صحراء النيجر من منطقة قاحلة إلى جنة تلمع ذهبا

الاثنين 2014/05/26
حركية مكثفة أصبحت تعيشها بلدة "دجادو" جراء اكتشاف الذهب فيها

دجادو (النيجر)- حوالي ثلاثة عشر ألف شخص، حسب تقديرات السلطات المحلية في النيجر، وأكثر من ستين ألفا وفقا لبعض المراقبين، تجمّعوا، منذ نحو شهر، في قرية توبو دي يابا في بلدة ريفية من “دجادو”، تلك المنطقة الصحراوية القاحلة الواقعة على بعد 1900 كم من العاصمة نيامي.

أعداد غفيرة توافدت على بلدة “دجادو” الواقعة في صحراء النيجر بعد إعلانها موقعا للذهب، بحثا عن “الثروات الضخمة” التي تعجّ بها طبقاتها الأرضية.

بدت تلك الحشود الغفيرة المنتشرة في غير انتظام على أكثر من 20 ألف كم2 في حالة استغراق تامّة مع الفضاء الرملي والصخري المحيط بها. أكثر من 15 جنسية، معظمهم من النيجر وتشاد، بالإضافة إلى عدد من الليبيين والسودانيين والموريتانيين والنيجيريين، عدّتهم لم تكن أكثر من أجهزة للكشف عن المعادن ومعاول لنبش سطح الأرض والغوص في أعماقها.

في ذلك اليوم الحار من شهر مايو كانوا يمضون اليوم بأكمله وهم يحفرون الأرض في حالة تأهّب قصوى في انتظار سماع أجراس أجهزة رصد المعادن التي بحوزتهم تدوي في الصحراء.

أفارقة من أكثر من 15 جنسية ينبشون صحراء النيجر بحثا عن المعدن الأصفر

كانوا ينتقلون بشكل متواصل، ويعيدون الحفر من جديد دون ملل أو كلل، قبل أن يمرّوا إلى مرحلة التدقيق والإمعان في الرمال والحصى المتكدّسة على جانبي الحفر، وذلك عبر إخضاعها لعملية نبش واسعة النطاق تستنفر خلالها كلّ الحواس إلى حين العثور على المعدن الثمين.

منذ اكتشاف وجود الذهب المدفون تحت كثبانها في أبريل الماضي، تحوّلت منطقة “دجادو” إلى وجهة يقصدها الباحثون عن المعدن الثمين.

رحلة البحث عن الثراء جمعت جنسيات مختلفة، أبحرت جميعها في حلم الحصول على الذهب، لترسو في هذا الموقع أملا في تجسيد ذلك الحلم. تغيّر أثار استحسان البعض ممّن سعدوا باكتشاف هذه الثروات في أراضيهم، فيما شعر آخرون بالاستياء من انقلاب النعمة المرصودة تحت طبقات أراضيهم إلى نقمة.

إبراهيم هو أحد المنقّبين النيجريين الذين قدموا إلى موقع “دجادو” بحثا عن الذهب، رجل يافع في الثلاثين من عمره اختار الإثراء من بابه الواسع. قال متحدّثا عن خفايا نشاطه ذاك “نحن لا نحفر إلى مستوى عميق في باطن الأرض”، مشيرا إلى أنّ “المنقّبين كانوا يجمعون شذرات الذهب من الرمال” عند انطلاق أشغال الحفر في البداية.

وصول الباحثين عن الذهب أحدث جلبة وضوضاء في بلدة كانت إلى وقت قريب تغوص في صمت طويل، لتتحوّل في وقت قياسي إلى عاصمة مليئة بالحيوية والحياة. ففي السابق، كانت البلدة معروفة بانتاج الصودا (مادة لصناعة الزجاج)، والملح والتمور، بالإضافة إلى ما تتضمّنه من نقاط جذب كان من الممكن أن تجعل منها قطبا سياحيا صحراويا هاما.

وصول الباحثين عن الذهب أحدث جلبة وضوضاء

فـ “دجادو” أو “كاوار” كما يحلو للبعض تسميتها (تجمع واحات “بيلما” و”ديركو” و”دجادو” و”فاشي”) دخلت في سبات عميق و”خمول غير مسبوق في أعقاب التمرّد المسلّح في سنتي 1990 و2007”. هكذا قال النائب السابق عن “بيلما” آجي ماردي طاهر وهو يسترجع أحداثا عاصفة غير بعيدة، قبل أن تستعيد ملامحه بعض الهدوء وهو يتحدّث عن النقلة النوعية التي تعيشها المنطقة جراء اكتشاف المعدن الثمين فيها.

