صدام الهوية الفارسية والجمهورية الإسلامية: النوروز مناسبة للتظاهر

لم يحتفل الإيرانيون علنا بعيد قورش السنة الماضية، لكنهم احتفلوا به خلف الأبواب المغلقة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وسط وعيد بأن يكون “الاحتفال في السنة المقبلة (2018) مختلفا.
الثلاثاء 2018/03/13
ثورة انقلبت إلى الضد

طهران - عوض شعار “مرك بر أميركا” (الموت لأميركا)، رفع المتظاهرون الذين خرجوا في نهاية العام 2017 ضد النظام في إيران، شعار “مرك بر خامنئي” (الموت لخامنئي)، في كلمتين لخصتا أزمة الإيرانيين: السياسية والاقتصادية والثقافية/القومية.

ارتبط هذا الشعار، إلى جانب شعارات أخرى، رافضة لدعم إيران للميليشيات في لبنان والعراق واليمن وسوريا، ببعد اقتصادي واجتماعي غطّى على بعد آخر يعتبره الخبراء أكثر عمقا وخطرا على نظام ولاية الفقيه، وهو البعد القومي الثقافي، وقلق الإيرانيين الفرس على هويتهم، التي يغير ملامحها نظام ولاية الفقيه منذ أن غير اسم البلاد إلى الجمهورية الإسلامية.

تلخّص الكاتبة الإيرانية آذار نفيسي هذا القلق، في سيرتها الذاتية “أشياء كنت ساكتة عنها”، النابضة بالحنين لإيران قبل الثورة “إن الذين شعروا بأنهم خُدعوا ليسوا هم العلمانيون، بل الثوريون السابقون، أولئك الذين كانوا يحرسون الشوارع ببنادقهم… ذهبوا إلى الحرب وعادوا منها مبتوري السيقان، وبلا أمل”.

العودة إلى الماضي

منذ سنوات قليلة، بات لافتا اهتمام الإيرانيين بأعيادهم ومناسباتهم الفارسية، وبعضها كان قد منعه النظام وحرّمه. وكان الاحتفال بعيد قورش الأكبر، في أكتوبر 2016، رسالة تمرّد واضحة، حيث أقدم عدد كبير من الإيرانيين على كسر القواعد التي تمنع إحياء ذكرى قورش الأكبر، مؤسس الإمبراطورية الفارسية الأولى.

 

عندما خرج الإيرانيون في أواخر 2017 متظاهرين ضد النظام في بلادهم، رفعوا شعارات ذات أبعاد اقتصادية تندّد بالأموال التي تصرفها طهران على ميليشيات غير إيرانية في العراق ولبنان وسوريا واليمن، فيما أكثر من نصف الشعب يعيش البطالة والفقر. وفي ردّة فعله الأولى، لجأ النظام الإيراني إلى نظرية المؤامرة الخارجية لتبرير هذه المظاهرات التي لم تهدأ إلى اليوم. لكن، هذا التبرير كان بمثابة صبّ الزيت على النار، حيث زاد من تأجيج غضب الإيرانيين، الذين وجدوا أنفسهم محبوسين قسرا داخل بلادهم، أموالهم تصرف على غيرهم، وثقافتهم ضائعة وهويتهم الفارسية بدأت تذوب وسط هوية هجينة صنعها نظام ولاية الفقيه.

تحدى الآلاف من الإيرانيين السلطات بقيامهم بمسيرة للاحتفال بما أطلقوا عليه “يوم قورش” في مقبرة قورش في بلدة باسارغاد، التي تبعد نحو 800 كيلومتر جنوبي طهران. وانتهى الاحتفال باعتقال عدد من المشاركين. لكن، لم تعُد الاعتقالات ترهب الإيرانيين، وخصوصا الشباب، وكلّما أمعن النظام في القمع زاد التمرّد.

ويشير متابعون للشأن الإيراني إلى أن النظام في طهران لم يستوعب التغييرات الطارئة على المجتمع وبسبب تركيزه على ما يجري خارج البلاد وغرقه في مستنقع الحرب في المنطقة الإقليمية لم ينتبه إلى حالة القلق التي يعيشها الإيرانيون الفرس. فالمظاهرات التي اندلعت في ديسمبر 2017، لم تندلع من مناطق الأقليّات بل من كبرى المدن الفارسية.

