صداع أمني لمصر مصدره الحدود مع ليبيا

تعتبر الحدود المصرية الليبية خط دفاع رئيسي ليس بالنسبة إلى مصر فقط بل إلى منطقة الشرق الأوسط بأكملها، نظرا لما يمثله تنظيم داعش من تهديد جدي للأمن على الحدود الغربية والذي يمكن أن يلتحم بفرع التنظيم من جهة الشرق أي في سيناء، وفي صورة نشط الإرهاب غربا فإن رجع الصدى سيكون أيضا في الشرق. هذا ما استخلصته “العرب” في زيارة ميدانية مباشرة لمدينة السلوم الحدودية مع ليبيا، ومعيانة تعامل الجيش والأهالي مع مسألة حماية الحدود عن كثب.
الأربعاء 2016/09/21
العبور لم يعد أمرا سهلا

السلوم (مصر) - تلقي الأحداث المتصاعدة التي تشهدها ليبيا، بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية من سرت ثم سيطرة الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر على الهلال النفطي، بظلالها على المناطق الحدودية، وخصوصا تلك التي تشهد حركية وتنقلا بريا نشيطين، على غرار مصر التي يربط بين حدودها والحدود الليبية معبر السلوم.

وتصاعد مؤخرا الحديث عن الدواعش الذين يترصّدون الفرصة للفرار من ليبيا عبر الحدود المصرية، بالتزامن مع بيانات صادرة عن الجيش المصري تعلن عن ضبط بؤرة إرهابية شديدة الخطورة ومخازن للذخيرة والمتفجرات في اتجاه الحدود مع ليبيا.

وللوقوف على طبيعة الأوضاع في تلك المنطقة، أجرت “العرب” زيارة ميدانية استطلعت خلالها أراء الأهالي ورجال الأمن والجيش الذين يتابعون كل حركة بأدق تفاصيلها وسط أجواء يخيم عليها التوتر.

الطريق إلى السلوم

إذا أردت الوصول من محافظة مرسى مطروح المصرية إلى معبر السلوم الحدودي مع ليبيا (250 كيلومترا)، لابد أن تكون على قناعة بأن سيارتك تحت رقابة دقيقة طوال هذه المسافة.

ولن تغيب عنك أعين الأجهزة الأمنية المصرية سواء قطعتها عبر صحراء تتناثر فيها المنازل ذات الطابق الواحد على جانبي الطريق، أو من خلال البحر.

صحيح لا توجد كمائن أمنية ثابتة على الطريق، إلى ما قبل المعبر الحدودي بنحو 15 كيلومترا، لكن الجبال والمرتفعات التي تقع على الجانب الأيسر للطريق إلى السلوم، متخمة بمواقع عسكرية مصرية لا يبعد كل منها عن الآخر أكثر من 500 متر.

تقبع في مدينة سيدي “براني” قيادة المنطقة العسكرية الغربية، على بعد 82 كيلومترا من السلوم، ما يعني أن قوات الجيش تؤمن الطريق والحدود على طول هذه المسافة بين الجبال، وعلى الطريق المؤدية إلى ليبيا.

يصاحب البحر (ناحية اليمين ويصل إلى ليبيا) المسافرين إلى أن يصلوا إلى معبر السلوم، ولا يبعد عن الطريق أكثر من كيلومتر واحد، وعلى يسار الطريق جبال مرتفعة ترابط فوقها عناصر لقوات من الوحدات العسكرية.

وينتشر على جانبي الطريق أيضا رعاة أغنام، وتوجد منازل لقبائل بدوية مختلفة، ما يبعث على إحساس بالاستقرار طوال الرحلة، وهدوء لا يقطعه إلا ظهور مفاجئ لكمين أمني من رجال الشرطة يبعد عن معبر السلوم عدة كيلومترات يتفحصون هويات المسافرين الشخصية ويدققون في مختلف التفاصيل وحقائب السفر والملامح ويسألون عن سبب الزيارة للمدينة الحدودية.

