صحيفة ليبراسيون تشن حربا على نفسها

الخميس 2014/02/13
قرار المستثمرين في ليبراسيون يسعى إلى التكيف مع الإعلام الرقمي

تواجه ليبراسيون صحيفة يسار الوسط الفرنسية تهديدا من نوع آخر في حرب مع نفسها، عبر التخلي عن كادرها التحريري ونقله إلى مبنى آخر وإنتاج المحتوى الإخباري مما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي.

ودب خلاف عميق بين محرري الصحيفة التي أسسها الفيلسوف جان بول سارتر مع أربعة آخرين عام 1973، مع المستثمرين، وأُتهم المالكون بالسعي إلى استثمار الاسم التجاري لتحقيق الإرباح في مشاريع آخر شيء فيها العمل الصحفي.

ووصف محررو الصحيفة اليسارية العريقة المالكين بسعيهم إلى تحويلها إلى مجرد اسم تجاري يمكن تسويق حتى الوجبات الخفيفة من خلاله، وتحويل مقر الجريدة إلى مقصد ترفيهي ونقل العاملين إلى مكان آخر، وعدم الاعتماد على الكتابة الصحفية المحترفة والاتكال على منصات الوسائط المتعددة ونسق التواصل الاجتماعي مع الجمهور.

وأضرب المحررون عن العمل الأسبوع الماضي احتجاجا على قرارات المالكين بنقلهم إلى مكان آخر أو العمل من منازلهم، واستثمار المبنى في باريس في مشروع تجاري.

وعبر العاملون عن استيائهم مؤكدين على أن ليبراسيون عنوان لصحيفة مهمة وليست مطعما أو أستوديو تلفزيون أو حانة.

وكرس المحررون أربع صفحات في عدد يوم الخميس الماضي لإعلام قراء الصحيفة التي توزع مائة ألف نسخة، بأن أسباب إضرابهم عن العمل تعود إلى قرار المستثمرين بجعل الصحيفة مجرد علامة تجارية.

وفشلت ثلاثة أشهر من المفاوضات بين المساهمين والعاملين في ليبراسيون، إثر قرار التوقف عن طباعة الصحيفة والاكتفاء بإصدارها على الإنترنت وتقليص عدد العاملين وخفض الرواتب.

واتهمت نائبة مدير التحرير الكسندرا ستجوارتزبرود المساهمين بالعمل على أي شيء ماعدا الصحافة، موضحة أن قرار الإدارة لا يعني التنويع، كما تزعم.

محررو الصحيفة اليسارية العريقة يتهمون المالكين بسعيهم إلى تحويلها إلى اسم تجاري يمكن تسويق حتى الوجبات الخفيفة من خلاله

ووصف برونو ليدوكس أحد المساهمين الخطة بالفرصة الأخيرة لبقاء صحيفة ليبراسيون على قيد الحياة بعد تكبدها خسائر في الطباعة والتوزيع، رافضا الانتقادات الساخرة لها.

وأشار إلى أن انتقاد رؤية المساهمين في إعادة ابتكار الجريدة يذكرهم بالنقد الذي واجهه سارتر مع المؤسسين في تأسيس الجريدة من على مقهى بباريس، موضحا أن الخطة تسعى إلى جعل ليبراسيون ملتقى للمثقفين الفرنسيين. إلا أن ستجوارتزبرود اتهمت المساهمين بالسعي إلى جني المال من اسم ليبراسيون وعدم المبالاة بمصير 290 من العاملين. وقالت “نحن نريد أن نقول للمستثمرين إننا متحمسون لمهنتنا”.

وكانت الصحيفة في بداية إصدارها ترفض الإعلانات التجارية تحت مسوغ بأنها “ليبرالية تحررية”، وصدرت بأربع صفحات وكان جميع العاملين فيها بما فيهم رئيس التحرير يتقاضون الراتب نفسه، لكن مع مرور الوقت لم يعد من الممكن أن يستمر نموذج المساواة في الراتب في هيئة التحرير.

وعانت من مشاكل مالية عام 1981 وتمت إعادة هيكلها بعد ستة أشهر من التوقف عن الإصدار بالتزامن مع فوز الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران.

الكسندرا ستجوارتزبرود :نريد أن نقول للمستثمرين إننا متحمسون لمهنتنا الصحفية.

وشبه ريكاردو اوزتاروز الذي عمل في الصحيفة ما بين عامي 1978 و1980 اجتماعات هيئة التحرير آنذاك بقاعة تداول البورصة، فلم يكن هناك تسلسل هرمي وكان الكل يشارك في اختيار القصص.

ويرى المتابعون أن قرار المستثمرين في ليبراسيون يسعى إلى التكيف مع الإعلام الرقمي، على اعتبار أن الصحافة الورقية أضحت “مشاريع تجارية خاسرة”.

وإذا ما ارتكبت “مجزرة الوظائف” في الصحيفة الفرنسية فإن إدارتها مطالبة بتقديم محتوى مختلف وعدم الاكتفاء بإعادة “تدوير” ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل “المواطن الصحفي”.

وتعاني الصحف الفرنسية من الكساد الورقي في مواجهة التطور المتصاعد للمواقع الإلكترونية، وسبق أن طلبت من “غوغل” دفع رسوم على الأرباح الطائلة التي يجنيها من خلال الإحالة إلى صحف أو مجلات فرنسية.

وسوّى محرك البحث العملاق خلافه مع وسائل الإعلام الفرنسية التي تتهمه بالاحتكار، عبر زيادة عائدات الإعلانات الإلكترونية للناشرين الفرنسيين وإنشاء صندوق بقيمة ستين مليار يورو لتمويل بحوث تطوير النشر الرقمي الفرنسي.

وأعطى الاتفاق الذي وقعه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ورئيس شركة غوغل أريك شميدت في قصر الاليزيه، وكالات الأنباء الفرنسية والناشرين منصات إعلانية عبر الإنترنت يسهم محرك البحث في تقديمها للمستخدمين. وكانت صحيفة ليبراسيون قد أثارت صدمة بصرية عندما صدرت دون صور مؤخرا. لأن هيئة تحريرها ترى أن حماس الصحف في نشر الصور ليس بدافع جمالي محض، ولكن لأن الصورة تؤرخ لنبض هذا العالم، ووصفت بريجيت اولييه من هيئة التحرير يوم صدور ليبراسيون دون صور بـ “الصدمة البصرية”، قائلة إنها المرة الأولى في تاريخ الصحيفة التي تصدر فيها دون أن تكون الصور مرافقة للقصص الإخبارية والمقالات.

ورأت أن الإطارات الفارغة خلقت شكلا من أشكال الصمت الصحفي، في هيئة غير مريحة للعين.

18