صحوات في سيناء لمحاربة الإرهاب: مخاوف وضوابط

تشير التقارير التي تتحدّث عن تشكيل مجموعتين من أبناء قبائل سيناء لقتال تنظيم داعش، إلى أن الجيش المصري ينتهج سياسة مغايرة عن تلك التي طالما اتبعها في الماضي في مواجهة الإرهابيين، من خلال تسليح رجال القبائل السيناوية، في خطّة شبّهها بعض الخبراء بتجربة الصحوات في العراق، وحذّروا من تداعياتها السلبية، على المدى البعيد، فإذا لم يتم تأطيرها جيّدا فقد تتخلص الدولة المصرية من إرهاب داعش وتدخل في مـأزق حرب أهلية بين القبائل.
الأربعاء 2015/06/03
القبائل يمكن أن تلعب دورا محوريا في الحرب على الإرهاب دون الحاجة إلى تسليحها

تحظى الحكومة المصرية بتأييد شعبي واسع لخططها في القضاء على الإرهاب ومحاصرته أمنيا واقتصاديا، لكن يظل إعلان بعض قبائل سيناء دخول خط المواجهة المسلحة مع الإرهاب مصدرا للقلق لدى بعض المصريين والخبراء الأمنيين، الذين رأوا أن هذه الخطوة، رغم إيجابياتها، قد تحمل في ثناياها ومداها البعيد أضرارا مستقبلية، حيث قد يتسبب هذا السلاح، في المستقبل، في اندلاع حرب أهلية بين أبناء القبائل التي لاتزال تحكمها أعراف متشدّدة وتنافس على النفوذ والقوة في المنطقة. كما يذكّر البعض بأن العلاقات بين السلطة المصرية والقبائل في سيناء كانت متوترة قبل ثورة يناير 2011، إلا أنها تحسنت بعد تغيير النظام.

ويخشى الخبراء أن تتكرر في سيناء الآثار السلبية لما قام به صحوات العراق في مواجهة تنظيم القاعدة من قبل؛ كما أن موضوع حمل السلاح من قبل المدنيين في مصر أمر مستجدّ والوضع في البلاد مازل غير مستقرّ، وقد ينعكس ذلك سلبا في منطقة تعرف بأنّها مركز هام للتجارة غير المشروعة ومقرّ لعدد هام من الأذرع العسكرية لجماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الجهادية.

وكانت “العرب” نقلت عن مصادر رسمية، شهر مارس الماضي، أن مجموعات من المقاومة الشعبية في شمال سيناء، بدأت فعليا مواجهات شاملة مع العناصر الإرهابية المتمركزة هناك، والتي أعلن بعضها انتماءه إلى تنظيم داعش. ;

يشير اللواء صالح المصري، مدير أمن شمال سيناء السابق، إلى أن الإرهابيين يختبئون وسط التجمعات السكانية، ليصعب رصدهم أو استهدافهم، كذلك تفادي الاحتكاك بالكمائن الأمنية، ما يجعل تعاون قبائل سيناء معلوماتيا مع أجهزة الأمن أمرا هاما جدا. ويضيف اللواء صالح المصري لـ”العرب” قائلا إن هدف الإرهاب في سيناء هو الانتقام من أجهزة الدولة.

الخبراء يخشون أن تتكرر في سيناء الآثار السلبية لما قام به صحوات العراق في مواجهة تنظيم القاعدة من قبل

تعاون معلوماتي

أكد المصري لـ”العرب” على أهمية تعاون قبائل سيناء مع أجهزة الأمن والقوات المسلحة، لكن في حدود التعاون المعلوماتي فقط، الذي يسهّل على أجهزة الأمن رصد التكفيرين وتحديد هويتهم وأماكن اختبائهم، كما أن عددا كبيرا منهم جاء من خارج مصر وتحركه أجهزة مخابرات دولية، من ثم يسهل على القبائل رصده. وتقيم في سيناء نحو 26 قبيلة تتنوع في حجمها وقوتها. ففي الشمال، حيث المواجهات الدامية مع الإرهاب، تقطن قبائل السواركة والعبايدة والرياشات والدواغرة والرميلات وبلي والبياضية والأخارسة والعقايلة والسماعنة. بينما تتمركز قبائل التياها والترابين واللحيوات والحويطات في وسط سيناء. وفي الجنوب تقطن قبائل العليقات ومزينة والقرارشة والجبالية والعوازمة وأولاد سعيد والصوالحة والحماضة.