السلوم، مع أنها مكونة من 6 قبائل بدوية، فهي أسرة واحدة في كل شيء، سواء في التوجه الفكري أو السياسي أو الأمني، ولا يمكن أن يخرج شخص عن طور العشيرة

العبور من هذا الكمين أمر سهل إذا اقتنع رجال الأمن بدوافع السفر إلى السلوم، لكن بإمكانهم أن يعيدوا أحد الراكبين من حيث أتى، إذا راودتهم شكوك حوله؛ خاصة أن العبور من هذا الكمين يعني الوصول إلى قمة الجبل المؤدي مباشرة إلى المعبر الحدودي إذا اجتزت هذا الكم من الحواجز العسكرية وكمائن قوات الجيش التي لا تبعد عن بعضها أكثر من 500 متر فقط.

عملية الصعود إلى جبل السلوم المرتفع عن البحر بنحو 1500 متر صعبة للغاية، فهناك طريق واحد بين الجبل ممهد للسيارات باتساع 5 أمتار، وانحراف السيارة يعني هلاك كل من فيها، فإما السقوط في البحر من هذا المرتفع، وإما الهلاك بين صخور الجبل التي إن تجاوزتها بأمان يستوقفك كمين عسكري (على بعد 2 كيلومتر من المعبر الحدودي) ويفتش كل ما في السيارة.

ويسألك مجددا: لماذا أتيت إلى هنا؟ وما دوافعك للوصول إلى معبر السلوم؟ وإذا كانت برفقتك أدوات للتصوير الفوتوغرافي فلن تعبر إلا بتصريح أمني من جهات متعددة.

وإن عبرت الكمين العسكري بسلام، وتحركت ببطء في طريقك إلى المعبر الحدودي، سوف تتوقف مجددا بعد بضع أمتار في كمين جديد، وهذا الحال سيلازمك 3 مرات أخرى في أقل من 2 كيلومتر.

بين كل ذلك، ثمة سيارات للشرطة والجيش تجوب الطريق ولا تهدأ، محملة بالجنود والضباط، مهمتها الرئيسية استطلاع المنطقة ومراقبة التحركات فيها.

وستجد على يمينك آليات عسكرية متعددة الأشكال والأنواع، تنتشر على الطريق الذي يقسم بين الصحراء المصرية على يمينك، والليبية على يسارك.

تشي الأجواء في هذه المنطقة الحدودية بالهدوء، فلا تسمع سوى صوت رياح الصحراء، ومهما بَعُد نظرك لن ترى إلا الرمال وبعض المرتفعات الصخرية، ولن تشعر أنك على بعد كيلومترات من منطقة يخيم عليها التوتر الأمني والعصابات المسلحة داخل ليبيا، ولن يثير اهتمامك سوى تحركات مكوكية لقوات عسكرية وشرطية تتحرك ذهابا وإيابا على الطريق الواقع من المعبر الحدودي إلى جبل السلوم وحتى حدود البحر مع أسفل الجبل.

على بعد كيلومتر واحد من كل هذه الكمائن، تظهر بوابة مرتفعة مكتوب عليها “معبر السلوم البري”، وقبل الوصول إلى بوابة المعبر، ستجد كما هائلا من سيارات النقل الثقيل تصطف على جانب الطريق، محملة بالبضائع والعشرات من الأشخاص، تمهيدا لتفتيشها والحصول على إذن أمني وجمركي لعبورها إلى الأراضي الليبية، وأمام المعبر يصطف العشرات من الجنود والضباط في تأهب واستعداد شديدين.

هنا التقت “العرب” مسؤولا أمنيا كبيرا من الجانب المصري، وسألته عن سبب الزحام الشديد للسيارات والحافلات، فأجاب “لابد من التفتيش الدقيق لكل سيارة، ماذا تحمل؟ وإلى أين ذاهبة؟ ولا بد من التحري الدقيق عن الأشخاص الذين يعبرون إلى ليبيا، تحسبا لأن يكون بينهم هارب من أحكام قضائية، أو صاحب توجه سياسي أو ديني متشدد، قد تستقطبه تنظيمات متطرفة في ليبيا ضمن صفوفها”.

وقال المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، إن “هناك تضييقا فعليا في حركة التجارة الوافدة من الأراضي الليبية، أو حتى عبور السيارات بكل أنواعها، وتقوم قوات الأمن بتفتيش ذاتي دقيق جدا لكل الراغبين في العبور إلى الأراضي المصرية، والكشف عنهم أمنيا وسياسيا وجنائيا، خوفا من أن تكون بينهم عناصر متطرفة دينيا وفكريا، ولا يمكن أن يعبر الحدود شخص إلا إذا تم التعامل معه بهذه الطريقة، فقد يكون مطلوبا، عقب إحكام الجيش الليبي سيطرته على معظم المناطق هناك”.

