صداقة أردوغان وغولن تنقلب إلى عداوة شديدة

الأحد 2015/01/18
اردوغان.. زعيم سلطوي

أنقرة – يرى المحلل السياسي التركي إلهان تنير أن السياسة المتعنّتة التي يعتمدها أردوغان في التعامل مع المعارضة التركية من جهة، ومع المجموعات الإسلامية الأخرى، بما فيها حركة غولن المحافظة، من جهة ثانية، تتسبّب بتقويض رصيد حزبه في مجال الديمقراطية. ويشير تنير في تحليل صدر عن مركز صدى التابع لمؤسسة كارنغي البحثية، إلى أن معظم الحكومات ووسائل الإعلام باتت تنظر إلى الرئيس التركي على أنه زعيم سلطوي.

وتخوض المجموعتان الإسلاميتان الأوسع نفوذا في تركيا، حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان وحركة غولن بقيادة الإمام المتقاعد فتح الله غولن المقيم في بنسلفانيا، حربا مفتوحة في ما بينهما منذ أكثر من عام. تُظهر حركة غولن الإسلامية التي كانت حليفة حزب العدالة والتنمية سابقا، نزعة إلى تجنُّب السياسة الحزبية لمصلحة التأثير الإعلامي والثقافي داخل تركيا، لكنها تحوّلت هدفا لخطاب أردوغان وأسلوبه في الحكم اللذان يصنّفان الآخرين على قاعدة “إما معنا وإما ضدنا”.

تطبع هذه التطورات تغييرا دراماتيكيا. عندما تسلّمت حكومة حزب العدالة والتنمية زمام السلطة في العام 2002، سعت إلى بناء تحالفات مع مجموعات إسلامية أخرى، ومع الليبراليين والتيارات الدينية.

وإذ كان أردوغان ورجاله يعلمون جيدا أن رئيس الوزراء الإسلامي الأول، نجم الدين أربكان، أطيح به من الحكم بواسطة انقلاب ناعم نفّذه الجيش في العام 1997، فإنهم سعوا إلى توسيع دائرة الحكم بضم أطراف أخرى إليها من أجل التصدّي لرد الفعل العلماني.

ودخل غولن في شراكة (رغم أنها لم تعمّر طويلا) مع حزب العدالة والتنمية، فتحوّلت حركته إلى مركز قوة فعال في تركيا ووسّعت إمبراطوريتها الإعلامية وبرنامجها التربوي الذي يتضمّن آلاف المدارس ومساكن الطلاب. وبالفعل، فقد استثمر غولن بقوة في قطاع التعليم في إطار استراتيجيته التي يعمل على تطبيقها منذ عقود وتهدف إلى تكوين نخبة متديّنة وقومية ومحافظة تكون لها السيطرة في الدولة والمجتمع التركيَّين.

على الرغم من أن حزب العدالة والتنمية وحركة غولن لم يتّفقا في تفسيرهما للإسلام، إلا أنهما تعاونا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين في حملتهما ضد الوصاية العسكرية. وهكذا، عندما أُضعِف الجيش التركي إلى حد كبير جراء ما عُرِف بقضية إرغينيكون أو محاكمات “الانقلاب” بين العامَين 2008 و2013 -التي أسفرت عن دخول مئات الضباط العسكريين المتقاعدين وفي الخدمة الفعلية فضلا عن معارضين آخرين إلى السجن- بدأت الخلافات بين حزب العدالة والتنمية وغولن تظهر إلى العلن. بيد أن التباعد الكبير وقع في 17 ديسمبر 2013 عندما هزّت فضيحة فساد حزب العدالة والتنمية.

حملة التضييق التي يشنّها أردوغان ضد المجموعات الإسلامية المنافسة له تعكس سلطوية حزب العدالة والتنمية المتزايدة ومحاولاته لترسيخ سلطته

وقد أظهرت الصور (التي نُشِرت في شكل خاص عبر وسائل الإعلام التابعة لغولن، ثم في وسائل الإعلام الأساسية بعد ذلك بوقت قصير) تورّط العشرات من رجال الأعمال المعروفين بأنهم حلفاء مقرّبون من أردوغان، إذ كشفت عن نقل رشاوى إلى مكتب أحد الوزراء.

وفي إطار التحقيق الذي فُتِح في القضية، صادرت الشرطة سيولة مالية بقيمة 17.5 مليون دولار يُزعَم أنها استُخدِمت في الرشاوى. وبحسب التقارير، وُجِدت بعض تلك المبالغ مخبّأة داخل علب أحذية في منزلَي اثنين من الوزراء المتورطين فضلا عن منزل مدير مصرف “هالك بنك”. كما أظهرت الأشرطة التي تم تسريبها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والصحف التركية تورّط نجل أردوغان.

وردا على الفضيحة، انتقد أردوغان وحزب العدالة والتنمية المدعين العامين والمسؤولين في الشرطة الذين يقفون خلف التحقيق، واعتبرا أن المسألة هي مؤامرة من تدبير غولن بهدف إسقاط الحكومة. وربما كان إعلان حكومة أردوغان في نوفمبر 2013 عن قرارها إغلاق مدارس التحضير للامتحانات -التي تشكّل أداة أساسية يستخدمها غولن في تجنيد الأتباع- هو الذي دفع بحركة غولن إلى الكشف عن فضيحة الفساد.

لكن أردوغان حشد أنصاره في ما يسمّيه “حرب الاستقلال” مع غولن. فعلى الرغم من أن الرئيس التركي أقال أربعة وزراء بعد ظهور فضيحة الفساد، إلا أنه يصرّ على أن مزاعم الفساد ليست سوى مؤامرة من تدبير غولن بالتواطؤ مع “قوى أجنبية ظلامية”.

