صحف سورية جديدة تؤرخ لدمشق المواجع والحرائق

الجمعة 2013/12/20
صحف الثورة السورية في رحلة ملغومة بالمتفجرات بحثا عن الحقائق

بيروت - ظهرت “شمس الحرية” مثل عديد الصحف السورية مع فجر الحراك الثوري ترنو إلى تأسيس إعلام بديل حتى تكون مناخ أمن للكلمة الحرة لمواكبة الأحداث التي تجري على الأرض، وهو ما جعلها تواجه تهديدات عديدة من بينها مواجهة الاستبداد الجديد باسم الدين المسيطر.

تميزت الاحتجاجات السورية منذ اندلاعها بالكم الهائل من الصحف والمجلات الوليدة عن الحراك الشعبي، حيث بدأ الناشطون في معظم المدن والمناطق التابعة لها بإصدار جرائد ورقية أو إلكترونية لمواكبة الأحداث التي تجري على الأرض، ونقل هموم الناس وأحلامهم، لتكون منبراً حراً للأقلام السورية التي قُمعت لعقود عدة.

فالصحف السورية الرسمية، تشرين، والثورة، والبعث، لتلحق بها مؤخراً “الوطن” كجريدة “مستقلة”، تلاشت أمام عديد الجرائد والمجلات السياسية والثقافية والفكرية التي تفجرت خلال عامين من عمر الثورة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر “عنب بلدي، وزيتون، وسوريتنا، وشمس الحرية، وطلعنا على الحرية، والجسر وحنطة”.

إلا أنه في الآونة الأخيرة، بدأت معاناة هذه الجرائد والمجلات تكبر، وازدادت الصعوبات التي تواجهها، لدرجةٍ قد تحول دون الحفاظ على إصدار معظم هذه الصحف التي استمرت طوال العامين الماضيين. ومن بين الصحف التي تواجه خطر التوقف نذكر “شمس الحرية”؛ وهي أول جريدة تصدر في حلب، من مدينة منبج، بعد تحريرها من نظام الأسد في تموز 2012.

فعلى الرغم من أن مدينة “منبج” تفتقر إلى أغلب الوسائل التي تساعد في إعداد الصحف من طباعة وتصوير وتسويق واختيار الكادر والكتّاب، إلا إن مجموعة من أبنائها – جُلّهم ممن ساهم في الحراك الثوري- استطاعوا تأسيس جريدة “شمس الحرية”، وهي جريدة يومية ورقية وإلكترونية، صدر العدد الأول منها في شهر أغسط س 2012.

وقد لاقت هذه الجريدة إقبالاً كبيراً لدى أهل “منبج”، كونها منبراً حراً ومصدراً موثوقاً للمعلومة.

وقد اهتمت “شمس الحرية” بالجانب المدني والثقافي والاجتماعي للثورة والمواطن، ولم تُعر اهتماماً كبيراً بالعسكرة والكتائب، وهو ما أكسبها انتشاراً واسعاً بين معظم فئات المجتمع.

بدأت الجريدة، في الشهور الأخيرة، تعاني من صعوبات جمّة، زادت من العراقيل أمام كادر الصحيفة، مما أدى إلى نقص الأعداد المنشورة بشكل ملحوظ. وهذا النقص هو من الإشارات الواضحة على تراجع مد معظم النشاطات المدنية ومحاصرتها ومحاولة خنقها.

وأولى تلك الصعوبات هو ارتفاع كلفة الطباعة بسبب هبوط الليرة السورية، فقد كانت الجريدة في بداية إصدارها توزّع ما يقارب 660 عدداً، لتقل تدريجياً إلى 500 عدد، لتنخفض في الأعداد الأخيرة (50-56) إلى 200 عدد فقط. فضعف الإمكانيات المادية للجريدة، جعلها متقوقعة داخل مدينة منبج فقط وعدم وصولها إلى المناطق المحررة الأخرى أو حتى المناطق التي يسيطر عليها النظام.

القادة الإسلاميون يصفون الكثير من الصحفيين بأنهم كفار، ويتهمونهم بالانتماء لحكومة الائتلاف وبتلقي المساعدات من الدول الغربية

فقد أصبحت تكلفة العدد الواحد تتجاوز 50 ليرة سورية، بينما سعر المبيع استمر على حاله وهو 25 ليرة سورية، لاسيما أن الجريدة لا تتلقى أية مساعدة لا من أفراد ولا تجمعات أو هيئات؛ فمصدر تمويلها الوحيد هو تبرعات كادر الجريدة الذين لا يتجاوز عددهم ثلاثة عشر شخصاً، ممن رفضوا حمل السلاح وفضّلوا أن يحاربوا بأقلامهم وعدساتهم.