ويمثل تهريب المخدرات والأسلحة في بعض الحافلات التجارية وبين البضائع أحد أنواع الإرهاب التي تواجهها قوات الأمن المصرية على الحدود مع ليبيا، لكن تضييق الخناق على الحافلات القادمة إلى المعبر الحدودي من ليبيا وتفتيشها بأجهزة حديثة، حتى لو استغرق ذلك عدة ساعات قبل عبورها، حال دون وصولها إلى الأراضي المصرية، وجرى ضبط كميات كبيرة تقدر بعشرات الأطنان من المخدرات والعديد من الأسلحة المختلفة.

انتظار قد يطول لساعات

وأضاف المصدر لـ”العرب” أن “تشديد الإجراءات ومراقبة الأوضاع بدقة على الحدود المصرية الغربية، وتكثيف تحركات قوات الجيش ساهم في التقليص من عمليات التهريب التي كانت تحدث عبر دروب الصحراء، وهناك يقظة غير مسبوقة على الحدود وفي أعماق الحدود من جانب الأمن المصري تحول دون دخول شخص واحد من أي تنظيم إرهابي إلى الصحراء المصرية”.

وهناك توجيهات بالتعامل المباشر مع كل العناصر الخطرة. ومع كل جديد يحدث في ليبيا، أو توترات أمنية، يضاعف الجيش المصري من انتشاره على كامل الحدود.

لا يقتصر انتشار قوات الجيش المصرية البرية أو الجوية على الحدود مع ليبيا، على الصحراء فقط، لكن هناك زوارق حربية بحرية تجوب السواحل من الشرق إلى الغرب.

وقال سكان بمدينة السلوم إن قوات الجيش تنتشر بكثافة في البحر، وتحديدا قرب المنطقة الواقعة مع الحدود الساحلية مع ليبيا لمنع تهريب المخدرات والأسلحة أو تسلل عناصر إرهابية أو متطرقة من الأراضي الليبية.

وزادت وتيرة التمركز العسكري المصري في البحر والصحراء، خلال الفترة الأخيرة، وكان قد بدأ في إطار تكليفات عسكرية منذ عام 2011، مع احتدام الصراعات بين القوى الليبية، وانتشار الجماعات المتطرفة هناك.

وأحد مظاهر نجاح قوات الأمن المصرية في السيطرة شبه الكاملة على الحدود الغربية مع ليبيا، تلك العلاقة الطيبة للغاية مع القبائل البدوية في مدينة السلوم الواقعة على الحدود المصرية مباشرة، ويحدها الجبل والصحراء من ناحية، والبحر من ناحية أخرى.

وقالت مصادر أمنية لـ”العرب” إن أهالي المدينة يشكلون بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية خط الدفاع الأكثر أهمية، خاصة وأنهم “يمنعون اندساس أي عناصر متطرفة أو خارجة على القانون بينهم ويساهمون في مرقابة الحدود والمنطقة، وهناك تعاون كامل وجيد للغاية بينهم والأجهزة الأمنية المختلفة”.

بعيدا عن السياسة

يعيش أهالي مدينة السلوم على مهنة التجارة ورعي الأغنام في الصحراء وزراعة التين والزيتون والتجارة من وإلى ليبيا، وهؤلاء لا يتعرضون في الغالب لمضايقات أمنية عند التحرك بين الحدود المصرية الليبية، ويتميز أهل المدينة بالطيبة والكرم الشديدين، ويغلب عليهم الطابع الديني الوسطي وفي الغالب لا علاقة لهم بالسياسة.

وتقريبا، لا يوجد بين سكان المدينة، التي تضم أهم مباني الجيش هناك (المخابرات العامة والمخابرات الحربية وقيادة المنطقة العسكرية الغربية) مواطن له توجه مناهض للنظام الحاكم.

وقال بعض من التقت بهم “العرب”، إن الحكومة المصرية تعاملهم بطريقة خاصة، وتوفر لهم كل متطلبات الحياة اليومية، نظرا لدورهم الرئيسي في حماية الحدود. وأضافوا أن شيوخ القبائل بإمكانهم لقاء كبار المسؤولين بسهولة وعرض مطالب الأهالي، ويكون هناك رد فعل إيجابي من جانب الدولة على مطالبهم، فضلا عن إقامة العديد من المشروعات الخدمية بالمدينة، التي تتناسب وطبيعة الحياة البدوية، وأغلبها قام بتنفيذها الجيش.