وتركز الإرهابيون في مناطق جبل الحلال بوسط سيناء، طوال فترة حكم مبارك وحتى ما قبل ثورة 25 يناير 2011، مستفيدين من طبيعته الجبلية شديدة الوعورة، وارتفاعه الشاهق واحتوائه على كهوف متشابكة، وآبار مياه فضلا عن صعوبة اقتحامه لكونه محاطا بسهل ممتد يمكّن القاطنون في أعلاه من رصد أي محاولات اقتحام عن بعد.

لكن الجماعات الإرهابية، نجحت في استغلال حالة الانفلات الأمني عقب ثورة يناير، ثم تعاطف الرئيس المعزول محمد مرسي معها وقام بالإفراج عن أعداد كبيرة منهم للنزول إلى التجمعات السكنية وتأسيس خلايا من المتشددين فيها لاستقطاب تكفيريين جدد.

مقتل أكثر من 140 إرهابيا في شمال سيناء في مايو
القاهرة - أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية أن أكثر من 140 إرهابيا قتلوا خلال العمليات التي نفذها الجيش بمناطق بشمال سيناء، خلال شهر مايو الماضي.

وأوضح المتحدث على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) أن 141 إرهابيا قتلوا في العريش والشيخ زويد ورفح أثناء المواجهات المختلفة مع عناصر قوات التأمين، خلال تنفيذ أعمال المداهمات والدفاع عن نقاط الارتكاز والكمائن الثابتة والمتحركة.

وأضاف أنه جرى أيضا القبض على 322 مشتبها به خلال أعمال قوات التأمين المختلفة، وتم تحويلهم إلى جهات التحقيق لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم. وذكر أنه تم كذلك القبض على 71 مطلوبا أمنيا في المناطق الثلاث. كما تم تدمير 60 مقرا وضبط مواد متفجرة وأسلحة وذخائر وعبوات ناسفة ومواد مخدرة.

وبعث التحول الذي شهدته بنية التنظيمات الإرهابية في سيناء وأماكن تمركزها وطبيعة أهدافها، بإشارات تدل على تغير طبيعتها، وتنوع الجهات التي تقف خلفها. في حين كان تمركزها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وسط سيناء، وأهدافها تنصب على السياح في جنوب سيناء، لإضعاف النظام الحاكم اقتصاديا والتأثير السلبي على موارد قطاع السياحة، فإن التمركز الجغرافي للإرهاب الآن ينحصر في شمال سيناء، ويستهدف قوات الجيش والشرطة ومؤخرا وضع القضاة ضمن أهدافه.

بدوره، حذّر اللواء أحمد رجائي عطية، مؤسس الفرقة “777”، المعروفة بفرقة مكافحة الإرهاب أو العمليات الخاصة بالقوات المسلحة المصرية، من السماح للقبائل بحمل السلاح.

واعترف عطية لـ”العرب” أن 26 قبيلة في سيناء تملك سلاحا، لكن لا تستطيع أي منها إظهاره، لأنه غير مرخص، ولا يجب للدولة أن تسمح للمدني بحمل السلاح والوقوف جنبا إلى جنب إلى جوار الجندي، لما لذلك من خطورة، إذا منحت قبائل البدو رخص خاصة بحمل الأسلحة. وطالب باقتصار التعاون على العمل المعلوماتي فقط، كما حدث في حرب أكتوبر 1973 وحقق فيها البدو بطولات مجيدة، دون المشاركة في الأعمال المسلحة.

وأوضح نقطة أخرى تعزز مخاوفه، تتمثل في أن بعض قبائل الوسط لديها فروع تقيم على حدود إسرائيل، وتملك امتدادات داخل صحراء النقب، والسماح لها بحمل السلاح ربما يقوي شوكتها. وسلبيات هذه المسألة في المستقبل قد تفوق الإيجابيات بكثير “حيث سبق أن شاهدنا بعض أفراد قبائل الترابين المدانين في قضايا جنائية يلجأون للتظاهر في عهد مبارك على الحدود مع إسرائيل لإحراج الدولة”.

وأشار اللواء أحمد رجائي عطية إلى أن الأزمة تتمثل في الإرهابيين القادمين من الخارج، وهناك عدد الآن من المنتمين لحركة حماس في سيناء ممن يحملون بطاقات هوية مصرية، مؤكدا وجود عناصر من حماس أو محسوبة عليها، مندسة وسط البدو لكنها تعمل مع الإرهابيين.

