"صداقة مطلقة" تمرين على روايات الجاسوسية

كتابات جون لوكاريه الروائية، تجعل قارئها يقف مشدوها، في صداقة مطلقة معها، على رأي الناقد باتريك دو فريبيرغ، إذ يبدو ذلك خطوة ضرورية للراغبين في التمرّن الأوّلي على كتابة روايات التجسس، فتقنية هذا الكاتب الدقيقة في وصف تضليل النفوس من طرف المعلم- الجاسوس هي جدّ فعالة.
الخميس 2015/09/10
لوكاريه هو سيد الروايات الجاسوسية، إنه يقودنا إلى نقطة لا تقبل الجدل حيث موضوع الرواية

لمن يريد ولوج عوالم الجاسوسية، النوع الذي لم يعرف تطورا كبيرا بفرنسا في شقه الأدبي، الإنجلوسكسوني في الغالب، اقترح الناقد باتريك دو فريبيرغ في مقال له بمجلة “الصالون الأدبي” الفرنسية، بأن نعيد قراءة “الصداقة المطلقة” لجون لوكاريه، الذي صدر عن دار النشر “سويْ 2004”، ترجمته إلى الفرنسية “ميمي” و”إيزابيل بيران”، ليس للقراء الشغوفين بهذا النوع الأدبي، ولكن لمن يتطلع إلى تأليف روايات الجاسوسية.

لأن الأمر يتعلق هنا بتقنية «جاسوس- معلم» الذي يطوّر الـ”مونتاج”، وليس كمؤلف روايات بوليسية أو روايات التشويق الذي يقترح سيناريو، حيث المخطط وصياغة الإسهاب لاسترسال الصفحات أو الحبكة، يمنحان قراءة مثيرة “سريعة النبض”.

لم يستخدم جون لوكاريه يوما وسائل أخرى للكتابة غير كلمة بكلمة، الفصل تلو الآخر. إنه يطوّر مشروعه صفحة بعد صفحة ليجعلنا نغوص بتحكم في روح موضوع ما، ونحن نعلق في شباك الاهتمامات التي تتجاوزه.

توضيحات أولية

تغدو العديد من التوضيحات ضرورية مسبقا. وقد أشار بيرسي كيمب، في مقابلة أجراها معه فابريس أرفي لصالح “ميديابارت” في يناير 2012 أنه لم يكن يوما جاسوسا، لكنه يقدر توصيفه بـ”جاسوس- معلم”، «الشخص الذي يتحكم في شبكات» جاسوسية روائي من هذا النوع، يرفض الجاسوس الكاريكاتوري الذي يتم تصويره كمحارب الظل الذي يحمل البصمة الأميركية -المستنسخ على نطاق واسع في ذلك النوع اللاقط لكل شيء من أفلام التشويق- لكنه يبرهن أنه دون أدوات، وأن ضابط المخابرات هو النسيج الضروري، هذا العامل البشري الذي يغير التاريخ ضحية لمخطط يتجاوزه، ويتبع وهو لا يدري الميكانيزمات السياسية للديمقراطيات أو الدكتاتوريات، ليبلغ النهاية داخل الرؤية الشاملة للتسلسل الهرمي السياسي الذي يكون عليه القارئ الشاهد الوحيد.

مصطلح “مونتاج” هذا تم تحليله بشكل جميل من قبل فلاديمير فولكوف تحت العنوان نفسه، وقد فاز بالجائزة الكبرى للرواية من قبل الأكاديمية الفرنسية في نفس العام. (يجب أن أذكر هنا ثلاثيته غير المعروفة، “مزاج البحار”، التي من شأنها أن تدفع كل من يقرأها ليصير كاتبا).

في روايات لوكاريه نلج إلى عالم الكتابة على شاكلة فولكوف، كيمب، غرين، بتسليط الضوء على ميزة الرجل الذي سيخون

المونتاج هو الرؤية الإستراتيجية للسياسي التي تتعارض مع تكتيك العميل الذي يقوم بالتنفيذ على أرض الواقع. المونتاج هو آلية يتم شحنها لسنوات، غالبا باستغلال الفرصة التي تخولها الصدف البشرية، حيث سيعمل السياسي على تمطيط النابض حين ستبدو له معايير الفاعلية في أفضل مستوياتها. عبر هذه المفاهيم، يمكنكم الولوج إلى عالم الكتابة على شاكلة فولكوف، كيمب، غرين أو لوكاريه، بتسليط الضوء على ميزة الرجل الذي سيخون.

صداقة مطلقة

“بحلول المساء، على الأنغام الخافتة لحفل للماعز، أبناء آوى، أبواق وطبول بنجابية بقرعها المتواصل، سرح الرائد يتأمل في الموت، وقد أخذ مجلسه تحت شجرة النيم على جانب النهر، وهو يسحب سجائر صغيرة، كان يسميها البورمية، ويرتشف مرطبا بقارورة معدنية، بينما ابنه الأكبر النحيف يبلل أطرافه برفقة أقرانه من السكان الأصليين”.