في الاحتفالات بيوم قورش الأكبر، رفع الإيرانيون شعارات تطالب بحرية التعبير، لكنهم أيضا رفعوا شعارات قومية عنصرية مناهضة للعرب، ما يعكس حقيقة الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني الذي قطع الطريق عليهم في السنة الموالية (2017) حين قامت السلطات في 2017 بإقفال الطريق الرئيسية بين مدينتي شيراز في الجنوب وأصفهان في الوسط التي توصل إلى موقع باسارغاد الأثري حيث ضريح قورش.

ويشير أفشين مراشي، مدير برنامج الدراسات الإيرانية، وأستاذ في قسم الدراسات والمجالات في جامعة أوكلاهوما، إلى أن الإيرانيين بدؤوا يعودون بشكل لافت إلى قراءة تاريخهم القديم، مضيفا أن هذا التاريخ بات مصدر إلهام لجيل جديد من الكتّاب الإيرانيين والمثقفين والمؤرخين. ويشدد مراشي أن “الإيرانيين يقبلون بشكل كبير على معرفة تاريخ إيران ما قبل الإسلام”، مضيفا أن الإيرانيين عادوا لترويج فكرة أن فترة ما قبل الإسلام هي العصر الذهبي لإمبراطوريتهم، حيث أن أول إعلان لحقوق الإنسان (على يد قورش) يبدو أكثر عدلا من حاضرهم، فيما تقول نفيسي في سيرتها “ما من قوة أجنبية قادرة على تدمير الإسلام بالطريقة التي قام بها هؤلاء الأشخاص (قادة نظام ولاية الفقيه)”.

الأربعاء الأحمر

لم يحتفل الإيرانيون علنا بعيد قورش السنة الماضية، لكنهم احتفلوا به خلف الأبواب المغلقة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وسط وعيد بأن يكون “الاحتفال في السنة المقبلة (2018) مختلفا”. مازال تاريخ الاحتفال بهذه الذكرى بعيدا، لكن هذه الأيام، سيعوّضه احتفال آخر لا يقل أهمية عند الإيرانيين، وهو “الأربعاء الأحمر”.

يبدأ احتفال الإيرانيين بـ”الأربعاء الأحمر”، دائما مع غروب شمس الأربعاء الأخير من السنة الفارسية. ويقوم الإيرانيون، الشباب خاصة، بالاحتفال بهذا العيد منذ الآلاف من السنين عن طريق عمل أكوام صغيرة من الشجيرات والقطع الخشبية في الأماكن العامة ثم إشعال النيران بها في مداخل الطرقات، ويعمد الكثيرون إلى القفز فوقها وهم يرددون أشعارا محلية. يجري هذا الاحتفال لاستقبال النوروز وإعلان مجيء الربيع وبدء السنة الفارسية الجديدة. والقصد من هذا الاحتفال هو إحياء الأمل في التنوير والسعادة طوال العام المقبل.

لكن، هناك سبب آخر للاحتفال، وفق حسن محمودي، الناشط الإيراني في مجال حقوق الإنسان. يقول محمودي، في متابعة نشرها على موقع “أميركان ثينكر”، أن هذا الاحتفال يضايق الحكام الإيرانيين الذين وصفهم بـ”المكروهين”، حيث يتذكّر الإيرانيون مدى المعاناة التي مرّوا بها على مدار التاريخ ضد الدكتاتورية وجهل القوى الرجعية.

بالنسبة إلى الإيرانيين اليوم، فإن هذا يشمل على وجه الخصوص العصر الغابر الذي استمر لمدة 39 عاما من حكم الملالي في إيران، من 1979 حتى الآن. ويؤكد محموي أن الاحتفال بهذه المناسبة، وغيرها من الأعياد الفارسية القديمة، تجعل الإيرانيين يطلعون في حقيقة أوضاعهم والحاجة إلى إنهاء هذا النظام.

