صحفيو تونس يعانون أزمة المصادر الموثقة في قضايا الإرهاب

يسعى الصحفيون في تونس إلى ملاحقة الأخبار المتعلقة بالأحداث الإرهابية التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، مما أوقعهم ضحية المصادر غير الموثوقة وتضارب المعلومات والروايات، وهو ما فتح غضبا شعبيا على وسائل الإعلام المحلية.
الثلاثاء 2015/06/02
تغطية الصحافة للحوادث الإرهابية تحتاج مراجعة وتطويرا لمهارات الصحفيين

تونس - وقعت وسائل الإعلام في تونس في فخ الإشاعات والمعلومات المغلوطة، بعد تصاعد موجة العنف التي ضربت البلاد مؤخرا، مما عرضها إلى انتقادات واسعة وهجوم نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي.

وبرزت أمام هذه الوسائل معضلة كيف يتمّ التوفيق بين "الحق في المعلومة" والأمن في البلد الوحيد بمنطقة "الربيع العربي" الذي رسخ دستوره حرية الصحافة والتعبير.

ويقول محمد فهري شلبي الباحث في علوم الاتصال والإعلام والأستاذ المحاضر في "معهد الصحافة وعلوم الإخبار" التونسي إن "حرية الصحافة والإرهاب أمران مستجدان في تونس" ويرى أن الأداء الاتصالي للجهات الرسمية عند وقوع حوادث إرهابية وتغطية الصحافة لهذه الحوادث يحتاجان "مراجعة" و"تطويرا".

وأضاف شلبي "عندما يحرم الإنسان من شيء ما (مثل حرية الصحافة) ثم يُطلقُ له العنان في ممارسته فإنه يخطئ أكثر مما يصيب"، لافتا إلى حاجة الصحفيين إلى “التدريب" و"الالتزام بأخلاقيات المهنة".

وآخر هذه "الأخطاء" إعلان وسائل إعلام في "خبر عاجل" عن تعرض ثكنة "بوشوشة" العسكرية بالعاصمة تونس إلى "هجوم إرهابي" يوم 25 مايو الماضي وحصول "مواجهات" داخل الثكنة وفي محيطها بين الجيش و"إرهابيين" بينهم “نساء".

وإثر انتشار الخبر، أعلنت وزارة الدفاع أن الأمر يتعلق بإقدام رقيب أول يعاني "اضطرابات" نفسية على قتل عدد من زملائه بالسلاح قبل أن يقتله الجيش.

تغطية الأحداث المرتبطة بالإرهاب في الإعلام التونسي، مازالت تشوبها هنات وأخطاء بعضها شديدة الخطورة

وبعد إعلان الوزارة حيثيات الواقعة، هاجم نشطاء أنترنت وسائل الإعلام التي نشرت معلومات خاطئة. وكتب ناشط على حسابه في تويتر "عاجل: صحفيون يرهبون الشعب".

و"يؤدي نشر المعلومات المغلوطة والروايات المتعددة والمتضاربة (حول الحوادث الإرهابية)، إلى كثرة التأويلات، ويسبب حيرة للرأي العام" وفق بلحسن الوسلاتي الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع.

وانتقد الوسلاتي "تسرع" الصحافة في نشر معلومات "مغلوطة" عوض انتظار "الأخبار الصحيحة من الجهات الرسمية" مقرا بأن السلطات لا تعلن هذه الأخبار بالسرعة التي يرجوها الصحفيون لأنها (السلطات) تحتاج وقتا للتثبت من المعلومات".

ويقول محمد فهري شلبي إن "شح المعلومات الرسمية حول الحوادث الإرهابية، يدفع الصحفي المضغوط عليه من رؤسائه في العمل والراغب في السبق الصحفي إلى اعتماد مصادر أخرى مثل الشهود والمارّة".

