف مناطقه”، فهل فعلا هي تسعى كما هو ظاهر إلى أهداف سياحية؟

واضح أن الهدف الأساس للحكومة التركية ليس السياحة، وإنما التأثير السياسي الذي يحقق مكاسب اقتصادية من خلال التمكين لجماعات الإسلام السياسي، أو على الأقل إيجاد تحالفات ثنائية مع دول عربية قد تتناقض في سياستها المتحالفة والمؤيدة لتركيا مع المصالح العربية عبر المدخل الإعلامي، وهذا الهدف سعت إليه منذ سنوات، لكنها قدمته بصيغة هي أقرب إلى التعاون والصداقة، بداية من إنشاء جمعية “بيت الإعلاميين العرب في تركيا”، حيث ذهب رئيسها محمد زاهد غول في مقابلة أجرتها معه وكالة الأناضول في 19 أبريل 2017، إلى القول “إن الجمعية تهدف إلى أن تكون جسرا للتواصل بين المؤسسات والإعلاميين العرب في تركيا والمؤسسات الرسمية التركية؛ بعد أن أصبحت تركيا تستضيف عددا كبيرا منهم.. وإن تركيا مؤهلة لأن تصبح مركزا إعلاميا عالميا وليس فقط عربيا”.

ومن جهة أخرى، فإن ملتقى الصحافيين العرب في تركيا، قد يكون الهدف منه أيضا تحسين صورة تركيا، لأن هذه الأخيرة ترى، كما ذكر زاهد غول، “أن بعض وسائل الإعلام العربية تبتعد أحيانا عن الموضوعية والمصداقية، وأحيانا عن المعايير الأخلاقية للمهنة، وهو أمر يسيء لصورة تركيا من جهة، وصورة هذه المؤسسات من جهة أخرى”.

كما أن تركيا غير مرتاحة للوجود الإعلامي العربي الحالي فيها، لأنه لا يستطيع أن يعبر عنها بالشكل الذي تريده، كونه مرتبطا بالظروف السياسية التي يعيشها الواقع العربي، ولهذا لا يمكن الحديث عن استمرارية الأمر مستقبلا بهذه الصيغة، كما يرى غول.

القول بمحاولة اختراق تركيا للدول العربية إعلاميا من خلال ملتقى الصحافيين العرب، ليس مجرد توقعات، ولكنه هدف تسعى لتحقيقه في محاولة منها لإعادة تكرار ما تحقق من خلال الأعمال الفنية.

 وعلى خلفية نجاح الدراما التركية، سيتم الاستثمار في المجال الإعلامي داخل الكثير من الدول العربية غدا، وستكون لتركيا لوبيات تدعم سياسيين موالين لها، ومادامت قد وفرت منصات إعلامية عندها للمعارضين لدولهم، بما في ذلك جماعات إرهابية، فلماذا لا توفر منصات داخل الدول العربية تكون محلية المنتج، تركية المنشأ، وتحقق أهداف الدولة التركية؟

سيحدث ذلك وأكثر، ونحن لا نزال في أوطاننا غرباء في مجال الإعلام، وإذا حاولنا أن نوظف طاقاتنا لصالح أوطاننا وأمتنا نضيع في دهاليز الولاءات الوهمية لأنظمة لا تقيم للإعلام وزنا، بعد هذا، هل نأمل في ملتقى إعلامي عربي جامع، بعيدا عن تدخل السلطات يكون برمزية، ولا أقول بحجم، أوطاننا وأمتنا ورسالتنا وحضارتنا؟ ربما.

18