"صخب القصر المهجور" رواية عن واقع صعيد مصر المفجع

لا يزال ولاء الكاتبة المصرية أسماء هاشم للمكان باندهاشاته وللحكاية بتشعّباتها التي تشد القارئ إلى تفاصيلها وعوالمها المثيرة، مهيمنا على روايتها الجديدة “صخب القصر المهجور”، وهي رواية تعود من خلالها أسماء إلى عالم الكتابة الإبداعية بعد انقطاع دام طويلا بعد روايتها “المؤشر عند نقطة الصفر”، كما تعود إلى منطقتها الأثيرة الجنوب (جنوب مصر)، فتقدم عبر مرويتها حكاية عن عوالم غير مألوفة.
السبت 2016/04/30
القصر مجتمع نسوي غامض

رواية “صخب القصر المهجور” هي الثانية للكاتبة المصرية أسماء هاشم التي لم تسقط سنوات الانقطاع عن الكتابة قدرتها على نقل وقائع الأمكنة، مُطعَّمَة أحداث مرويتها بالغرائبية، رغم تماس الحكاية مع الواقع بكل ما يحمل من مآسٍ وأوجاع.

الرواية ليست عن المكان على الرغم من المساحة التي يشغلها المكان سواء في بؤرته المحدودة “القصر” على مستوى العنوان وما تثيره بنيته مِن تساؤلات تتصل بهوية النّص وتيمته الأساسية، أو على مستوى السّرد بما يحويه مِن علاقات شائكة بين سَاكِنيه، بقدر ما هي رواية عن الإنسان وهشاشته رغم ما يبدو عليه من سُلطة ونفوذ، ومن جانب آخر هي رواية عن المهمّشين مِن العبيد الذين عاشوا على الهامش حتى ماتوا دون أنْ يَشعر بهم أحد، حتى وإنْ استطاعوا أن ينتزعوا القوّة ذات مرّةٍ ويحكمون السيطرة على نحو ما فعل العبد وحيش في نهاية الرواية، فأكمل بعد وفاة كُريّم باشا حالة الغموض التي اكتنفت القصر.

القصر الغامض

تأتي الرواية الصادرة مؤخرا عن دار الشرق بالقاهرة، في ثلاثة أقسام، القسم الأوّل منها خاص بالقصر والثاني عن فريدة أما الثالث فهو عن العبيد، يسبق هذه الأقسام استهلال غير معنوّن تُحدِّد مِن خلاله الراوية موقعها من السّرد، باعتبارها ساردة من الخارج، فهي ابنة الرَّجل الذي باءت محاولاته بالفشل في امتلاك القصر، الرواية في الكثير منها مروية من منظور الطفلة التي تعلّقت بالقصر وكل ما يدور بداخله عبر تصورات ذهنية جعلت من صورة القصر، الذي يقع على ربوة عالية بين نجعي القرية الشرقي والغربي، هي شاغلها فراحتْ تَقْتَفِي أخباره من خلال رحلة الأب لامتلاكه، وأيضا ما وقع تحت يديها من مدونة فريدة التي دوّنت فيها الكثير من مأساتها.

في القسم الأول “القصر” تسرد السّاردة تاريخ هذا القصر الذي صمّمه مهندس إنكليزيّ كان صديقا لوالي المدينة، وتعرّج على الهيبة والمكانة اللتيْن ساهمتا في الغموض الذي اكتنفه بما يدور في داخله من صَفقات واتفاقيات يَعْقدها كُريِّم باشا مع تجّار الآثار الذين تردّدت إشاعات عن علاقته وتجارته معهم وبالشخصيات التي تردّدت عليه حتى أنّه قيل “إن الملك بات في إحدى غرفه ليلة واحدة”. غموض القصر لا ينفصل عن غموض شخصية كُريّم باشا الذي لا يعرف أحد أصله ولا كيف كوّن ثروته أو أعماله، سوى ارتباطه بشخصيات كبيرة ونافذة تزوره سرا، وكذلك لا ينفصل عن غموض علاقة فريدة بعلي ثم رحيل فريدة الذي ذكّته الإشاعات.

حكاية القصر وسكانه تعكس في أحد صورها، وضعية المرأة في هذه البيئة وما تتعرض له من انتهاك

كما تتعرّض في جزء من هذا القسم إلى شخصية السّت صفيّة زوجة كُريّم باشا ومِحْنَتها بعد وفاة ابنها الوحيد، وعلاقتها بزوجته حتى ولادة حفيدتها وكيف استقبلتها، وأجادت الكاتبة في هذا الجزء بتصوير جانب من الثقافة التحتية الحاكمة والتي هيمنت على السّرد منذ رحيل الفارس الشّاب، وقد تجلَّى في مشهد موت ابن الحاجة صفية، ثمّ في استقبال الحفيدة فريدة، وموقف الجدّة منها، وهو ما دعمته بالأمثولات التي تتردد في هذه البيئة، من قبيل “لما قالوا جات بنيّة” بكل ما تحمله من تكريس لامتهان المرأة، رغم أنّ السّت صفية كانت نقيضا لذلك، فهي امرأة متحكِّمة ومُتسلِّطة، حتى أنّها عندما أراد زوجها الزواج مِن أُخرى لم يستطع أن يفعل هذا رغم أن كلّ المسوِّغَات كانت في صالحه، إلا بعد تدبير من أختها، وعندما حدث الزواج أثبتت سُلْطتها برفضها قدوم العروس إلى القصر، واكتفتْ بإقامتها في البيت القديم، ويتكرَّر موقف التسلُّط مع فريدة عندما حدث الحمل، وكيف أنّها استطاعتْ أن تطمر المولود دون أن يهتز لها جَفْنٌ، ولكن الصُّورة البارزة لهذه السُّلْطة كانت في تعاملها مع العَبديْن، وحيش وصندليّة، والعلاقة المتوترة التي تحكمها علاقة السِّيد بالعبد، على الرغم من الولاء التام لها، ومن ثمّ تتحوّل في النهاية إلى عَلاقةِ انتقام مفجعة.

