صحوة دينية مزيفة على الشبكات الاجتماعية بطلها تطبيق

السبت 2014/07/26
التطبيقات الآلية تحمل رسائل ملغومة

لندن - “هل تريد أن تكسب الأجر بعد موتك؟ انشرها، وإلا فاعلم أن الشيطان قد منعك وقد تكون ذنوبك” إذا قفزت هذه الدعوات إلى صفحتك على فيسبوك، أو حسابك على تويتر، فاعلم أنك وقعت في الفخ، فهي جزء من واقع مأزوم يستسلم بسهولة أمام قوة التنويم المغناطيسي الممارس عليه.

تسيطر الهاشتاغات الدينية على موقع تويتر في المنطقة العربية.

ويستخدم هاشتاغ #غرد_بذكر_الله وحده مثلا أكثر من مليوني مرة يوميا. هذا يمثل 60 ضعف عدد المرات التي يستخدم فيها هاشتاغ #سوريا، أو 40 ضعف عدد المرات التي يستخدم فيها هاشتاغ #مصر.

كما يستعمل واحد من كل 30 مستخدما عربيا لموقع تويتر، تطبيقا آليا للتغريد بعبارات دينية.كما أن واحدا من كل ثلاثة مغردين (بذكر الله) شخص متوفى!


تنويم مغناطيسي أم صحوة دينية


تتخذ تلك المنشورات ذات الصبغة الدينية، أساليب مختلفة، فتأتي أحيانا بصفة الرجاء و الترغيب “انشرها ولك الأجر.. لن تأخذ من وقتك الكثير”، وأخرى تكتسي طابع التهديد والتخويف الصريح أو الضمني “لا تبخل على نبيك بحركة زر”، “لا تهمل هذه الرسالة إنه موضوع جدّي”، “انشرها وإلا فالويل لك” أو مقرونة بأدوات الشرط المختلفة التي تنتج عنها عواقب إن لم يطع المستخدم الأمر بالنشر “أنشرها بقدر حبك للرسول وإن لم تفعل فقد فعلت قدر حبك له” أو “إن لم تفعل فاعلم أن الشيطان منعك.. إن لم تنشرها فستموت”.

وفي بعض الأحيان يحدد لك صاحب المنشور حجم الأجر الذي حصلت أو ستحصل عليه وعدد الحسنات التي ربحتها كأن الأمر يتعلق بتجارة دنيوية أو مزايدة عقارية.

كما تأتي أحيانا أخرى متصلة بأنباء غيبية، كأمور ستقع لك مستقبلا حسب تعاملك مع الرسالة التي توصلت بها أو فقط صادفتها بمرورك على إحدى الصفحات “أرسل هذه الرسالة إلى عشرة أشخاص وستسمع خبرا جميلا” و”إذا أرسلتها إلى أكثر من عشرة سترى…”، حيث تحمل الرسالة وعودا تختلف حسب المرسل والغاية منها.

العرب على موقع تويتر في أرقام
14 مليونا عدد مستخدمي تويتر العرب

100 مليون عدد التغريدات العربية يوميا

0.5 مليون عدد مستخدمي التطبيقات الدينية

كما يذكرك أحيانا صاحب الرسالة بما وقع لأشخاص تجاهلوا الرسالة ولم ينفذوا تعليماتها “من ينشرها خلال 4 أيام فسيفرح فرحا شديدا ومن يتجاهلها فسيحزن حزنا شديدا”، “أرسل هذه الأسماء الحسنى الخمسة إلى أحد عشر من أصدقائك وسترى أن أكبر مشكلة عندك ستحل”.

وعندما تنتهي أمامه كل الحيل يكتفي صاحبها باستحلافك بالله أو يستعطفك بشكل بائس “استحلفك بالله أخي أن تضغط”.

