صحف مصرية تدفع ثمن الصراعات الداخلية للأحزاب

الابتعاد عن قضايا المواطن قضى على شعبية الصحف، وإحياء الصحافة الحزبية يبدأ من مواكبتها العصر الإلكتروني.
الاثنين 2018/04/30
ثقة القراء تتراجع

القاهرة  - طوال عدة عقود، كان محمد حسين أحد أشهر بائعي الصحف في حي عين شمس بشمال القاهرة، لا يعيد نسخة واحدة من صحيفة حزبية إلى شركة التوزيع مرة أخرى، لأن كل النسخ تقريبا كانت تباع مع منتصف النهار. اليوم، لا هي تصل إليه، ولا هو يسمع عنها، بعدما أغلق أكثرها، وتعثر الباقي وتراجع التوزيع.

يقول حسين لـ”العرب” إن الصحف الحزبية، مثل الأهالي والوفد والعربي، كانت تمثل للقارئ عنوان الحقيقة، وتقتحم ملفات شائكة قد لا تجرؤ صحيفة قومية على تناولها، وبعدما تحولت إلى نشرات حزبية في فترة التقلبات السياسية بمصر، بعد ثورة 25 يناير 2011، لم يعد لها جمهور، وهو نفسه يرفض استلامها من الموزعين لأنها لا تُباع.

ولم يعد محمد حسين يكلف نفسه عناء السؤال عن سبب اختفاء صحيفة حزبية، وما إذا كان عدم طباعتها جرّاء تدخلات أمنية أم لظروف اقتصادية؟ بالرغم من أن مهنته الرئيسية هي بيع الجرائد، لأنه وبحكم خبرته، يدرك أنه خلال وقت قصير قد تختفي الصحافة الحزبية من مصر، وتكتب وفاتها نهائيا.

ويمكن بناء على هذه المعطيات، فهم الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اختفاء صحيفة “الأهالي” التابعة لحزب التجمع اليساري من الأسواق في الأيام الماضية، بعدما رفضت صحيفة الأهرام الحكومية طباعتها لتراكم الديون عليها، ووصولها إلى 500 ألف جنيه (28 ألفا و400 دولار)، وعدم قدرة الحزب وإدارة الجريدة على توفير المبلغ.

وقرر عبدالمحسن سلامة نقيب الصحافيين ورئيس مجلس إدارة الأهرام، طباعة العدد بعد تصاعد الأزمة، لكنه لم يتحدث عن مستقبل الصحيفة، وما إذا كان سيوافق مجددا على طباعتها من عدمه، وهو ما ينذر باختفاء صحيفة الأهالي عن المشهد الصحافي، لتلحق بالصحف الحزبية التي ودعت المهنة.

وكانت صحيفة الأهالي لسان حال حزب التجمع الاشتراكي، المعبرة الرئيسية عن نبض المعارضة المصرية اليسارية في حقبة السبعينات من القرن الماضي، وقد سجلت مواقف مناوئة بشدة لسياسات حكومية، وتبنت فكرة التضامن العربي ضد الأصوات التي دعمت انعزال مصر.

ودفعت الأهالي فاتورة باهظة لمواقفها ضد الأنظمة السياسية المتعاقبة في مصر، وكانت تصادر أكثر مما تصدر للقراء، لكن مع اتخاذ حزب التجمع مواقف داعمة للحكومة في السنوات الماضية وانحسار الموضوعات الساخنة على صفحاتها، فقد انعكس الأمر سلبا على علاقتها بالقراء.

ويرى محمد المرسي أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن الأزمة الكبرى التي عجلت باختفاء أكثر الصحف الحزبية، مثل العربي والكرامة والأحرار، أنها لم تواكب العصر ولم تتماشَ مع احتياجات المرحلة، فهي لم تفكر في الاهتمام بأن تتحول إلى مواقع إلكترونية تضمن لها البقاء، كبديل حيوي يبعدها عن الاختفاء الأبدي.

