"صحوة" جديدة تكسر حلقات التشدد في المجتمع السعودي

السعودية تعيش على إيقاع "صحوة" ثقافية واجتماعية جديدة، باتجاه القطع مع مجموعة من التقاليد الصارمة التي غلبت عليها التوجهات المتشددة.
السبت 2019/11/02
السعوديون يستمتعون بحريات كانت ممنوعة

وتيرة سريعة من التغيرات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية تنعش الحياة في السعودية، وتقود المجتمع نحو عهد جديد من الانفتاح الكبير والحريات العامة، وهي مؤشرات إيجابية في طريق استعادة الهوية الحقيقية للبلاد.

يعيش المجتمع السعودي على إيقاع “صحوة” ثقافية واجتماعية جديدة، باتجاه القطع مع مجموعة من التقاليد الصارمة التي غلبت عليها التوجهات المتشددة وتحكم رجال الدين في نمط الحياة والحريات العامة والحقوق المدنية للنساء في المملكة العربية السعودية.

وشهدت السعودية خلال السنوات القليلة الماضية سلسلة من القرارات الملكية التاريخية عكست الكثير من التغيرات على ملامح المجتمع، وبدأ السعوديون يعتادون تدريجيا على عمل الرجال والنساء معا والتقائهم في الأماكن العامة، ولا يمانعون في ارتداء النساء للعباءات الملونة، فيما تقبل الكثيرون فكرة السماح للفتيات بالسفر للدراسة بمفردهن.

وسمحت السعودية بأمور أخرى كثيرة كانت حتى وقت قريب محظورة على النساء؛ لعل أبرزها السماح لهن بقيادة السيارات وحضور نشاطات فنية ومباريات رياضية، علاوة على تقلدهن مناصب في عدة مجالات لطالما احتكرها الذكور.

يأتي ذلك في إطار “رؤية 2030” التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وقال إنها تستهدف “انطلاق عهد ثقافي جديد” في الدولة التي يسودها الاتجاه المحافظ.

وبموجب خطته لإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع السعودي، أجاز الأمير محمد بن سلمان افتتاح دور السينما والموسيقى والرياضة، التي كانت تخضع في السابق لقيود شديدة، في محاولة لاستمالة الشباب الذين يشكلون الغالبية الساحقة من سكان البلاد.

وجرى أيضا تخفيف القواعد الاجتماعية الصارمة، بصفة خاصة في العاصمة الرياض، بعد أن قلّص ولي العهد سلطات جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي عاقبت لعشرات السنين أشخاصا على عزفوا الموسيقى في أماكن عامة، أو ارتداء ثياب يعتبرونها غير محتشمة، أو الاختلاط مع الجنس الآخر.

وشهد مهرجان ألوان الرياض الذي انطلق الأسبوع الماضي إقبالا واسعا لآلاف الشبان والفتيات الذين عبروا عن ابتهاجهم بهذه الفعالية في مشهد غير مألوف، ليعطوا انطباعا بأنهم منفتحون ومفعمون بالنشاط ولديهم نهم في جميع أشكال التعبير الفنية والجمالية.

وحيد الغامدي: الترفيه أصبح حاجة اجتماعية تكاد تتخطى كونها مجرد كماليات لتصبح ضرورة
وحيد الغامدي: الترفيه أصبح حاجة اجتماعية تكاد تتخطى كونها مجرد كماليات لتصبح ضرورة

صحوة التغيير

ليس من المستغرب أن تثير هذه الأجواء الاحتفالية التي تعد واحدة من مئات الفعاليات التي أقيمت وستقام خلال موسم الرياض الترفيهي، انقساما في المواقف الاجتماعية، وهو ليس صراعا بين الأجيال، أو بين الرجال والنساء، بل انقسام في الرؤى حول هوية المجتمع السعودي وخصوصيته الإسلامية التي سيطرت عليها الضوابط الدينية المتشددة لفترات طويلة.

فبينما يرى الكثيرون أن هذه التغيرات تعد مؤشرا قويا على أن رواسب الماضي في طريقها إلى الزوال، وأن آفاق الحقوق والحريات العامة ستصبح أوسع في المستقبل، فإنها في المقابل أحدثت ما أطلق عليه بعض الخبراء “صدمة ثقافية”، خصوصا في صفوف التيارات الدينية المتشددة التي لم تتعود على هذه الثقافة الجديدة، وتشعر بالقلق والتهديد والارتياب من تحديث البلاد، وخاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة.

وأبدى الكاتب وحيد الغامدي تفاؤلا كبيرا بشأن التغييرات الجديدة في بلاده، معتبرا أن الصعوبات التي يواجهها البعض في التعامل مع هذا الانفتاح ستتذلل مع مرور الوقت.