وتساءل موقع "بزنس نيوز" الذي نشر خبرا حول مشاركة نساء مسلحات بمواجهات ضد قوات الجيش قرب ثكنة بوشوشة العسكرية، قبل أن يقوم بتحديث الخبر، "لماذا نُهان ويُطعن في مصداقيتنا في حين أننا لم نقم إلا بعملنا، بتقديم سريع لمعلومة نستقيها من مصادر رسمية و/أو موثوقة”؟

ومنذ الإطاحة مطلع 2011 بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، تتهم السلطات المتعاقبة على تونس الصحافة المحلية بارتكاب "انحرافات" في حين تنتقد وسائل الإعلام غياب الشفافية لدى السلطة.

وفي صيف 2013 آثار بث التلفزيون الرسمي وقنوات خاصة مقاطع فيديو دون مونتاج للحظة وصول جثامين ثمانية جنود قتلهم مسلحون بجبل الشعانبي (أعلى قمة في تونس) إلى مستشفى القصرين (وسط غرب) سخط قيادات أمنية وعسكرية.

بلحسن الوسلاتي: نشر المعلومات المغلوطة والمتضاربة يؤدي إلى كثرة التأويلات

وفي تعليقه على نشر مثل تلك المشاهد، قال محمد علي العروي الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية "يجب أن لا تصبح حرية الإعلام مطيّة للاعتداء بالعنف المعنوي على المشاهدين خاصة مشاعر أولياء (عائلات) الضحايا من الجيش والأمن الوطنيين".

ودعا محمد العروي مؤخرا خلال يوم دراسي بعنوان “الإرهاب والإعلام: بين الهاجس الأمني والحق في المعلومة” نظمته وزارته، وسائل الإعلام إلى “ضبط مدونات سلوك داخلية للحد من الإخلالات والتجاوزات” التي قد يصل بعضها إلى “الدعاية للإرهاب” كأن تنشر جريدة في صفحتها الأولى عناوين وصورا تظهر الإرهابيين في “مشهد بطولي”.

ويقر الإعلامي فاهم بوكدوس بأن "تغطية الأحداث المرتبطة بالإرهاب في الإعلام التونسي، مازالت تشوبها هنات وأخطاء بعضها شديدة الخطورة" مرجعا سبب ذلك بالخصوص إلى "ضغوط الاتجاهات التجارية في الإعلام التونسي المرتبطة بالسبق الصحفي وضغط مديري وسائل الإعلام" و"ضعف المهارات لدى الصحفيين خاصة أن تونس لم تعرف الإرهاب إلا حديثا". وترفع نقابات الأمن في تونس شعار “لا حياد (صحفيا) مع الإرهاب” وتدعو وسائل الإعلام إلى “الانخراط في الحرب على الإرهاب” و“تقديم المصلحة الوطنية على السبق الصحفي".

وفي تقرير حديث بعنوان “الميديا التونسية والإرهاب” نبه “مركز تونس لحرية الصحافة” (غير حكومي) من تحول الصحافة إلى “دعاية مضادة” ومن “انضمام الصحفيين لاستراتيجية الاتصال الحكومي” ومن “فرض” معايير غير صحفية على الصحفيين “باسم قيم مختلفة على غرار المصلحة الوطنية”.

ويرى وليد الماجري الصحفي في أسبوعية “آخر خبر” أن “صناعة الخبر تتطلب أن تكون هناك مسافة بين الصحفي وبين طرفين آخرين على الأقل؛ الطرف الأول هم المتصارعون (الدولة والإرهابيون)، والطرف الثاني هو الرأي العام”.

بدوره نبه فاهم بوكدوس إلى أن السلطات “قد تستغل الانحرافات” و“الأخطاء” التي ترتكبها وسائل الإعلام في تغطيتها للحوادث الإرهابية “للضغط على وسائل الإعلام” أو لـ“تبرير” تمرير تشريعات “خطرة” على حرية الصحافة مثل مشروعيْ قانون يتعلق بمكافحة الإرهاب و“زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح” اللذين قدمتهما الحكومة إلى البرلمان.

وقال إن “التونسيين اليوم في أمس الحاجة لمعلومة دقيقة وذات مصداقية، يمكن أن تلعب دورا محددا في تحديد توجهاتهم الانتخابية والسياسية إما في اتجاه الدفاع عن منوال ديمقراطي تحرري أو نحو مقايضة الحرية بالأمن”.

18