صحافيو مصر أمام تحدي وحدة الصف لمجابهة قانون "اغتيال الصحافة"

الهدوء مؤشر على تشرذم الصحافيين وفقدان قوة الدفع لتغيير مسار قانون يقلص هامش الحريات.
الأربعاء 2018/07/11
نقابة الصحافيين تفقد دورها

القاهرة - فوجئ الصحافيون بمشروع قانون تجري مناقشته في البرلمان لتنظيم عمل الصحافة والإعلام، دون عرضه على جمعيتهم العمومية، وفقا لما نص عليه الدستور. واشتمل التشريع على نصوص تمس الحقوق والحريات، وتهدد المهنة.

ويعيد قانون الصحافة الجديد الذي شبهه البعض بأنه “اغتيال للعمل الصحافي”، الحبس الاحتياطي في قضايا النشر ويفتح الباب لعقاب الصحافيين خارج نقابتهم، كما يهدد المؤسسات القومية، بتصفيتها وتشريد عاملين فيها وانتقاص حقوقهم.

واعتبر صحافيون أن الهدف الرئيسي من القانون إحكام السيطرة على مهنة الصحافة ليحول دون ممارستها لدورها التاريخي والرقابي بوصفها “سلطة رابعة”. وجاء تتويجا لإجراءات ضد العمل الصحافي، بدأت بعدما ضاعفت الحكومة من سياسة حجب المواقع والصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم يتوقف القانون عند حد زيادة الرقابة والسيطرة، لكنه منح ﺍﻟﺤﻖ في ﻣﻨﻊ ﺗﺪﺍﻭﻝ ﻣﻄﺒﻮﻋﺎﺕ ﻭﺳﺤﺐ ﺗﺮﺍﺧﻴﺺ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ، ﻭﻭﻗﻒ ﻭﺣﻈﺮ ﻧﺸﺮ ﻣﻮﺍﺩ ﺇﻋﻼ‌ﻣﻴﺔ، دون تحقيق أو حكم قضائي.

وتعيش النقابة المصرية حالة من الفشل العام، بعد أن بدت غائبة لفترة طويلة عن اتخاذ قرار ضد المشروع قبل تمريره نهائيا، أو حتى تحفيز الصحافيين على الاحتجاج عليه.

وأشار حسين عبدالرازق، عضو لجنة التشريعات الصحافية والإعلامية، لـ”العرب” إلى أنه “تم التوافق مع الحكومة على نص قانون موحد للصحافة والإعلام، ثم فوجئنا بها تحيل القانون إلى البرلمان بعد تقسيمه إلى أربعة قوانين، هي: قانون لتنظيم الصحافة والإعلام وقانون المجلس الأعلى للإعلام وقانون ثالث للهيئة الوطنية للصحافة ورابع للهيئة الوطنية للإعلام”.

وحذر من مغبة تمرير القانون الحالي، لأن العمل الصحافي سيدخل منعطفا خطيرا، يتهدد معه مصير المهنة.

وأبدت الجماعة الصحافية سخريتها تجاه “ديمقراطية الهوامش” التي كانت سائدة أيام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكن المفارقة الآن أنها تحوّلت إلى الدفاع عن هذه الهوامش التي تتقلص تدريجيا.

نقابة الصحافيين تعيش حالة من الفشل العام، بعد أن بدت غائبة لفترة طويلة عن اتخاذ قرار ضد المشروع قبل تمريره

وقال عبدالرازق “إذا أصر مجلس النواب على إصدار القانون في شكله الحالي، سيتسبّب في أزمة عاصفة تفوق تلك التي نجمت عن أزمة القانون 93 لسنة 1995”.

وتحيل الأزمة الراهنة إلى أخرى شبيهة بها، عندما احتج الصحافيون ضد القانون 93 لسنة 1995، الذي صادق عليه الرئيس حسني مبارك ليفاجأ به الصحافيون الذين أبدوا غضبا عارما ومواجهة شرسة له.