وقال الغامدي لـ”العرب” “إذا رصدنا تحولات الممانعة تاريخياً فسنجد أنها في كل مرحلة زمنية تأخذ في البداية موقف التحفظ والرفض، ولكنها لا تلبث أن تعتاد على الأمر فتتقبله ثم تنخرط فيه لتصبح جزءا منه ثم تشكّله بطريقتها الخاصة فيما بعد، فمن تعليم البنات إلى قيادة المرأة للسيارة، وحتى مكبرات الصوت في المساجد التي كانت في أول ظهور لها ‘بدعة’ ما لبثت أن أصبحت جزءاً من المحتوى المجتمعي الذي لا يظلّ وفياً في العادة لمنطق التحفظ ذاك، فالناس يرتبطون بمصالحهم أينما كانوا، وحينها لا يلبث صنّاع الممانعة أنفسهم (الأقلية) أن ينتظروا مُنتجا جديدا لاستئناف الممانعة من جديد”.

وأضاف “الترفيه اليوم، في كل دول العالم، أصبح صناعة حقيقية وبيئة خصبة للاستثمار، بل وحاجة فردية واجتماعية تكاد تتخطى كونها مجرد كماليات لتصبح ضرورة، خصوصاً في زمن الضغوطات الحياتية والوظيفية وتعقيد الحياة، وفي هذا الوضع الجديد سيأخذ الترفيه في المملكة على عاتقه مهمة صياغة حياة جديدة ومجتمع جديد وأفكارٍ جديدة… الأمر أشبه بولادة مجتمع جديد فعلياً، حيث الدور البارز لثقافة الترفيه في تشكيل الكثير من الأفكار والسلوك والأمزجة”.

وتابع الغامدي حديثه قائلا “الأجيال الجديدة حين يرتبط وعيها بما يجري في العالم، وهي تشاهد السياح يمشون معها، وحين تحضر عروض مغنين ومؤدي استعراضات قادمين من خارج المملكة، وحين ينصهرون معاً في تلقي كل ذلك الترفيه بشكل جماعي دون الحاجة إلى التمييز العنصري أو الجنسي، في هذه الحالة سيتخلّق وعيٌ أكثر ملاءمة للعصر والمرحلة، وستجد قيم التعايش والتسامح قبولاً وممارسة أكثر من ذي قبل. وهذا أهم ما ستثمر عنه هذه العملية من الانفتاح؛ كونه انفتاحاً على الآخر في المقام الأول”.

وأشاد الإعلامي صالح بن حسين أيضا بأهمية التحولات المطردة التي تحدث داخل بلاده وبآثارها الإيجابية على المجتمع السعودي ككل.

وقال بن حسين لـ”العرب” “التحولات الفكرية والاجتماعية وبالتالي الثقافية المنعكسة على كل من يعيش في المملكة العربية السعودية من مواطنين ومقيمين ووافدين، هي في الحقيقة تحولات قديمة متجددة وكل مرحلة لها ظروفها وأسبابها وملابساتها وتداعياتها وأجنداتها بلا شك”.

السعودية تعيش صحوة حقيقية لتقطع مع "صحوة التشدد" السابقة
السعودية تعيش صحوة حقيقية لتقطع مع "صحوة التشدد" السابقة

وأضاف “التحولات التي جدت خلال العامين الماضيين، وتحديدا بعد رؤية السعودية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لو ربطناها بالأوضاع العربية والدولية لما بعد الربيع العربي وإفرازاته السلبية والدامية والإيجابية والتي لا تزال في طور التشكل على بعض الدول، لأدركنا أهمية وضرورة هذه التحولات، بل هي ملحة لإخراج المجتمع السعودي من ربقة التشدد والغلو التي جثمت على مفاصل المجتمع في السعودية لأربعين عاما متواصلة إن أرخنا لها بالمرحلة الفاصلة الدامية عام 1979”.

وتابع “بعد الجريمة السنية لجهيمان العتيبي الذي قاد عملية الاستيلاء على الحرم المكي الشهيرة وما تلاها من إفرازات طيلة أربعة عقود من الزمن، وكذلك ما حدث في الساحل الشرقي، في العام ذاته تقريبا من حركات وصفت بالثورية قادها التيار الشيعي المتشدد كما هو الحال بالنسبة إلى التيار السني المتشدد وما نتج عنهما من رواسب فكرية وتحريفات عقائدية، فإن الدولة السعودية اليوم تعيش صحوة حقيقية لتقطع مع ‘صحوة التشدد’ السابقة، بل لعلها كانت غفوة لا صحوة، لأنها بالتأكيد مرحلة زمنية غير محمودة، نظرا لتسترها براية الإسلام، ولكنها في واقع الأمر ما هي إلا تيارات إخوانية وسرورية مسيسة وأخرى متعممة بالعمامة الجهادية”.