مل نشطاء “السوشيال ميديا” هذه “الأساليب المضحكة المبكية” انطلاقا من السذاجة التي تنطق بها، والجهل الذي تنم عنه. إضافة إلى أساليبها تتخذ هذه المنشورات أشكالا متنوعة، فهي رسائل قصيرة أو نصوص أو صور، أو صفحات خاصة وقع الآلاف عليها بالإعجاب، وقد تكون عنوانا لمجموعة انخرط فيها أكثر من 200 ألف مشترك في فيسبوك.

ويقول منتقدون إن هذه العبارات بقدر ما تعكس تفاهة أصحابها بقدر ما تخفي وراءها تساؤلات عميقة، فهي جزء من واقع مأزوم يستسلم بسهولة أمام قوة التنويم المغناطيسي الممارس عليه بوعي أم دون وعي من أطراف تستغل جهل زوار المواقع من أجل السخرية منهم”.

لكن هل هي حقا صحوة دينية على موقع تويتر، هل يفسرها التدين أم الرياء؟

الإجابة أبسط مما تعتقدون، فالمطلوب نقرة زر لتتحول إلى مغرد منتظم بذكر الله، وتلبي الدعوة لكسب حسنات الآن وخلال نومك، وبعد موتك.

كانت التطبيقات التويترية قبل عامين من الآن مقتصرة على خدمات زيادة المتابعين وإحصاءات الهاشتاغات، وغيرها من تطبيقات التحليل والتقويم لتويتر.

فجأة انفتحت على شاشة حاسوبك نافذة جديدة تسألك أن تختار بين المقرئين والدعاة وأنواع التغريدات. تسألك أيضا عن توقيت التغريدات، والأهم: هل هذا حساب لشخص متوفى؟

كانت التطبيقات قبل عامين مقتصرة على خدمات زيادة المتابعين وإحصاءات الهاشتاغات، وغيرها من تطبيقات التحليل والتقويم


#غرد_بذكر_الله


ولم يجد المبرمج السعودي خلف الغنامي [email protected] آنذاك تطبيقا دعويا أو دينيا واحدا، مما دفعه إلى التفكير في إطلاق “#غرد_بذكر_الله”، الذي لم يكلفه كثيراً، حسب ما قال.

ولم يرد الغنامي أن "يقتصر الثواب عليه بمفرده"، لذا فتح الباب أمام من أرادوا المساهمة معه في تحمل تكاليف صناعة التطبيق، إذ يقول “على رغم استطاعتي تحمل تكاليف صناعة التطبيق، وتوفير الأدوات التي يحتاجها، إلا أنني أتحت الفرصة لمن يرغب في مشاركتي في هذا العمل

الخيري، حتى لا يقتصر الأجر والثواب علي بمفردي”.

واحتاج التطبيق 30 يوما ليكون جاهزا للاستخدام، واقتصرت خدماته التغريدية في البداية على الغنامي واثنين من أصدقائه فقط، قبل أن يزدحم خط تغريداته الزمني بطلبات الاشتراك، مما دفعه إلى تطويره، ونشره على مدونته الشخصية في الشبكة العنكبوتية.

ونجح التطبيق بعد إتاحته للجميع في جذب نحو 40 ألف مشارك في شهره الأول.

واعتمد الغنامي في بداية الأمر على بعض الأشخاص لتزويده بقاعدة معلومات تبث بشكل دوري عبر التطبيق، إضافة إلى مواقع دينية ودعوية “يثق فيها”، لاستقاء ما يبث من خلالها، قبل أن يقصر محتوى التغريدات على ما يقدمه له عميد معهد الإعجاز العلمي في جامعة الإمام أحمد الباتلي.

وبعد عامين من صناعة التطبيق، تبنته إحدى الشركات السعودية المهتمة بتقنية المعلومات، بعد أن أخبروا الغنامي برغبتهم في تطويره للعمل بشكل أفضل.

ولم تقف حدود صناعته للتطبيقات الدينية على “#غرد_بذكر_الله”، بل تجاوز ذلك إلى برمجة تطبيق اختص في التنبيه إلى وقت الصلوات في مدن العالم، إلا أنه لم يتمكن من إكمال الطريق في صناعته، عازيا ذلك إلى أن مثل هذه التطبيقات تحتاج إلى فريق للعمل عليه.