صالح المصري: تعاون قبائل سيناء مع أجهزة الأمن ضروري، لكن في حدود التعاون المعلوماتي فقط

وبدا الشيخ كامل مطر، رئيس المجلس القومي للقبائل العربية، متفهما لمخاوف الخبراء الأمنيين، مؤكدا أن القبائل لا تحتاج إلى حمل السلاح، فعندما تتوفر لدى البدوي معلومات عن أي إرهابي ومكانه فالأولى به تقديم المعلومة للجيش ليتعامل هو معه، وهذا ما يحدث. وأضاف مطر، في تصريحات لـ”العرب”، دعمنا للجيش يتم بتنسيق كامل مع أجهزة الدولة، وهو في أغلبه الأعم دعم معلوماتي، والمساهمة في رصد الغرباء، كما أن الدعم ليس قاصرا على القبائل التي تقيم في سيناء، بل من جموع القبائل المصرية.

وأكد على أن بيان قبيلة الترابين مؤخرا ضد الإرهابيين، والموقف الذي اتخذته كل القبائل، رسالة لكل الخارجين عن القانون أن القبائل تساند الدولة، وهو وسيلة للضغط على أصحاب الميول المتشددة للرجوع إلى رشدهم وعدم الانخراط في صفوف الإرهابيين.

وأضاف الشيخ مطر أن الإرهابيين المنتمين لأي قبيلة يتم “تشميسهم” أي تباح دماؤهم ولا تطالب قبائلهم بالثأر، مع ذلك فإن ترك الأمر للدولة أفضل، فعندما يقتل في مواجهة لا يكون هناك احتمال لخصومات ثأرية، على عكس قتله بيد أحد أبناء قبيلة أخرى.

أهل سيناء أدرى بشعابها

رغم نشاط التنظيمات الإرهابية، في استهداف رجال الجيش والشرطة فضلا عن المنشآت الحيوية، منذ عزل مرسي، إلا أن القبائل لم تعلن دخولها مواجهات مسلحة مع هذه التنظيمات، إلا في شهر أبريل الماضي ببيان أصدرته قيادات قبيلة الترابين.

إبراهيم العرجاني: سلاح أهل سيناء لن يرفع إلا في وجه الإرهابي وفي نطاق محدود
وأثار ذلك البيان جدلا بخصوص جدواه ومدى الآثار الإيجابية والسلبية لحمل مدنيين للسلاح، ومقارنة ذلك بصحوات العراق، ومدى قدرة الأمن المصري في هذه الحالة على التفريق بين المقاوم الشعبي والإرهابي المستتر.

وطمأن إبراهيم العرجاني، القيادي بقبيلة الترابين، في تصريحات خاصة لـ”العرب”، القلقين من البحث عن إجابات لهذه الأسئلة قائلا إن مصر ليست العراق، فصحوات العراق قامت على أسس طائفية، أما القبائل السيناوية فتؤدي مهمتها في حدود كونها مقاومة شعبية وطنية، لن تتحرك خطوة إلا بعلم الجيش المصري والتنسيق معه، متسائلا في تعجب كيف يأتي الجنود والضباط من كل محافظات مصر إلى سيناء ولا يهابون الموت، ويستشهد بعضهم للدفاع عن أبناء سيناء، بينما تقف القبائل موقف المتفرج.

وأضاف العرجاني: لهذا كان لابد من الدخول على خط المواجهة ونحن نعلم يقينا، أن الجيش المصري قادر على سحق التكفيريين، لكن الإرهابي لا يخوض مواجهة مباشرة، بل يعتمد أسلوب الخداع، وينتظر الفرصة لارتكاب جريمته ثم يلوذ بالفرار للاختباء، مستغلا الطبيعة الجبلية الوعرة، وأهل سيناء أدرى بشعابها، لذلك نحن الأقدر على ملاحقة الإرهابيين.

وحول مخاوف وقوع إصابات بالخطأ لأبناء قبائل أخرى وما يمكن أن يحدثه من صراعات قبلية، شدد العرجاني على أن “القبائل شكلت اتحادا يتولى التنسيق في ما بينها أو مع الجيش، وأن السلاح موجود لدى القبائل منذ زمن، وهو سلاح خفيف للحماية في بيئة صحراوية، والأعراف والتقاليد البدوية تمنع مجرد التهديد به”. وختم مؤكدا أن هذا السلاح “لن يرفع إلا في وجه الإرهابي، وفي نطاق محدود، فالإرهابيون في سيناء يفرون ويختبئون ليس كما هو الحال في العراق، وبمجرد ظهورهم للجيش في سيناء يتم القضاء عليهم”.

7