وكذلك اتّهم مسؤولون آخرون في حزب العدالة والتنمية غولن بتخطيط الحملة الإعلامية وإدارة الحسابات المجهولة عبر موقع تويتر الذي سرّب مزاعم الفساد.

وعلى الرغم من أن أتباع حركة غولن يؤلفون ما بين اثنين وثلاثة في المئة من الناخبين الأتراك، إلا أنها تتمتع بسيطرة واسعة في ميادين أخرى، لا سيما في مجال وسائل الإعلام، وعلى رأسها صحيفة “زمان”، الأوسع انتشارا بين الصحف التركية إذ تبيع نحو مليون نسخة يوميا، والتي تُعتبَر تابعة لحركة غولن.

كما أن أكثر من ست قنوات تلفزيونية وطنية، فضلا عن مئات المحطات التلفزيونية والإذاعية المحلية، وسواها من الصحف والمجلات، إما مملوكة من حركة غولن وإما تابعة لها. وفي الإجمال، تملك الحركة، وبحسب التقديرات، حصصا في وسائل الإعلام التركية تتراوح ما بين 15 و25 في المئة.

كما يقود غولن قوة لوبي عالمية لا نظير لها في السياسة التركية، وذلك من خلال منظمة جامعة بإدارته تتخذ من واشنطن مقرا لها وتملك أكثر من 200 فرع في الولايات المتحدة.

قمع المعارضة.. عنوان رئاسة أردوغان

وتعمل هذه القوة الناعمة الهائلة حاليا على التأثير في الآراء في عدد كبير من العواصم الغربية لدفعها نحو تأييد تغيير النظام في تركيا.

لكن في الوقت الراهن، يبدو أن السيطرة الفعلية هي في أيدي أردوغان وحزب العدالة والتنمية. ولقد أقرّت الحكومة تشريعا لتعزيز سلطة أجهزة الاستخبارات والشرطة، عبر منحها مزيدا من الصلاحيات لاعتقال الأشخاص وحجزهم. وقد أسفرت هذه القوانين عن توقيف آلاف الأشخاص وحجزهم قبل المحاكمة في الحملة التي تشنّها الحكومة ضد المعارضة، بما في ذلك نشطاء أكراد ومستخدمو تويتر وأتباع غولن.

علاوة على ذلك، فبعد فوز أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الرئاسية والمحلية في العام 2014، أُسقِطت كل التهم المتعلقة بالرشاوى في ديسمبر الماضي.

ويبدو أن أردوغان وفى بوعده بـ”وضع حركة غولن على درجة الغليان أو تحويلها إلى جزيئات” بهدف “تعقيمها” في إطار حملة ضد وسائل الإعلام والمؤسسات المالية ومنتديات الأعمال التابعة لها.

لكن هذا النصر الداخلي الظاهري ليس سوى نصف المشهد. ففي حين تبدو حكومة أردوغان متقدّمة في السياسة الداخلية المتعنّتة -تطهير أتباع غولن- تتسبّب المقاربة والتكتيكات التي يعتمدها أردوغان في تعاظم المعارضة ضده.

أما واقع الحال فهو أن أسلوب أردوغان أدّى إلى تشويه رصيده في مجال الديمقراطية، وباتت معظم الحكومات ووسائل الإعلام الأجنبية -لاسيما في الغرب- تنظر إليه بأنه زعيم سلطوي،على الرغم من أن تركيا كانت تُعتبَر قبل سنوات قليلة نموذجا يُحتذى في الديمقراطية الإسلامية، إلا أنه بات يُنظَر إليها الآن كدولة معزولة أو منبوذة.

وقد وثّق مؤشر مدركات الفساد الذي تضعه منظمة العفو الدولية سنويا، الفساد المتنامي في البلاد، وخفّضت منظمة “فريدوم هاوس” تصنيف تركيا إلى “غير حر” في تصنيفاتها للعام 2014.

ورغم هذه التطورات يبدو أنه ليست هناك في الأفق حركة سياسية بديلة لتحلّ مكان حزب العدالة والتنمية. فقد عمد مؤخرا أعضاء سابقون في حزب العدالة والتنمية إلى تأسيس عدد من الأحزاب الصغيرة المنتمية إلى يمين الوسط، لكن وحسب المؤشرات الحالية، من غير المرجح أن يحشد أيٌّ منها دعما كافيا في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في مطلع يونيو المقبل.

وبعد عقود من القمع في ظل الجمهورية التركية العلمانية، يسدّد الاتجاه الذي يسلكه حزب العدالة والتنمية مؤخرا ضربة إضافية إلى سمعة الحزب. فحملة التضييق التي يشنّها أردوغان ضد المجموعات الإسلامية المنافسة له تعكس سلطوية هذا الحزب المتزايدة ومحاولاته لترسيخ سلطته.

لكن في الوقت الراهن، وعلى الرغم من شخصية أردوغان الصدامية وسلطته المطلقة إلى حد كبير، من شأن القيود والضوابط المنصوص عليها في الدستور الحالي أن تجعل من الصعب عليه السيطرة على الدولة التركية.

ويترقّب أردوغان انتخابات يونيو لمعرفة إذا كان حزب العدالة والتنمية يستطيع الحصول على نصر واسع بما فيه الكفاية لتعديل الدستور وتحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي. وإذا حقّق حزب العدالة والتنمية الانتصارات الانتخابية التي يتطلّع إليها –في ظل التراجع الشديد الذي تعانيه سيادة القانون خلال العام الماضي- فغالب الظن أن أردوغان سيصبح أكثر تفلتا من المساءلة والمحاسبة.

5