واعتبر بن صالح أن “الوقت قد حان لإنقاذ المجتمع والبشرية بأسرها والإسلام ككيان ديني أصيل من كل ما يشوهها أو يشوب الحياة القائمة على الإسلام الوسطي والمجتمع المعتدل المتزن، ومن المذهبية المتشددة التي تفرض أجنداتها الظلامية الإرهابية على المجتمع، وبالتالي على الوطن الذي يجب أن يكون السحابة الممطرة بكل الخير والبركة تحت راية التوحيد وشرع الله المنزل على محمد النبي الخاتم الأمين”.

وقال إن “المستنيرين استبشروا بهذا التقنين المتوازن للحياة الجديدة في السعودية، ولكن هذا لا ينفي وجود أصوات شديدة الهلع بررت مخاوفها بتعلة غيرتها على صحيح الدين وقويم العقيدة والتقاليد والأعراف والعادات… لكن اتضح جليا استغلالها لواقع الحال لتمرير أجندات لا تخفى على أحد، وهذا هو حال الناس عبر تاريخ البشرية وصيرورة الحياة، يختلفون في أذواقهم وحتى في السلع التي لولا اختلافهم فيها لبارت وكسدت”.

واستدرك “لكن المهم، كي تمضي الحياة المستنيرة قدما يجب أن يكون هنالك قانون يحقق التوازن بين الجميع، ولا بد أيضا من تطبيق القوانين الرادعة من أجل ضمان حياة هانئة وهادئة لكل السعوديين والمقيمين والوافدين”.

لكن بعيدا عن الأجندات الدينية والأيديولوجية يبدو أن معظم السعوديين يؤيدون، على نطاق واسع، الحرية في الحياة العامة والتحديث والانفتاح في المجتمع، وهذا ما طرحه الباحث الأميركي ديفيد بولوك في مقالة بحثية نشرها معهد واشنطن للدراسات عام 2017، بنيت على نتائج استطلاع رأي للشارع السعودي حول توجه المملكة إلى المواقف المعتدلة في القضايا الشائكة المتعلّقة بحقوق المرأة والحريات الشخصية.

وتيرة بطيئة

صالح بن حسين: الوقت حان لإنقاذ المجتمع والحياة البشرية القائمة على الإسلام الوسطي من كل ما يشوهها
صالح بن حسين: الوقت حان لإنقاذ المجتمع والحياة البشرية القائمة على الإسلام الوسطي من كل ما يشوهها

وأظهر الاستطلاع مستوى ملفتًا من الدعم لهذه المواقف المعتدلة، حيث خلص إلى أن “الرياض تستطيع الاعتماد على دعم هام من الشعب في إصلاحاتها الاجتماعية وعلى حرية تصرّف كبيرة يمنحها إياها الشعب بشكل عام لتحديد هذا الاتجاه الجديد. ومع ذلك، فإن الأصوليين المتشددين يحتفظون بولاء أقلية لا بأس بها من السعوديين، وهذا يفرض وتيرةً بطيئة محتّمة على المرحلة الانتقالية التي ستتخلّلها من دون شك العراقيل”.

وترى الأخصائية الاجتماعية حصة العمار أن المجتمع السعودي قد عانى من التشدد والمقاومة لأي محاولات إصلاح انتهجتها الحكومة السعودية ابتداء من حكم الملك خالد بن عبدالعزيز حتى نهاية حكم الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رغم ما بذلته تلك الحكومات من جهود متميزة لخلق بيئة متوازنة ولكن كان تيار التشدد يزداد قوة إلى أن تولى الشاب الشجاع الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد فأطلق مبادرة 2030 التي أحدثت ثورة إصلاحات وحرب على الفساد ووضع خطة متكاملة لإصلاحات سياسية وصناعية ومجتمعية فتحت بموجبها السعودية أبوابها للعالم ليزور البلاد ويطلع على حقيقة ما يتمتع به المواطن السعودي من حرية وحقوق.

وقالت العمار لـ”العرب” “لقد تمكن مهندس الرؤية الأمير محمد بن سلمان من إصلاح الكثير من القوانين التي كانت تقف حجر عثرة في سبيل نهضة شباب وشابات الوطن، فتكاتفت جميع الجهود لإدارة المشاريع المتنوعة سواء الحكومية أو في القطاع الخاص، وبذلت الحكومة كل ما في وسعها لإسعاد الشعب السعودي، والجميع مبتهج وسعيد ومتحمس لكل هذه المشاريع الصحية والسكنية والترفيهية والتعليمية…”.