لقد تأسس المونتاج. ولد الخائن المستقبلي في بلد اختفت معالمه، في زمن رواية حيث كان كيبلينغ يتحدث عن “جزر الهند”. يقضي شبابه بين شبان ليسوا باكستانيين بعد، لكنهم مسلمون منذ مدة.

مربيته لم تعد لديها عائلة “لقد قتلوا في مذابح كبيرة في أعقاب مشروع التقسيم، حسبما أقرت به تحت ضغط الأسئلة. لقد قتلوا على يد الهندوس في المحطات، المساجد والأسواق”.

تيد موندي لم تعد لديه أم. سيعلم بأنه ليس ابن تلك الأرستقراطية التي كانت زوجة والده العسكري ذي اللقب “ستانهوب” –دوقية- الذي سيخول له مواصلة تعليمه في أرقى المؤسسات، فأمه أيرلندية، فارقت الحياة وهي تلده.

حين غادر الأب والابن باكستان التي لم تعد ترغب بالإنكليز، حتى أولئك الذين ولدوا على الأرض، حتى أولئك الذين دافعوا حتى الموت عن جميع المسلمين، كان الشاب موندي يحمل بداخله مسبقا المادة الخام التي سيجعل منها مجنِّده قنبلة موقوتة.

لوكاريه يفضح صناعة الاستخبارات للحروب في رواية

المدرسة الداخلية «التي تعود للقرون الوسطى» التي تم نقله إليها هي سجن بالنسبة إلى موندي، لولا رصده من قبل أستاذ ألماني تم نفيه إلى إنكلترا بعد بناء جدار برلين، لأن تيد معجم لغات كوالدته. “لقد كانت تلك السيدة تتحدث أي لغة تخطر على البال تماما كما نصاب أنا وأنت بنزلة برد حادة. الهندية، البنغالية، الأوردو، التيلوجو، التامول، الألمانية.الألمانية؟ يلاحظ موندي باندهاش. والفرنسية، على غرار جميع آل ستانهوب”.

نكتشف في هذه الرواية تسلسل المراحل التي ستؤسس الراشد المستقبلي للشاب موندي الذي سيتحول إلى إدوارد الحازم، سرّ المونتاج.

خلف حياته يوجد تحكم رزين لا يشكل ضررا على مستقبله. بطبيعة الحال، فإن أستاذ الألمانية عميل نائم للـ”كا جي بي”، وبطبيعة الحال، فإن تدبير اللقاء مع إلسي ليس من قبيل الصدفة ولم يطالبه بأن يذهب دونها إلى برلين، للقاء الجماعات غير المنظمة التي تقاتل «الأمبريالية الأميركية».

الصداقة المطلقة هي إحدى الشروط اللازمة لاقتراف الخيانة، هذا ما يقترحه علينا لوكاريه. في برلين، سيلتقي تيد موندي رئيس العصابات التي تقودها الجماعات اليسارية. سينقد ساشا التي ستجعل منه أخاها للحياة.

ستمرنه ساشا على الكذب، على المداهنة والازدواجية، وعلى طبيعة القتال غير الشرعي، حيث يخدم موندي مثلا أعلى رمزه الصداقة التي يكنها لساشا. إنه يخدم الـ”إم آي 6″ وهو يزود ساشا بالمعلومات. ساشا هي جاسوسة مزدوجة، ضابطة استخبارات الـ”كا جي بي” ومخبرة للـ”إم آي 6”، وموندي لا يرى في ذلك إلا صداقة منطقية «مطلقة»: لأن ساشا تَعلَم، وتيد لا يجب أن يثق إلا في صديقته، التي تمثل له دعما نفسيا مهما للغاية.

في التسلسل الزمني للسقوط، هناك الشك في نهاية المطاف. المقابلة المفاجئة للدكتور وولوانغ الذي سيبلغه تعليمات من ساشا لجمع الشمل بعد سنوات من الصمت. المساءلة حول حياة بأجملها لم تكن سوى مجموعة متتالية من لعب تحريك الدمى والتوظيفات لفائدة الغير. “الخائنون كمشاهير عالم الفن، يا إدوارد. لديهم انهيارات عصبية، أزمات الضمير واحتياجات باهظة. وأمثال وولوانغ في هذا العالم يعرفون ذلك. إن لم تجعل حياتهم صعبة، فإنهم لن يؤمنوا أبدا بأنك تستحق المقايضة بالمال”.

لوكاريه هو سيد مونتاج الجاسوسية بلا منازع، إنه يقودنا إلى نقطة لا تقبل الجدل حيث موضوع الرواية، الحاجة إلى حرب إرهابية جديدة، لاستعادة الصراع الفاشل ضد العراق وخصخصة المخابرات لصالح اللوبيات الصناعية، يصبح عاملا غير قابل للنقاش. آلية جد قوية لدرجة أنها تعمد إلى إعادة توظيف متقاعدي الوكالات الاستخباراتية مع شبكاتهم النشيطة أو غير النشيطة. لا توجد أسلحة خفية، بانفجارات مدققة، بأبطال لا يموتون على شكل دجيمس بوند. القتلى يختفون والحروب صامتة، رهيبة وغير مجدية.

15