صحف الإثارة صنعت هوية بريطانيا في وعي القراء

نجحت الصحافة الشعبية في بريطانيا في الحصول على المعادلة الناجحة والجمع بين المعلومات والترفيه بأسلوب جذاب استحوذ على اهتمام القراء والمتابعين، وشكلت علاقة متبادلة وطيدة بين الصحافة والجمهور، وهو ما أصبح سمة مميزة لبريطانيا.
الخميس 2015/05/21
الصحف الشعبية منحت فضاء لمحرري أعمدة النصائح الذين اكتسبوا شعبية واسعتين

لندن- تتحدد هوية بريطانيا اليوم من خلال صحف التابلويد (صحف الفضائح والإثارة)، فهي الدولة الوحيدة التي وضعت أسس منافسة في الصحافة الشعبية، مما خلق ثقافة الإثارة في جميع أنحاء البلاد.

ولا توجد أي دولة أخرى نجحت فـي احتضان صحف تجمع بين المعلومات والترفيه، وسط رزمة جذابة إلى حد يجعلها قادرة على توجيه ذوق وآراء جمهور يمثل حجمه نحو 85 بالمئة من مجموع السـكان.

هذا ما جاء في كتاب “ألفية الصحف الصغيرة (صحف الفضائح): الصحافة الشعبية في بريطانيا، منذ 1896 إلى الآن”، لـ“ادريان بينغهام ومارتن كونبوي”، وأهم ما يميز هذا الكتاب هو رفضه أن تبدي أي أحكام من أي نوع.

ولم يتم إغفال حقيقة أصحاب الصحف ورؤساء التحرير والصحفيين البارزين، فقد لعبوا دورا رئيسيا في تـشكيل المجتمع البريطـاني. ولئن انخفض تأثيرهم على مدى 15 عاما المنقضية، إلا أنّ دراسة جديدة لعدد من الأكاديميين كانت محقة في اعتبار أن دورهم في تحديد بريطانيا القرن الـ20 يبقى بالغ الأهمية.

وبالمثل، فإنه من المدهش أن نرى كيف يمكن أن يؤثر المجتمع على مضمون الصحف الرئيسية، في إطار العلاقة المتبادلة بين الصحافة والجمهور. ويعرض الكاتبان بمنطقية كيف سجلت الصحف الشعبية ما حدث في بريطانيا، مما ساعد على تشكيل الأحداث نفسها.

ذا صن وفرت دون تردد الترفيه والإعلام والتوجيه لجمهور مستهدف من الشباب المتحرر جنسيا

ويتحدث الكتاب عن أربع صحف يومية صحيفة ديلي ميرور، ذا صن، ديلي هيرالد والديلي ميل، وكيف حددت الصحف الأربع أهدافا خاصة لها، كل منها محتكرة النفوذ في مجال تداولها وتأثيرها في مختلف فترات القرن، مما أدى بها إلى تحقيق أثر فعلي على الحياة السياسية والاجتماعية.

ويتبين من خلال نظرة شاملة على محتوى هذه الصحف، إدراك أن هذا التأثير لم يأت دائما في شكل ردة فعل، كما يميل الكثير من المعلقين إلى التأكيد. فقد قدمت صحيفة الميرور، بصفة خاصة، وكذلك صحيفة الإكسبريس (بشكل مفاجئ) في سنوات أوجها، نظرة إيجابية وقامت بتأدية وظيفة تثقيفية ضرورية.

كما مالت صحف الإثارة إلى لعب دور دعائي في وقت الحرب. ولكن تم التغاضي عن التغطية الصحفية لبعض المناطق والأحداث، مثل تغطية الصراع بإيرلندا الشمالية والصراع المثير للجدل في كوسوفو.

ويتحدث بينغهام وكونبوي عن الطريقة التي تم اعتمادها لتمرير مشعل الشعبية من الديلي ميرور (الصحيفة الداعمة لحزب العمال) إلى الصحف الثلاث الأخرى، ولا سيما ذا صن، في النصف الثاني من القرن، مع استيلاء ذا صن على السياسة التحريرية للميرور خلال عهد توني بلير.