ويرى الغنامي أن صناعة وبرمجة التطبيقات في السعودية مجال ممتع وجميل يتيح للمبرمج إضافة لمسته الإبداعية فيه، مشيرا إلى أن المبرمجين السعوديين يمتلكون إمكانات عالية في برمجة التطبيقات، على رغم افتقارهم إلى البيئة المساعدة للتطوير والاستقرار، وضعف الدعم المالي والمعنوي، وعدم وجود مؤسسات تتبناهم.


كنز المسلم


حاليا، لا يستعمل تطبيق “غرد بذكر الله” إلا نسبة ضئيلة من مجموع “المغردين بذكر الله”. الهاشتاغ هو الإرث الأبرز الذي تركه التطبيق الرائد. ورغم أن الغنامي يتردد في التأكيد على أنه أول من استعمل “غرد_بذكر_الله”، إلا أنه يذكر ستة تطبيقات “مشهورة” تستعمله حاليا علاوة على العديد من التطبيقات قليلة الأثر.

درجة التفاعل مـع التطبيقات عالية بسبب تركيزها على مخاطبة العاطفة الـدينية

أبرز التطبيقات الدينية على تويتر حاليا هو كنز المسلم الذي بناه المبرمج عبدالله غنيم الزيد.

يتسم تطبيق الزيد بغزارة التغريد، وباهتمام خاص بالمتوفين، فشعاره “اكسب حسنات في حياتك وبعد مماتك”.

يقول الزيد شارحا “عند تجوالي في تويتر، رأيت الكثير من الحسابات الشخصية توفاها الله عز وجل. وكان الناس دائما يرجعون إلى آخر تغريدة كدلالة على صلاح هذا الشخص، وبالطبع هذا المقياس غير صحيح، لأن الله حده يعلم ما في الأنفس. المهم.. سألت نفسي عما سيرى الناس بعد وفاتي”.

وأضاف “كانت الفكرة في البداية شخصية.. والنواة هي تطبيق يغرد عني كل ساعة بتغريدة بها ذكر الله”.

يكتب “التجربة بكل بساطة مريحة. عندما يحس المرء بأنه قدم شيئا لآخرته وقدم شيئا لأمته، فهذا إحساس عظيم! عندما تأتيك 5000 دعوة ‘جزاك الله خيرا’ كل يوم عن طريق تويتر وآلاف الدعوات، فهذا شعور لا يضاهيه شيء”.

رغم كلام الزيد فإن المواقع الإلكترونية تزدحم بأسئلة عن كيفية إلغاء الاشتراك في “كنز المسلم” و”غرد بذكر الله”.

ويقول صحفي إن “تويتر مقياس لنبض الشارع حول قضايا حقيقية. لكن للأسف سيطرت التطبيقات الآلية على تويتر في المنطقة العربية وحجبت كل نقاش جاد بحجة ذكر الله”.

ويؤكد بعضهم أنها “رسائل ملغومة من قبل جهات معينة، أغلبها مستأجرة”.

كما يأمل آخرون أن نتحرر كليا من قيود السذاجة ونسمو إلى سماء العقلانية والتبصر قبل الإقدام على أي نشر.

ويتساءل بعضهم “هل إنتاج مثل هذه الرسائل وتداولها والتفاعل معها يعكس درجة سذاجتنا؟ أيعقل أن نصل إلى هذا المستوى من الجمود وضعف استعمال العقل؟”.

إن التعاطي في العالم الافتراضي مع المعلومة كيفما كان نوعها بمثل هذه الأساليب يعكس جهلا مطبقا بذاتنا وغيابا لاستعمال العقل.

وأقل ما يمكن أن توصف به مثل هذه المنشورات أنها مغرضة ومستنكرة لأنها تستخف عقول وأذهان الناس كما تحتقر ذكاءهم. لكن للأسف فإن درجة التفاعل معها عالية، بسبب تركيزها على مخاطبة العاطفة الدينية واستغلالها بأكثر من شكل.

18