“المنطقة في طريقها إلى أن تتحوّل إلى قطب منجمي، ونقطة ارتكاز هامة في تاريخ المنطقة، إلاّ أنّ طرق التنقيب تقتصر على الوسائل التقليدية، وعمليات بيع الذهب تجري بمنأى عن قنوات التوزيع الرسمية”، يقول النائب.

رئيس بلدية “دجادو” سيدي آبا لوّل قال إنّ بلدته هي المستفيدة الوحيدة في الوقت الراهن من هذا الاكتشاف، بما أنّها فرضت ضريبة على الأجهزة المستعملة في التنقيب، حيث تحصل يوميا على غرام واحد من الذهب عن كلّ جهاز مستعمل، وعلى مبلغ 20 ألف فرنك أفريقي (حوالي 41.82 دولارا) كرسم دخول كلّ منقّب إلى الموقع.

وفي المقابل، شهدت المنتجات والسلع الأساسية ارتفاعا مجحفا في أسعارها، ونقصا ملحوظا في كمياتها المتوفّرة للبيع في المتاجر، منذ اكتشاف الذهب في هذه المنطقة النائية من البلاد. فلقد أصبح من النادر الحصول على العجين والحليب المجفّف والبسكويت من متاجر “ديركو” و”سيغيدين” و”شيرفا” (قرى تابعة لبلدية دجادو).

كما سجّلت القوارير من حجم 25 لترا، والتي تستخدم في نقل وحفظ المياه وغيرها من المشروبات نقصا فادحا وصل إلى حدّ الاندثار تماما من رفوف محلات التجار. ليغاري آبا هو أحد سكان المنطقة قال معقّبا على الموضوع “في بعض الأحيان، يتوجّب علينا الانتظار لمدّة أيام كاملة للتزوّد بالحاجيات الأساسية”.

تحصل بلدية "دجادو" يوميا على غرام واحد من الذهب عن كلّ جهاز مستعمل في التنقيب

ولئن شكّل اكتشاف الذهب في “دجادو” نعمة بالنسبة إلى البعض، فقد رأى فيه البعض الآخر نقمة. وهؤلاء الذين عبّروا عن سخطهم من هذا التغيّر قدّموا مجموعة من الحجج من قبيل “قارورة بسعة 25 لترا كانت تباع في السابق بـ2.09 دولار، ارتفع ثمنها اليوم إلى نحو 4.18 دولارات.

كما ارتفعت كلفة التنقّل من “أغاديز” (كبرى مدن شمال النيجر) وصولا إلى “ديركو” (بلدة ريفية في نفس المنطقة) من 10 آلاف فرنك إفريقي (أي حوالي 20.91 دولارا) إلى 50 ألفا (104.54 دولارات). أمّا سعر البنزين فقد شهد هو الآخر ارتفاعا صاروخيا حمله من 750 فرنكا أفريقيا للتر الواحد في السابق (1.57 دولار) إلى 1.250 فرنك أفريقي (أي 2.61 دولار).

وتقع “جادو” في أقصى الشمال الشرقي للنيجر، على الحدود مع ثلاث دول هي نيجيريا وليبيا والجزائر، وعلى بعد 1900 كم من العاصمة نيامي، و930 كم عن “أغاديز″ كبرى مدن الشمال النيجري. ويعيش في واحاتها الأربع حوالي 4 آلاف ساكن.

ووفقا للنائب السابق بالبرلمان النيجري، فإنّ الحياة في المنطقة ترتكز بالأساس على الواحات الأربع (بيلما، ديركو، سيغيندين وفاشي)، والتي تسكنها شعوب الـ “كانوري” والـ “توبو”، وهي أهمّ المجموعات العرقية المتواجدة في المنطقة. وتتمحور أنشطة هؤلاء السكان بالأساس حول إنتاج التمور والصودا والملح، ولكلّ واحة خصائصها التي تميّزها عن الأخرى. كما ينشط السكان في مجال “التجارة بين النيجر ودول الجوار الثلاث”، وفقا لـ “آجي ماردي طاهر”.

ويأتي اكتشاف الذهب بـ “دجادو” في الوقت الذي أصبحت فيه المنطقة مركزا لعبور الآلاف من الناس المتّجهين نحو ليبيا، مما يعني أنّ عددا كبيرا منهم سيفضّل العدول عن رحلته والبقاء في أرض تبشّر بتحويل حياة أصحابها إلى جنّة.

20