نساء قويات

شخصيتا كُريَّم باشا والسِّت صفيّة تحظيان بحضور لافت داخل النّص، لكن في ظنيّ أنّ هاتيْن الشخصيتيْن كانتا بمثابة التمهيد لظهور شخصية فريدة التي هي المحور الأهم في بنية الرواية، والغريب أن حضور فريدة يأتي عبر ألبوم الصُّور الذي وصل للسّاردة ضمن الأوراق التي كان يجمعها الأب عن القصر بغية امتلاكه، وكانت هي الخيط الذي وصل السّاردة الخارجية بفريدة وحكايتها التي لا تقلُّ مأساوية عن حكاية القصر وسكّانه لتعكسَ في أحد صورِهَا وضعية المرأة في هذه البيئة وما تتعرض له مِن انتهاك.

رواية عن الانسان وهشاشته
فتأتي صورة فريدة المتكاملة منذ طفولتها بملابسها القصيرة ومع صديقاتها في رحلات المدرسة، وأحلامها التي كانت تتعانق مع أغاني عبدالحليم، إلى صورة الزفاف حيث كان “حضور فريدة ظاغيّا بفستانها المنسدل على قوامها الممشوق والطرحة البيضاء المرصعة بالفصوص البراقة”، وكأن السَّاردة بإعادة ترتيبها للأحداث التي عاشتها فريدة منذ طفولتها إلى النهاية المفتوحة بعد زواجها بعليّ الذي هجرها، ثمّ هروب فريدة وهو ما سهّل للقرية أنْ تعيدَ نسج حكايات عنها وعن “مُدَرِّس الفرنساوي” الذي تردّدت إشاعات عن حبِّ فريدة له، تتماس مع ذات فريدة وكلّ فتيات القرية في بحثها/ بحثهن عن الحبّ الذي أرقّ فريدة وجعلها تسقط ربما في ظنّ الكثيرين ومنهم جدَّتها التي اتهمتها بفعل الشّائنة وقتلت جنينها. وكأنّ السَّاردة، وهي ترسم صورة فريدة، الفتاة التي تكاتفت كلّ الظروف على قهرها.

جاءت الشّخصيات النسّائية -في تناقضٍ واضحٍ لحالة القهر التي مُورست على فريدة لسبب أنّها تمردت على أنساق البيئة وجَهَرت بحبِّها- أقوى مِن الشخصيات الذكورية على عكس ما هو شائع في الصورة الذهنيّة عن هذه البيئة، فصفيّة تميّزت بالقوة والصّلابة وتجلّت أبرز مواقفها من زواجِ زوجِهَا ثمّ حمل حفيدتها وقتل المولود، ونفس الشّيء عند فريدة التي تميزت بشخصية قوية في حين كان علي زوجها على النقيض تماما لدرجة أن “أطراف أصابعه ترتعش حين يتحدَّث وسط تجمُّع مِن الناس ويَحْمَرُّ وجهه في حضرة النّساء”، كما وصفته السّاردة، بل إنِّ الطّريق إلى علي جاء من قبل فريدة بعد أن دسّت إلى صندلية ورقة مكتوب فيها كلمة وحيدة “أحبك”، وبالمثل صالحة كانت أقوى من شخصية زوجها.

لجأت السَّاردة إلى ملء الثغرات التي يُحدثها السَّارد الخارجي، بالاعتماد على بنية التساؤل، وهو ما نحَى بالسّرد عن الغنائية التي افتتحت بها مرويتها في تماثل لواقع الصعيد المفجع، فتجعل من النص سؤالا كبيرا مفتوحا لتساؤلات عن القصر وما كان يدور فيه، وعن مقتل صفيّة، وعن لغز الرَّصَد، وعن علاقة صالحة بأختها؟ والأهمُّ الأسئلة التي جميعها تَسعى إلى الوقوف على هذه الشّخصية التي جاءت مُغايرة لطبيعة بيئتها، فتضع الشخصيّة في دائرة السُّؤال منذ ميلادها حتى رحيلها المفاجئ وأسئلة عن علاقتها بعلي وقبله بمدرس اللغة الفرنسية، وأيضا علاقتها بالعجوز؟ وهل أحبّت زوجها علي أم كانت تسعى لشيء في صورته؟ كل هذا جاء في إطار لغة تحمل خصوصية الجنوب، نقلت مشاعر الشخصيات في صراعها مع واقعها وذواتها، وأيضا في أحلامها المخبوءة وإن كانت في الكثير منها ساوت بين الألم والتعاطف مع الشخصيات.

17