أما فيما يتعلق بتغطية أخبار العائلة المالكة في بريطانيا وأخبار المشاهير، فيتحدث الكاتبان عن الانخفاض التدريجي على مستوى احترام خصوصية هذه الشخصيات المعنية، وإنشاء ثقافة المشاهير التي من الممكن اعتبارها نوعا من إضفاء طابع شعبي على الشهرة.

الجنس يمثل عنصرا رئيسيا في النموذج الذي اعتمده روبرت مردوخ في صحيفة ذا صن ابتداء من 1969 وحتى اليوم

أما بالنسبة للجنس، الذي يمثل أحد المعالم المميزة لمحتوى صحف الإثارة والفضائح، فهناك إدراك عميق لفكرة استغلال التساهل على مستوى تقديم هذه المواد المثيرة.

ويمثل الجنس عنصرا رئيسيا في النموذج الذي اعتمده روبرت مردوخ في صحيفة ذا صن ابتداء من 1969 وحتى اليوم، مما ساعد على جذب القراء بعيدا عن هيمنة ذي ميرور والمساهمة الموازية في اجتذاب جمهور جديد من الشباب. ويصرح الكاتبان أن صحيفة ذا صن “الشمس كانت توفّر، دون تردد، الترفيه والإعلام والتوجيه لجمهور مستهدف من الشباب المتحرر جنسيا”.

وفي نفس الوقت، وفرت الصحف الشعبية فضاء لمحرري أعمدة النصائح الذين سرعان ما اكتسبوا شهرة وشعبية واسعة -على غرار مارج بروبز وكلير رينر وديدري ساندرز- ولمحررات الصفحات المخصصة للمرأة. وقد كان هذا الثلاثي من بين أكثر أصوات المجتمع تحررا ونفوذا، ولا يزال ذلك قائما بالنسبة لديدري ساندرز.

من بين أهم ما يميز هذا الكتاب هو مراقبة كيفية تغير وجهات نظر الصحف والمجتمع عبر الزمن. والمثال الكلاسيكي على ذلك يكمن في مسألة الشذوذ الجنسي، وهو موضوع أدانته صحف الإثارة على نطاق واسع في الخمسينات، ثم عالجته بفكاهة ثقيلة في أواخر الثمانينات (عندما كانت صحيفة ذا صن لا تزال تشير إلى الرجال الشواذ بـ“البوفز”)، ثم غيرت سياستها بشبه معجزة وتطرقت إلى الموضوع بقبول.

في إطار الطبقة الاجتماعية، يشير كل من بينجهام وكونبوي إلى أن المركز الاجتماعي لشخص ما يتحدد من خلال الصحيفة التي يختار شراءها (وهي حقيقة لا تزال قائمة).

المركز الاجتماعي لشخص ما يتحدد من خلال الصحيفة التي يختار شراءها وهي حقيقة لا تزال قائمة

كما تناول الكاتبان قضية خطأ هيو كوديب في 1964 المتمثل في إعادة إطلاق صحيفة الطبقة العاملة، الدايلي هيرالد، في شكل صحيفة الطبقة الوسطى، ذا صن، عن جهل وسوء فهم لدراسة أمده بها عالم اجتماع.

وبعد ذلك بخمس سنوات، قام مردوخ، بالاعتماد على غريزته، بخطوة أفضل بكثير عند إطلاقه ذا صن من جديد، من خلال السعي إلى اجتذاب جمهور موجود فعليا وليس جمهورا ينحصر وجوده في مجرد تخيلات أكاديمية.

ويبحث الفصل الأخير من المؤلف في ثنائية “العرق والوطن”، حيث تطرق إلى النزعة اللاتحررية للصحف. إذ يشير الكاتبان إلى التغطية المعادية للسامية التي قامت بها الصحف في أوائل القرن العشرين، ولكن الغارديان البريطانية تقول إنه كان عليهما أن يوضحا امتداد هذه الإشارات حتى في أواخر الأربعينات، بعد أهوال المحارق الجماعية.

18