ولعبت نقابة الصحافيين برئاسة الراحل إبراهيم نافع، دورا قويا في تنظيم مواجهة مباشر مع الحكومة عززت من التراجع عن القانون. وساند نافع وقتها، وهو رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة الأهرام الرسمية، موقف مجلس وجمعية النقابة ضد القانون حتى تم إسقاطه.

ويفتقد الصحافيون اليوم هذه الميزة في الأزمة الحالية، إذ أصبحت النقابة أضعف مما ينبغي بعد تغوّل الأجهزة الأمنية على العمل الصحافي مؤخرا، وهناك نوع من التباعد بين المجلس وجمعيته العمومية، وخلافات تضرب مجلس النقابة، بين مجموعة تنحاز بشكل واضح لاستقلال وحرية الصحافة، وأخرى، على رأسها النقيب عبدالمحسن سلامة، مصممة على الاحتفاظ بولائها تماما للسلطة الحاكمة وعدم الممانعة في تمرير القانون الجديد. ويقول يحيى قلاش، نقيب الصحافيين السابق، لـ”العرب”، “حال تطبيق القانون الجديد سيبدّد أي مستقبل مشرق للصحافة المصرية، لأنه يقضي على المهنة، ويعتبر مصادرة من المنبع لممارسة المهنة والحريات العامة وليس حرية الصحافة والنشر فقط”.

وأضاف “الدستور المصري الحالي منح مزايا غير مسبوقة للصحافيين، واستجاب لمطالبهم التاريخية، لكن التشريعات التي يفترض فيها تنظيم الحقوق في الدستور قامت بمصادرتها وتحوّلت فلسفة التشريع إلى عقوبية وليست حقوقية”.

وأعطى القانون الجديد صلاحيات مطلقة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، ما يحيلها إلى أداة من أدوات القمع للأجهزة التنفيذية، وهذا تداخل مع دور النقابة المنوط بها محاسبة الصحافيين. وأوضح، “هناك أزمات تفرض نفسها مهما كان التنظيم النقابي غير متوازن، فعظم الأزمة إذا قابله غضب من الجمعية العمومية ستكون قادرة على تحريك الحالة شبه الميتة”.

ولم ينكر أن أطراف الأزمة يدورون في حلقة مفرغة، في ظل عدم وجود تنظيم أو قيادة، وجزء كبير من مجلس النقابة يتجاهل الأزمة، مقترحا فتح باب الحوار والمناقشة ويكون الصحافيون تحت مظلة النقابة.

ويردد صحافيون، أنه لا ينبغي الاعتقاد أن الأزمة تخصهم فقط، لكنها تنسحب إلى المجتمع والدولة واستقرارها وسط التحديات التي تواجهها في الداخل والخارج، وفي وقت تطالب فيه الإعلام أن يحل في مقدمة المواجهة.

وتعيش الصحافة المصرية حالة استثنائية، سمتها الأساسية تدخّل جهات عدة وأجهزة أمنية بالمنع والحذف والحجب ووقف الطباعة حتى تحولت إلى حالة عامة وطبيعية.

وهو ما وصفه محمد سعد عبدالحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحافيين، بأنه “شرعنه الاستثناء” عبر قانون يخوّل للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الرقابة على المطبوعات والمنصات والمواقع.

وتتعاظم مخاوف الصحافيين حول قدرة التنظيم النقابي الحالي على مواجهة الأزمة والوقوف ضد إقرار القانون مع ضعف واضح للنقابة وانقسام فاضح بين أعضاء مجلسها.

وأكد عبدالحفيظ، أن ثمة توافقا بين أعضاء مجلس نقابة الصحافيين على رفض هذه المواد وإن شاب ذلك تفاوت في المواقف المعبرة عن الرفض، وهناك مجموعة قررت الاستقالة حال تمرير القانون من قبل مجلس النواب، وفي حال إعلانها، فذلك من شأنه إسقاط مجلس النقابة بحكم القانون وإحداث حالة من الفراغ تتحمل السلطة عواقبها.

18