صدام العدلة فنان يمني تجذبه دمى القاهرة

الفنان صدام العدلة يرى أنه لا مستقبل لفن العرائس في ظل غياب الدور الحكومي الجاد تجاه الثقافة والفنون والآداب التي تعزز من القيم المثلى للإنسان.
الثلاثاء 2020/04/21
فنون العرائس تربط الطفل بحب القراءة

يعتبر فن العرائس (الدمى) من أبرز الفنون الفرجوية وأكثرها أهمية خاصة وأنه مخصص بدرجة أولى للأطفال، إذ يعتبر نافذة تثقيفية وتعليمية وجمالية، تصقل ثقافة الطفل ورؤاه. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الفنان اليمني صدام العدلة الذي مازال يناضل فنيا في مجال فن العرائس.

عدن- صدام العدلة فنانٌ يمني قَدِمَ إلى القاهرة في العام 2015 للمشاركة في مهرجان للدمى والعرائس لكن تداعيات الحرب المتسارعة في اليمن حالت دون عودته إلى وطنه وحوّلته من مسافر “عالق” إلى “سفير ثقافي” لليمن في كل المهرجانات والفعاليات الخاصة بمسرح الدمى والعرائس.

يحكي الفنان صدام العدلة لـ”العرب” قصة شغفه بهذا الفن وكيف استغل فترة بقائه الإجبارية في القاهرة نتيجة الحرب في اليمن لتطوير مهاراته التي اكتسبها منذ بدايات ممارسته المبكرة لفن تحريك الدمى والعرائس الذي يقول العدلة إن وجوده في اليمن كان مقتصرا على بعض مؤسسات المجتمع المدني أو الهيئات الدولية أو المشاريع الفردية في الكرنفالات أو المهرجات.

مسيرة عرائسية

عالم العرائس فن يتطور باستمرار بعد أن تطعّم بالكثير من الأفكار ولم يعد مقتصرا على الفرجة
عالم العرائس فن يتطور باستمرار بعد أن تطعّم بالكثير من الأفكار ولم يعد مقتصرا على الفرجة

عن بدايات علاقته بهذا الفن الناشئ في اليمن يقول العدلة “حالفني الحظ أن التحقت ببرنامج خاص بمسرح العرائس في العام 2004 التابع لمؤسسة إبحار للطفولة والإبداع وكانت تلك أول ورشة أحضرها في تلك الفترة في صناعة عرائس الجوارب البسيطة للأطفال، بعدها تم تدشين مشروع مسرح الدمى المتجول التابع للمؤسسة والذي استمر حتى العام 2008 والذي كنا من خلاله نلعب بالعرائس في تقديم العروض للأطفال من جيلنا في أكثر من مركز في العاصمة صنعاء”.

ويقول العدلة إن المشروع انتهى وتفرق أعضاء الفريق ولم يكمل أي من زملائه المشوار، ويضيف أنه بدأ في العام  2010 بصنع عروسته الخاصة والتي كان يلعب بها في البيت مع أولاد إخوته ويشعر بمتعة كبيرة ومن هنا بدأ شغفه بالعرائس والذي حاول مدفوعا به إعادة إحياء هذا الفن الذي لم يحظ بأي اهتمام رسمي أو ثقافي في اليمن، الأمر الذي دفعه إلى تأسيس كيان متخصص في هذا الفن أطلق عليه “مبادرة ثراء لفنون الدمى والعرائس” في العام 2011 والتي استمرت في تقديم التدريب والعروض البسيطة للأطفال، لتتحول بعدها بعامين إلى أول مؤسسة يمنية متخصصة في مسرح العرائس حملت اسم مؤسسة ثراء لفنون الدمى واستمر نشاطها لمدة عام بفضل
جهود أفرادها لكن سرعان ما تم تجميد عملها بسبب الأوضاع التي كانت ومازالت تمر بها اليمن واقتصر عمل المؤسسة على بعض المشاركات الخارجية فقط.

ويتحدث الفنان العدلة عن مرحلة جديدة من حياته الإبداعية تمثلت في انتقاله إلى مصر التي يقول إنها احتضنته بحب كبير، وإنه لم يطرق بابا في مصر خاص بمسرح العرائس إلا وفتح له واستقبله بكل ترحاب ويضيف “تلقيت تدريبا مفتوحا لمدة سنتين في مسرح القاهرة للعرائس وقضيت عامين آخرين بالتدرب مع الفرق الخاصة ومع أشهر العرائسيين المصريين، بحثت عن كل ما يخص الدمى والعرائس في مصر واستفدت منه، ويكفي القول عن طيبة المصريين أن جلسة شاي مع أي فنان مصري كانت تكفي لإزالة أي سوء الفهم إن وجد”.