الناشط الحقوقي الإيراني حسن محمودي: النار هي رمز لمعركتنا الطويلة ضد الدكتاتورية في إيران، ونحن جميعا نقف بجانب بعضنا البعض، ولن تؤثر علينا قوى القمع

ويضيف أن “النيران المشتعلة في الثقافة الفارسية توحي بالتفكير التأملي. لذا فإنه من المألوف في هذه الاحتفالات أن يفكر الإيرانيون في إنهاء سنوات القمع والتعذيب والإعدام وانتهاكات حقوق الإنسان التي استولت على بلادهم، والتفكير في بدء موسم الربيع، مع بداية السنة الفارسية الجديدة (20 مارس 2018) التي ستجلب آمالا من أجل إنهاء هذا النظام إلى الأبد”.

ويتبع الإيرانيون الكثير من العادات احتفالا بـ”الأربعاء الأحمر”، حيث تقوم ربّات البيوت بتنظيف منازلهن استقبالا للعام الجديد. وفي هذا العام، يأمل الشعب الإيراني أن يتغيّر النظام الحاكم بأكمله تزامنا مع بداية السنة الجديدة، وفق حسن محمودي.

وخلال العقود الماضية، كان احتفال “الأربعاء الأحمر” في جميع أنحاء إيران مسرحا للوقفات الاحتجاجية والتعبير عن الغضب من سياسات النظام. ففي العام الماضي، دوت أصوات انفجارات القنابل اليدوية والألعاب النارية باستمرار في العديد من المدن كان يقوم بها الشباب الإيرانيون الغاضبون، وانتهى الاحتفال باندلاع اشتباكات عنيفة بين الشباب وقوات الأمن التي حاولت تفريقهم.

ويتوقّع محمودي أن يتخذ الاحتفال هذا العام شكلا مختلفا عن مهرجان العام الماضي، خاصة في ظل الأجواء المحتقنة والخطوط الحمراء التي تم تجاوزها في المظاهرات التي اندلعت في ديسمبر 2017 ومازال دخانها متصاعدا في مختلف المدن الإيرانية. وكان وزير الداخلية الإيراني عبدالرضا رحماني فضلي حذّر من عودة وشيكة للاحتجاجات الشعبية المناهضة للنظام قائلا إن “شرارة واحدة تكفي لاندلاع الاحتجاجات من جديد”. وقال فضلي في مقابلة له مع صحيفة إيران الحكومية الأحد، إن “أسباب الاحتجاجات لا تزال قائمة وتتمثل في عدم وجود رضا شعبي عن النظام في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية”.

كما حذر إسحاق جهانغيري، نائب الرئيس الإيراني، من خطر تحوّل “احتجاج” الشعب إلى “كراهية وغضب”. وفي خطابه الذي ألقاه في 6 مارس، تحدث عن المظاهرات العامة التي اندلعت في شوارع إيران في يناير الماضي. وقال جهانغيري “بالطبع، كان هناك البعض من الشعارات غير المقبولة التي نادى بها الإيرانيون في المظاهرات”.

وأطلق ناشطون إيرانيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوات إلى تنظيم احتجاجات جديدة ضد النظام، بمناسبة احتفالات عيد النوروز، المقرّر له في الحادي والعشرين من مارس الحالي. وقال المغردون إن الاحتجاجات المقبلة، ستكون بارقة أمل نحو قيام انتفاضة جديدة تسقط النظام.

وفي مسعى إلى مواجهة أي تصعيد في احتفالات “الأربعاء الأحمر” وعيد النوروزأصدرت السلطات تعليمات في جميع وسائل الإعلام لردع الناس عن الاحتفال بهذا المهرجان. ورد المسؤولون بتهديد كل من يحاول الاحتجاج في هذا اليوم، فقد قال أحد المسؤولين في أجهزة الأمن إن المواجهة القمعية ستكون مصير “الخارجين على القانون”. ودعا المسؤول المواطنين إلى “تجمعات عائلية” في “الأربعاء الأحمر”، مؤكدا أن الجوّ الأسري سيكون أفضل بكثير للاحتفال بدلا من الاحتجاج.

في المقابل، يؤكد حسن محمودي إن الإيرانيين يخططون مع احتفال “الأربعاء الأحمر” إلى تقديم هذه الرسالة إلى النظام “النار هي رمز لمعركتنا الطويلة ضد الدكتاتورية، ونحن جميعا نقف بجانب بعضنا البعض، ولن تؤثر علينا قوى القمع”.

6