إضافة إلى ذلك، ثمة معاناة متعلقة بعدم وجود طابعة متخصصة بطباعة الجرائد في منبج؛ مما اضطر كادر الجريدة إلى شراء طابعة تقليدية صغيرة، تستغرق عملية الطباعة بواسطتها أكثر من يومين، هذا إن لم تصادفهم مشكلة انقطاع الكهرباء أو فقدان الحبر المخصص للطباعة، أو أعطال في الطابعة.

كما إن عدم توفر محال للصيانة، وعملية تأمين الحبر أو قطع الصيانة، من مدينة حلب، كانت بحد ذاتها مشكلة أخرى، في ظل الحصار والاشتباكات المسلحة المستمرة. لذلك غالباً ما يتأخر إصدار العدد ليوم أو يومين.

يتحدث حسن النيفي رئيس تحرير مجلة (فضاءات) الأدبية الصادرة في منبج، والذي يكتب في زاوية سياسية دائمة في “شمس الحرية”: “لم يملك القائمون على الجريدة سوى تطلعاتهم الثقافية وحماسهم الثوري، فاستطاعوا – بالرغم من كلّ المعوقات المادية – أن ينهضوا بعبء صدور الجريدة حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

ولكن يبدو أن العبء أصبح ثقيلاً ولم يعد بمقدور مؤسسي هذه الصحيفة تلبية حاجاتها المادية.

ومما يؤسف له أن المشكلة التي تواجه شمس الحرية هي المشكلة ذاتها التي تواجه أي مشروع ثقافي آخر، ذلك أنّ الثقافة التي يتأسس عليها أي فعل حضاري، أصبحت بضاعة كاسدة، لا يأبه بها أحد؛ أضف إلى ذلك أنّ الحراك الثوري في سوريا برمّته يفتقر إلى تعزيز في الوعي والثقافة التي تتجسد في الصحف والمجلات والندوات والكتب وتجمعات الحوار، وهذه هي الحلقة الغائبة في الثورة السورية”.

لم تتوقف الصعوبات على الضائقة المالية، وإنما ظهرت عوائق أخرى قد تكون أكثر خطورة، ليس على استمرارية صدور الجريدة وحسب، وإنما على حياة العاملين في الجريدة أيضاً. وتتمثل هذه العوائق في تعرض الجريدة إلى العديد من المضايقات من قِبَل الكتائب المسلحة التي تسيطر على المناطق التي يسيطر عليها المسلحون.

فقد تعرض كادر الجريدة مرات عدة إلى مضايقات من قبل عناصر من “الجيش الحر”، بهدف الحصول على موافقته قبل نشر الجريدة لأعدادها الصادرة. لكن لم ترقَ هذه المضايقات إلى درجة التهديد بالقتل أو الاعتقال، وغالباً ما كان يتجاهلها كادر الجريدة.

مع هذا ظهرت مؤخراً تهديدات جديدة من قبل الكتائب الإسلامية، وتعرض كادر “شمس الحرية” لتهديدات مباشرة وأخرى غير مباشرة، بالقتل. ويذكر محمد حذيفة وهو أحد مؤسسي الجريدة عن هذا الوعيد: “أنه جاء أحد القادة الإسلاميين واتهم أعضاء الجريدة بأنهم ينشرون فكر الحرية والديمقراطية، ويؤمنون بفكرة الدولة المدنية وهذا بحسب رأي الإسلاميين يعتبر كفراً، وقد وصفنا الكثير منهم بأننا كفار ومرتدون، كما اتهمنا بأننا نُدعم من حكومة الائتلاف ونأخذ مساعدات من الدول الغربية”.

ويرفض كادر الجريدة نشر المواضيع التي تتعلق بالمجموعات الإسلامية المتشددة التي تساهم في نشر أفكارهم وأعمالهم العسكرية، كونهم لا يؤمنون بمشاريع ترتدي الإسلام عباءةً لها وتتستر تحته بمشاريع سياسية أيديولوجية لا تخدم السوريين ولا الإسلام أبداً.

مستقبل جريدة “شمس الحرية” أصبح على المحك، كالعديد من المشاريع الثقافية الأخرى التي بزغت مع فجر الحراك الثوري. فلا يمكن لأي مشروع أن يستمر، مهما كان صغيراً، من دون وجود دعم أو مورد مادي محدد بشكل دائم لاستمرار العمل.

ومن دون تأمين مناخ آمن للكلمة الحرة في مواجهة الاستبداد الجديد باسم الدين المسيطر في المناطق المحررة التي تشهد هجمة شرسة غير مسبوقة ليس في مجال الإعلام فقط.

18