"صخرة هليوبوليس".. فرد يواجه الأشباح وحيدا

لا بديل سوى المقاومة ولو بمشاهدة الأفلام ومطاردة الفئران.
السبت 2020/01/18
بطل وحيد ومنعزل

بعد مرور ثلاثين عاما على صدور روايته الأولى “ورود سامّة لصقر” (1990) يعود أحمد زغلول الشيطي إلى الرّواية مرّة ثانية من جديد، بعد أن قدّم نصوصا قصصيّة مثل “شتاء داخلي”، و”ضوء شفاف ينتشر بخفة”، وشهادة عن ميدان التحرير بعنوان “مئة خطوة من الثورة: يوميات من ميدان التحرير”؛ حيث قدم أخيرا روايته الجديدة “صخرة هليوبوليس”.

استغرق الكاتب أحمد زغلول الشيطي في كتابة روايته “صخرة هليوبوليس”، الصادرة مؤخرا عن دار العين بالقاهرة، كما هو مثبت في آخر الرواية، 12 عاما (من 2007 إلى 2019).

لو وضعنا المُلاحظة السّابقة مع ملاحظة قصر حجم الرواية، فهي لم تتجاوز 130 صفحة من القطع الصغير، وهو نفس ما حدث في الرواية الأولى، التي لم تصل إلى المئة صفحة. لوصلنا إلى دلالة مهمة ترتبط بآليات الكتابة وكيفية القول.

المتن والحاشية

أوّل شيء يلفت انتباه قارئ النص الجديد “صخرة هليوبوليس”، أن النصَّ قائمٌ على لعبة ثلاثية تبادليّة بين المتن والحاشية والهامش. وهذه اللُّعبة أشبه بالقرار والجواب. الرَّابِط بين المتن والحاشية والهامش على اختلاف بنط الكتابة بين السّميك والرَّفيع، هو الرّاوي الغائب، المضطلع بالسَّرد، وهو راوٍ لصيق بالشخصيات، يروي عن قُرب، ويتماهى مع صفاتهم حتى لحظات انفعالهم وغضبهم، وكأنّه واحدٌ منهم، ويتوسّل أحيانا بالأرشيف وهو ينقل على نحو ما فعل في الجزء الخاصّ باليهود في حاشية “كتاب رابع” حيث يقتطفُ الرّاوي صفحة من كتاب “تاريخ دمياط منذ أقدم العصور، لنقولا يوسف” وهي المرّة الأولى التي ينقلُ فيها الهامش إلى الحاشيّة.

الرابط الثاني هو رحلة المروي عنه (يوسف العلمي) إلى دمياط منذ الاتّصال الأوّل به من قبل صديقه القديم إسماعيل الصوّاف، وإخباره بأن أجزاء “من سقف مقبرة أمه قد سقط”. وقد كان القبر بمثابة النفق الذي يصلُ بينه وبين القرية أو بين الحياة والموت، حيث دوما تترددُ الاتصالات من محمد ابن عمّه، كي يُخبره بالاستئذان في فتح القبر “لدفن واحد، أو واحدة من الأقارب”. ومع نهاية الرواية يضيع القبر في إشارة إلى فقدان الرّابط الوجداني بالقرية، بعدما انفصمت عُرى الإخوة بسبب حركة الإبدالات والتغيّرات التي حلّت على الجميع من أجل الثّراء.

تقاطعات واختلافات

أُولى الروايات التسعينية الناجحة
أُولى الروايات التسعينية الناجحة

لا تنفصل عوالم الرواية الجديدة، عن عوالم روايته السّابقة “ورود سامّة لصقر”، على مستوى الشَّكل، فالروايتان تميلان إلى القصر والافتقار اللّغوي، كما أن الروايتيْن تُعبِّران عن أزمة بطليهما؛ الأولى ترصدُ لأزمة صقر عبدالواحد وهو يواجه العالم، وقبلها يواجه امرأة برجوازية مُتمردِّة لم تستجب لغواياته. فماتَ صقر؛ لأنّه أدركَ أنّ زمنه “فيه كل الأشياء ليست حقيقيّة، وكل الكائنات مسوخ… زمن تكون فيه كل الورود سامة، وكل الحبّ مستحيلا”.