وعن مشاركاته في المهرجانات الخارجية والتي كان ممثلا فيها لليمن، يقول العدلة إنه شارك في الكثير من المهرجانات بجهوده الذاتية دون أي دعم يذكر من المؤسسات الرسمية اليمنية وغير الرسمية مضيفا “سافرت للمشاركة في مهرجان لتحريك العرائس في الإسماعيلية العام 2015 وعند انتهاء المهرجان قررت تمديد زيارتي لأسبوعين للتزود أكثر والالتحاق ببعض الدورات والاستفادة من التجربة المصرية التي تعد الأولى في أفريقيا والشرق الأوسط، وعندما قررت العودة إلى اليمن كانت الحرب قد انفجرت، فواصلت مسيرتي العرائسية دون كلل أو ملل”.

ويعدد العدلة في حديثه لـ”العرب” بفخر، المهرجانات التي مثّل فيها اليمن في فن الدمى والعرائس ومن بينها؛ مهرجان الشوارع الخلفية في الإسكندرية 2012 وملتقى المبادرات الشبابية في الإسماعلية 2014 والملتقى العربي لفنون العرائس النسخة الثانية 2014 في تونس والنسخة الثالثة في القاهرة 2015، كما شارك في معرض صفاقس التونسي لكتاب الطفل في الأعوام 2016 و2017 و2018 بينما تعذر حضوره في العام 2019 لعدم قدرته كما يقول على التكفل بمصاريف النقل الجوي.

 وإضافة إلى ما سبق يقول العدلة إنه شارك كذلك في مهرجان سينما وفنون الأطفال في العام 2015 في القاهرة، ومهرجان السوق العربية للعرائس في الإمارات وبينالي الشباب العربي بشرم الشيخ، ومؤخرا في معرض القاهرة الدولي للكتاب في العامين الماضيين في جناح الطفل وقام بتقديم ورش فنية في  فنون المسرح ومسرح العرائس، مشيرا إلى أن مشاركته في الكثير من الفعاليات كان دافعه الأول فيها هو شغفه بهذا الفن الجميل وتمثيله لبلده الذي يريد أن ينقل إليه هذه التجربة الثرية وهذا الفن.

التراث والأطفال

الشخوص العرائسية تمثل ذاكرة التراث
الشخوص العرائسية تمثل ذاكرة التراث

بالرغم من حلمه في نقل تجربة فن العرائس والدمى لليمن، إلا أن الفنان العدلة يرى أنه لا مستقبل لهذا الفن في ظل غياب الدور الحكومي الجاد تجاه الثقافة والفنون والآداب التي يقول إنها تعزز من القيم المثلى للإنسان، لافتا إلى أن مسرح العرائس لا يمكن أن يزدهر في بلد مثل اليمن، دون أن يكون هناك توجه صادق لدعم هذا الفن المرتبط ارتباطا وثيقا بالإرث الشعبي والإنساني والذي يعتبر اليمن من أغنى البلدان بهذا الموروث.

ويضيف “الشخوص العرائسية تمثل ذاكرة التراث والمشاريع الفردية هي أشبه بمحاولات مستميتة لن يكتب لها النجاح دون دعم حقيقي”.

ويستطرد العدلة في حديثه عن عالم العرائس معتبرا أنه “فن يتطور باستمرار بعد أن دخلت عليه الكثير من الأفكار، حيث لم يعد مقتصرا على تقديم العروض ‘الفرجوية’ بل يستخدم في الدعاية والترويج والإعلام، ناهيك عن التطور الكبير في جانب التصنيع خصوصا في ظل ثورة التقانة الحديثة، إلا أن هناك مدارس عرائسية تقليدية لازالت مستمرة في تقديم محتواها أو طريقة عملها بالطرق التقليدية”.

ويلفت العدلة إلى أن الوطن العربي يعج بالكثير من التجارب النشطة في مجال مسرح الدمى والعرائس وتحديدا في لبنان وتونس ومصر، لكنها تجارب غير متواصلة ولا تجتمع في كيان عربي واحد يسهم في تناقل الخبرات والتجارب بين المبدعين والمنخرطين الفاعلين في مسرح العرائس وفنون الفرجة ناهيك عن عدم تناقل الخبرات بين الأجيال المتعاقبة وهو ما يتسبب في غياب التراكمية الفنية والعمل كل مرة من نقطة الصفر.

فن العرائس مرتبط ارتباطا وثيقا بالإرث الشعبي والإنساني والذي يعتبر اليمن من أغنى البلدان في هذا الموروث

وعن العلاقة بين فن الدمى والعرائس وبقية فروع الإبداع المتصلة بثقافة الطفل، يؤكد الفنان اليمني صدام العدلة بأن فنون العرائس تحاول ربط الطفل بحب المطالعة والقراءة، وفي العموم فنون العرائس و الرسم والتلوين وإعادة الحكي وفنون النحت بالطين كلها أدوات تستخدم في تقديم ورش تفاعلية مع الأطفال لتحويل النصوص الأدبية من
قصص أو أشعار إلى أعمال فنية إما عبر لوحة تشكيلية وإما مشهد تمثيلي وإما تمثيل بالعرائس يقدمه الأطفال أنفسهم وهنا يتم تفاعل الأطفال مع الكتاب والهدف من هذا التفاعل هو خلق علاقة بين الأطفال والكتاب في ظل غياب الوعي بأهمية الغذاء الروحي للطفل.

15