وأكّد على ذلك حسن هيبة، أحد أهالي المدينة الحدودية، بقوله “نحن نصل إلى المشير”، وهي عبارة تحمل بين طياتها قمة التقارب بينهم وقادة الجيش ورئيس الدولة نفسه، لا سيما أن “المشير” أرفع رتبة في الجيش المصري، ويحملها الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، منذ أن كان وزيرا للدفاع.

ونجح الجيش المصري في ضبط الحدود مع ليبيا، عندما ضاعف درجة التعاون والتنسيق مع قيادات قبائل مرسى مطروح، فتم وقف عمليات تهريب البشر والمخدرات والأسلحة، التي كان البعض من أبناء القبائل ضالعا فيها، وهو ما أدى إلى تهدئة أمنية كبيرة هناك، وهي التجربة التي بدأت تنتقل إلى سيناء، وأدت أيضا إلى نتائج قريبة مما حصل في مطروح.

ويقول حسن هيبة إن السلوم، مع أنها مكونة من 6 قبائل بدوية، لكنها “أسرة واحدة في كل شيء، سواء في التوجه الفكري أو السياسي أو الأمني”، ولا يمكن أن يخرج شخص عن طور العائلة، والجميع ينظر إلى “الجيش والشرطة نظرة تقدير، والحديث عن إمكانية دخول تنظيمات إرهابية من ليبيا إلى الحدود المصرية درب من دروب الخيال”.

ودلل هيبة على حديثه بأن أهالي السلوم هم من قاموا بحماية الحدود المصرية الغربية وتصدوا للمخربين والمهربين خلال فترة الانفلات الأمني التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، والإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، لأن الجميع ينظر إلى حماية الحدود مع ليبيا من خطر داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، على أنها حماية للقبيلة أولا.

وأكد أن “قبائل السلوم هي المستهدفة الأولى من قبل تنظيم داعش وليس الجيش أو الشرطة، لأنهم يريدون اختراقنا واستقطابنا ومحاربة فكرنا الذي يعتبرهم خوارج”.

وشدّد على حديث هيبة محمد حسان، أحد تجار مدينة السلوم، قائلا لـ”العرب”، “لدينا العتاد لمحاربة كل من يفكّر في مواجهة الجيش أو الشرطة، ننتظر الإشارة للانتقام من أي معتد على الحدود برا أو بحرا”.

فضلا عن تأكيد مصدر أمني كبير لـ”العرب” أن الجيش المصري يفرض سيطرته ونفوذه لمسافات بعيدة على الحدود مع ليبيا (لم يحددها بالضبط)، أجمع أكثر من مواطن على أن “قوات الأمن وصلت سيطرتها على الأوضاع إلى ما بعد مدينة طبرق الليبية بالعشرات من الكيلومترات، لأنها لن تنتظر حتى تجد التنظيمات المسلحة أو الإرهابية على بعد أمتار من الحدود مع مصر”.

وقام الجيش المصري بإنشاء مكتب لشؤون القبائل في السلوم، وهو ما جعل التواصل بينه وسكان المدينة على مدار اليوم، إلى درجة أنه “قد يقوم بتأمين كبار زعماء القبائل، ذهابا وعودة، إذا أرادوا دخول ليبيا لإزالة أي خلاف بشكل ودي بين قبائلهم الممتدة من السلوم المصرية إلى داخل الأراضي الليبية”.

وذكر سكان المدينة لـ”العرب” أنهم لا يتعاملون مع عناصر تنظيم داعش في ليبيا ككيان، لكن كأصحاب أفكار منحرفة، ولو تم التعامل معهم ككيان سوف يكون تأييده ومبايعته أمرا سهلا ومتوقعا، بعكس قوات الجيش التي تعتبر هي الكيان الأصلي.

وقالوا “حاول قادة داعش في ليبيا، بشتى الطرق، اختراق الشباب هنا في المدينة، حتى يتعاملوا مع التنظيم ككيان وليس كفكر، وهذا ما فشلوا فيه منذ وصولهم ليبيا”.

كاتب من مصر

7