وهنا في رواية “صخرة هليوبوليس”، عاش يوسف العلمي بطل الرواية أزمات كثيرة كان لها بالغ الأثر في النهاية التي انتهى إليها، فأضحى بطلا متعته في مشاهدة أفلام خليعة، يواجه كوابيسه تارة، ويدخل -تارة أخرى- في معركة غير متكافئة مع الفئران؛ علّه ينتصر فيها بعدما تسلّح بأشياء جديدة، باستباحته الأساليب غير الأخلاقيّة في المعركة، وبالضرب تحت الحزام.

أزمات البطل لا تنتهي فكل ما يُحيط به يشير إلى قُرب حدوث الأزمة بدءا بما حلّ من تغيّرات على الواقع، بدأت بتدجين اليسار وتعيينهم كرؤساء تحرير، وهيمنة الرأسماليّة الجديدة الفاسدة (لاحظ مازن مروان خريج الجامعة الأميركية، وابن أحد الوزراء وطلبه عمولة نظير استمرار عمله) على كلِّ شيء، وهو الأمر الذي أَوْدَى بقتل صناعة الأثاث التي يفرد لها صفحات تتوزَّعُ بين الحاشية والهامش؛ كنوعٍ من التوثيق الذي يَحرصُ عليه المؤلف للمكان وهويته، بعد التغيُّرات التي أصابت بنية المجتمع؛ وكأنّها أشبه بكتابة مضادة تقاوم هذا التفسُّخ والانهيار الذي عمّ كل شيء. فعلى مستوى بنيته التحتية، أخذت الأراضي الزراعية تتحوّل إلى شوارع وحارات ومحال ومعارض، وانفجرت مياه المجاري داخل مياه نهر النيل.

وعلى مستوى البنيّة الفوقيّة عمّ الثراء الفاحش، فصارت محلات الموبيليا معارض، وبعض المحلات غيّرت نشاطها معتمدة على السُّوق الحرّة في بورسعيد، حتى المقابر صارت في مرتع رجال الأعمال الذين استولوا عليها، وراحوا يسرقون تلك التي لا يتردّدُ عليها أصحابها، بالتواطؤ مع عصابات المقابر. ومن جرّاء هذا التّسليع انتشرت موضة الموت السّريع والحبّ السّريع والجنس السّريع والاستهلاك الجارف غير المسبوق.

تتضاعف أزمة البطل وهو يشعرُ بأنَّ الجميع خذله؛ أبوه عندما مات مبكّرا، وهو في الثلاثين، وترك أمه امرأة شابة جميلة، شعرها يتدلّى خلفها إلى منتصف ظهرها، تستكمل مسيرته بالكد والكدح. وكذلك إخوته مع أنّهم قدّموه على أنفسهم كي يتعلّمَ، ولكن مع الرغبة في الثراء انفرط عقد شراكة الإرث؛ فرميت كتبه وملابسه وأواني الطّعام في الشّارع مرارا، على مشهد من الجيران. وبالمثل زوجة غاضبة، تطارده دوما بالهاتف، بلغت بها الحماقة إلى أنْ عرّته أمام الجميع وهي تصرخ فيه “أنت مفكر نفسك راجل يا شيوعي”.

فانسحاب البطل إلى عالمه الخاص بعد كلامه مع زوجته ليس ضعفا، في ظني مقاومة، فهو يرى تفسُّخ كل شيء، والتشوهات تصيب الجميع وقد انعكست تبدُّل شخصيات إخوته، فسعيد أخوه صار منعزلا وحيدا مسكونا “بخيالات وضلالات” حتى أنه كان يتخيّل “أعداء يقفون بسيوف حادّة متقاطعة على باب الشقة”. وبالمثل راضي الذي أصرّ على الابتعاد عن المدينة فأوصى بدفنه في “ميت الشيوخ” مسقط رأس جدته لأبيه؛ لأنه يرى أن “في القرية يُعامل الموتى باحترام وإجلال”.