وأكدت العمار على أن الواقع السعودي هو ما يتردد في وسائل التواصل الاجتماعي، فمعظم الشعب راض تمام الرضا، بل ومؤيد ومشارك في هذا الانفتاح البناء على جميع المستويات، معتبرة أن أغلب الحسابات وهمية وتمولها قطر وتركيا من أجل تشويه سمعة السعودية والإصلاحات الجارية اليوم.

ويوحي الوضع الحالي في السعودية بأن الكثير من المحظورات الاجتماعية قد بدأت تتقلص رغم صعوبة تغيير البعض من العادات والتقاليد الراسخة في الثقافة المجتمعية، لكن ما اتخذته السعودية من إجراءات في اتجاه تحديث المجتمع يمثل محاولة مهمة لدفع الناس إلى إعادة التفكير في الافتراضات والمغالطات التي يتبنونها على أنها حقائق مسلمة.

ثورة التجديد السعودي

 محمد الحمزة
 محمد الحمزة

أخصائي اجتماعي سعودي

مراحل التغيير التي يمر بها المجتمع السعودي قد تحدث دهشة لدى الكثيرين بسبب التسارع الكبير الذي نلمسه في جوانب الحياة سواء الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية أو حتى السياسية، مما جعل بعض الأشخاص في حيرة من استيعاب الواقع بسبب ما يشاهدونه من أحداث وفعاليات وآراء وانتقالات وتحولات لم تحدث بهذا التزاحم غير المألوف في رتم الحياة السعودية وبشكل فاق التفكير.

المتابع حالياً للحياة في المجتمع السعودي يلحظ أنها أخذت طابعاً ديناميكياً سريعاً ومرناً، وهذا يتطلب مجاراته حتى يتم الانتقال السلس لتحقيق أهداف رؤية 2030 وصنع السعودية الجديدة والمتطورة، وهذه المجاراة تتطلب فكراً نيّراً وثقافة تقبل الآخر وروحاً تعشق التحدي، وتتطلب شباباً طموحين يتطلعون إلى الأمام، وتتطلب خبرات راسخة من أهل التجارب.

إن الجمود الذي يكتنف البعض والخوف من مجرد التفكير في التجديد والتغيير سيجعلان منهم غير قادرين على القبول والرضا بالحياة العصرية الجديدة، وعجلة الحياة لن تنتظرهم، ولن تقف لهم، والمحاولات المستميتة التي يقوم بها البعض لتعطيل الحركة والوقوف أمام القطار السريع لن تخلف لهم إلاّ الألم والحسرة والعيش في تعاسة. خطوات المضي إلى الأمام تحتاج إلى جرأة وشجاعة وخطة محكمة للسير والانتقال السليم وفق رؤية وطنية لها أهداف واضحة وبرامج ومبادرات عملية، ووفق إرث ثقافي وتقاليد اجتماعية لها اعتبارها، وكل ذلك لتحقيق الاستقرار والسلم المجتمعي والرخاء ورغد العيش.

قد تكون بعض الأفكار مستحدثة على البعض بسبب تراكم الخوف من أوهام عشعشت في الأذهان نتيجة برمجة سلبية عبر زمن الصحوة وما خلفته من آلام؛ لذلك فتداول الأفكار ومناقشتها مع الغير، ومعرفة آراء الآخرين بها تعتبر من الخطوات المهمة في استيعاب كل أبعاد الفكرة للوصول إلى الاقتناع الكامل بها أو الجزئي أو حتى تطويرها أو استحداث فكرة جديدة. الحقيقة التي لا مفر منها تثبت أن الحياة تمضي والأفكار التي يتم تجاهلها عند فئة هي محط اهتمام فئة أخرى، فما تلك الحشود التي حضرت الحفل الموسيقي للفرقة الكورية إلاّ أكبر مثال.

وأيضاً ما نشاهده في وسائل التواصل الاجتماعي من طرح لأفكار متضاربة كان الكثير يتحاشى الحديث فيها أو حتى طرحها، ما كان منه إلاّ أن نما في أحضان وسائل التواصل وأخذ بعداً أكثر عمقاً وأصبح له أتباعه وروّاده. الحياة ستمضي، والأفكار ستتوالد، والتغيير حقيقة، والاختيار هو حق شخصي، فلا بد أن نكون متناغمين مع تلك الحركة الطبيعية، والمجتمع السعودي بكافة طبقاته الفكرية والثقافية والعمرية يستحق منّا العمل على جعله مجتمعاً مسايراً للتطور ومستوعباً للحداثة والتطور، وأن نكون بناة التنوير والإيجابية والسعادة، فما ينتظرنا أكبر وأجمل، فالزمن لن يتوقف.

20