صداقة فورية

الثلاثاء 2014/02/25

سال حبر وفير حول الشاعر انسي الحاج. وقد لا يضيف المرء جديدا الى ما تم تسطيره حول الراحل وقد استبد به نعاس ثقيل فاستسلم أخيراً الى النوم الأعمق. مع ذلك لا يملك الكاتب هنا سوى ازجاء تحية وداع للراحل الذي اسهم في صنع وجدان وحساسية ادباء الستينات والسبعينات العرب ولعل كاتب هذه السطور أحدهم.

فقد جمع أنسي بين براءة طفلية “تامة “وتمرد ساخط لا هوادة فيه ، قلما يصادفه المرء لدى غيره.وفي القناعة ان هذا سبب جوهري لألقه الذي لم ينطفىء لأزيد من نصف قرن.

عمل أنسي رئيسا لتحرير ملحق ثقافي لعشر سنوات، ثم رئيسا لتحرير “النهار ” ومع ذلك لم يستثمر الرجل مواقعه هذه للارتقاء المالي والاجتماعي والمعنوي(السياسي مثلاً). واكتفى بالإبداع المهني، ومن يعرفونه جيدا ولستُ أحدهم يتحدثون عن احتفاظه بحلقة اصدقائه وعاداته اليومية، مثل تناوله طعام الغداء يوميا في مطعم الهورس شو في الحمراء، وعدم المساومة في أناقة الملبس.

ورغم ما يبدو عليه من اعتداد بالنفس فقد خرج كاتب هذه الكلمات بانطباع مغاير عنه، فقد قصده دون موعد مسبق الى مكاتب مجلة “الحسناء” وكان يتولى رئاسة تحريرها وجعل منها مجلة ثقافية في أواخر العام 1968، وعرض الكاتب في العام 1968 ولم يكن بلغ العشرين على أنسي قصة قصيرة، فانكب على قراءتها بمحبة واهتمام وأثنى عليها ونشرها في العدد التالي من المجلةـ ودار حديث حول الصحافة والقراءة والكتابة في جو مفعم بصداقة فورية! .

جمع أنسي بين الصحافة والإبداع دون خلط بينهما. تماما كما فعل الشهيد السارد غسان كنفاني ومن حسن الطالع اني تعرفت عليهما، وتعلمت منهما درساً ثميناً حول امكانية الشغف بالصحافة والإبداع معا شريطة عدم الخلط بين أدواتهما.

أنسي النبيل توافر على براءة الرائي العارف، ولم تفارقه براءته طيلة حياته، وهو ما يفسر ما اعتراه من ارتباك عظيم وكظيم، ناجم عن التصادم الحتمي مع فساد العالم .

لكم يشعر المرء بارتباك أليم لغيابه، فقد نقص منسوب البراءة والذكاء على الأرض.

24