ومن ثمّ فلا بديل سوى المقاومة، حتى ولو بالتلّهِي (بمشاهدة الأفلام الإباحيّة، ومطاردة الفئران).

المكان بطلا

الموت المفاجئ لشاب واعد أصابه الاكتئاب وفقدان الأمل
الموت المفاجئ لشاب واعد أصابه الاكتئاب وفقدان الأمل

ثمة ولاء حقيقي من المؤلف للمكان، فهو حاضر في أعماله بكثافة، ما يكشف عن ميل إلى التوثيق والتسجيل له. فيحضر المكان في “صخرة هليوبوليس”، منذ الإهداء الفرعي “إلى أصحاب شارع البندر، وحارة نعيم، أرض زعتر وحارة معري، الشبطاني، عزبة حنطر بالبر الشرقي للترعة، كذلك ميت الشيوخ، إلخ.”، ثمّ يلي الإهداء وحدة سردية بعنوان “كتاب أوّل” يسردُ فيها الرَّاوي الغائب حكاية قصر البارون إمبان، والنفق الذي شيّده البارون يمتدُّ من قصره تحت سطح صحراء هليوبوليس إلى مقبرته التي سيدفن فيها مستقبلا.

لكن الحضور الطاغي للمكان ليس في محل الإقامة الجديد؛ حيث الراوي يقطن في شقة في ضاحية مصر الجديدة، في منزل يطل على قصر البارون إمبان، وهو يعتريه الملل، وإنما للمدينة القديمة، فالحكاية ترتد مكانيّا وزمانيّا في المتن والحاشية والهامش إلى مدينة دمياط، حيث ولد الراوي في أسرة متوسطة الحال، لأب يعمل في تجارة الملابس، يموت شابا، وتتولى الأم الشابة استكمال تجارة أبيه، ويعمل أخوته في تجارة الموبيليا. وكأننا إزاء سيرة ذاتيه لبطلها يوسف العلمي وأزماته، يكشف عبرها الراوي، عن تفاصيل أو قل أوجاع الفقر.

كما يرسم لنا المؤلف لوحات جانبية لشخصيات هي الأخرى لا تبعد عن مأساته، تتوازى معه وتتقاطع عبر مسارات مختلفة؛ المكان (حارة معري أو أرض زعتر)، أو الدراسة أو الظروف نفسها الفقر أو اليتم الذي تختلف فيه رائحة بيت الأب عن رائحة بيت اليتامى.

ثمة مراوحة بين صوت الراوي العليم، الذي يروي عن يوسف العلمي في بداية الرّواية، وهو يواجه كوابيسه، وبالمثل في نهاية الرواية وصراعه مع زوجته، ثم معركته غير المتكافئة مع الفأر، وبين الرّاوي الأنا الذي يسردُ لنا سيرة ذلك الـ”يوسف”. هذه المراوحة تتوازى مع المراوحة بين مكانيْن الأوّلُ مكان الطفولة، وما به من شقاء وألم إلّا أنّه مُحبّب، حتى مع ضياع معالم قبر الأب، وتحطُّم قبر الأم. والثاني حيث يقيم، ولكن طاله التشويه، على نحو ما حلّ بالقصر الهندي الذي بناه البارون إمبان، ليتوسط العشوائية التي أحاطت به. وأيضا ثمة مراوحة بين التخييل وبين التوثيق، حيث توثيق بناء قصر البارون، وتوثيق صناعة الأثاث، ثم الجزء الخاص باليهود وعملهم بالتجارة.

هذه رواية ترثي لعالم قديم (أصيل) يَنزوي بكل مآثره؛ تاريخه وأخلاقياته، وصناعاته وشخصياته؛ ليشيّد على أنقاضه عالما جديدا مُنْبَتّ الجذور، والعلاقات، عالما مصبوغا بآليات الرّأسماليّة الجديدة، حيث الاحتكار والاستهلاك، والتّسليع، والتّشيؤ والاغتراب.

14