اقتصار دور الصحف الحزبية على الترويج لأحزابها، وحظر موضوعات تهم المواطنين، جعلا القارئ لا يشعر بوجودها

وأشار لـ”العرب” إلى أن التفكير في إعادة إحياء الصحافة الحزبية يبدأ من مواكبتها العصر الإلكتروني، ثم الاستقلالية عن العمل الحزبي، بمعنى أن تكون جماهيرية وليست متحزّبة، لكن الأمر يظل رهنا بإدراك الأحزاب نفسها بحتمية ذلك، والكف عن الموروث القديم بأن تكون الصحيفة معبّرة عن رأي الحزب وتتماشى مع توجهاته فقط.

ويقول متابعون للصحف الحزبية في مصر، إن ضعف الأحزاب السياسية، التي كانت لسانا للمعارضة وحائط صدّ ضد الممارسات السلبية لبعض الحكومات، سبب رئيسي في الأزمات التي قضت على الصحافة الحزبية، بعدما أصبحت تدور في فلك النظام وتمتدح توجهاته، عكس الماضي، ما أرخى بظلاله على تراجع نسب التوزيع وتراكم الديون، اللذين عجّلا بغلق أكثرها.

ولم تعد تقريبا على الساحة المصرية سوى صحيفة “الوفد” الناطقة باسم حزب الوفد الليبرالي، التي تصدر بصورة منتظمة، وهي أيضا تصارع للبقاء، بعدما أصبحت أكثر صفحاتها تروّج لقيادات الحزب وأعضائه في مجلس النواب، وتخشى تناول موضوعات شائكة بشكل يؤثر على علاقة الحزب بالحكومة في ظل التناغم اللافت بينهما.

وقال إسلام يحيى، وهو صحافي بجريدة “الغد” التي أغلقها موسى مصطفى موسى رئيس حزب الغد، والمرشح الرئاسي الخاسر في الانتخابات الأخيرة، إن “اقتصار دور الصحف الحزبية على الترويج للأحزاب المالكة لها، وحظر تناول موضوعات تهم المواطنين، جعلا القارئ لا يشعر بوجودها ولا يقدم على شرائها".

 وأضاف يحيى لـ”العرب”، وهو أحد المعتصمين داخل نقابة الصحافيين مع زملاء له يطالبون مجلس النقابة ببحث مشكلاتهم، “المواطن الذي لا يشعر بوجود أحزاب برغم وصول عددها إلى 106 أحزاب، من الطبيعي ألا يكون لديه شعور بوجود صحافة حزبية، لأن كليهما أصبح يعمل في كنف الحكومة”.

لكن زميله المعتصم معه بالنقابة، خليل حسن، يقول “للأسف، سياسة التحرير في الصحف الحزبية مرتبطة بتوجهات قيادة الأحزاب، ما جعل الجرائد تفشل في الفصل بين التقديرات السياسية والمهنية، ولا يوجد أي شكل من مظاهر الاستقلالية، ما جعلها عرضة للصراعات الداخلية في الأحزاب وتصفية الحسابات".

 وأوضح حسن، لـ”لعرب”، أن “الصورة الذهنية السلبية عن الأحزاب انعكست على الصحف الحزبية، ما جعل أكثر الجهات المعلنة ترفض تخصيص نسبة من الإعلانات لها، لأنها ضعيفة وبلا جمهور، ما أضعف اقتصادها، وجعلها ترضخ لأن تكون تحت إمرة رئيس الحزب باعتباره الممول الرئيسي لها، ويوجهها كيف يشاء”.

ولا يستبعد عاملون في هذا المجال، أن تكون الصحافة الحزبية، ضحية للعبة السياسية التي كانت تسكت كل صوت معارض خلال الفترة التي شهدت أزمات متلاحقة في السنوات التي أعقبت ثورة يناير، بذريعة أن بناء الدولة والاصطفاف خلف الحكومة، يجب أن يكون الأساس.

18