صدمات تنتظرنا

الأربعاء 2015/09/16

يبدو أننا سنواجه صدمات بلا حدود خلال المرحلة القادمة، فكلما يتقدّم العلم، نتعرّض لمصاعب التكيّف مع العالم، وكلّما طوّر الإنسان قدراته، وأرتقى بإنسانيته أكثر، نجد أنفسنا متدثّرين بشعارات الماضي، غاطسين في كتبنا الصفراء، مشدودين من أعناقنا إلى العابثين بوعينا، كافرين بعقولنا، وبعقول الشعوب المبدعة من حولنا.

منذ أيام كنت أستمع إلى داعية يتحدث عن فوائد الثوم والبصل، ويقول لمشاهدي قناته أن الإسلام هو أول من اكتشف فوائد الثوم والبصل، يعني أن الفراعنة، وقدماء الصينيين، والهنود، والبابليين، والفرس، والرومان، والفينيقيين، والإغريق، والعرب القدامى، وغيرهم من شعوب العالم، لم يكتشفوا فوائد البصل والثوم والحلبة والتمر وغيرها إلا قبل 1400 عاما.

الأغرب من ذلك أن هناك من لا يزال يقول أن الشعوب لم تكن تعرف الأخلاق قبل الإسلام، يعني أن من صنعوا حضارة الإنسان لآلاف السنين قبل ظهور آخر الأديان، كانوا مجرد كائنات تسعى بلا قيم ولا مبادئ ولا نظم حياة، رغم أن صعلوكا منبوذا من صعاليك العرب، وهو الشنفري، أورد في لاميته من المثل النبيلة السامية ما جعل الرسول محمد (صلعم) يقول “علموا أبناءكم لامية العرب فإنها تعلّم مكارم الأخلاق”، ورغم أن التاريخ يثبت لنا أن الرسول، قال في بداية دعوته لأصحابه المضطهدين في مكّة “لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه” وهو بذلك يشير إلى النجاشي الملك المسيحي الذي لم ينتظر ظهور الإسلام حتى يكون صالحا.

المعضلة الأكبر أنه قبل أيام، تناقلت وسائل الإعلام العالمية خبرين، الأول عن اكتشاف مهم، مفاده أن العلماء توصلوا إلى أن الإنسان مستعمر الأرض حالياً، لم يكن الوحيد الذي نزل قبل ملايين السنين عن الشجرة وانتصب على قدميه، وإنما عاش قبل مليونين و500 ألف عام، جنس على الأرض كان منتصب القامة أيضاً، وبذكاء “بشري” أوصله حتى إلى دفن موتاه، ولا رابط تحدريا بينه وبين سلالات قديمة للإنسان الحالي، بل كان سلالة بذاتها ولذاتها.

أما الخبر الثاني فيقول أن عالمين هولنديين اكتشفا نسخة قديمة جدا لقصة آدم وحواء، أوضحا إنها تعود إلى 800 عام قبل سفر التكوين في التوراة، وتختلف عنها في الإنجيل والقرآن، وأن القصة منقوشة باللغة الأوغاريتية على لوحين من الطين وتعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وعُثر على اللوحين في سوريا عام 1929، وفي السبعينات من القرن الماضي، تم تفكيك رموز الكتابة الأوغاريتية المسمارية في اللوحين، وبحسب ما أوردته التقارير الإعلامية، فإن القصة القديمة تقول أن الإله “إل”، وهو الإله الأعلى (حسب الميثولوجيا الكنعانية) يسود على “حقل كرمة الآلهة العظام”، الذي يقع على جبل أرارات في شرق تركيا اليوم. لكن سلطته هذه عارضها الإله الشرير حورون، سلف الشيطان. عندما عُوقب حورون بالطرد من الجبل سمّم “شجرة الحياة”.

وهنا يظهر آدم في القصة: هو إله أُرسل إلى الأرض لوضع حورون عند حده، لكن نهاية مهمته كانت مأساوية. فقد حوّل حورون نفسه إلى ثعبان سام ولدغ آدم، مما أدى إلى خسارته لطبيعته الخالدة. وكنوع من العزاء لما أصاب آدم، قدمت آلهة الشمس له “امرأة طيبة القلب”، وبالتالي يمكن أن تتكاثر البشرية، ويسترد آدم بعضاً من طبيعته الخالدة.

إن من يريد أن يعرف إلى أي حد يمكن أن يصل بنا تفكيرنا الرافض لأيّ من إنجازات العقل الإنساني، عليه فقط أن يطّلع على تعاليق القرّاء، ليدرك حجم المصيبة التي تجرّنا إلى الظلام، حيث من السهولة بمكان، أن يخرج منّا من يكفّرون العلم والعلماء، ومن يرفضون الإعتراف بأن الكون أكبر مما يعتقدون، والتاريخ أطول مما يتصورون، والعقل أقدر مما يظنّون، والحياة أوسع مما يتصورون، والمستقبل سيأتي بما لا ينتظرون من حقائق لن يقبلها العقل الجامد، ولن يعترف بها المتكئون على جدار الماضي، العاجزون عن التنفّس بطلاقة، الكارهون النظر بعمق، والرافضون قبول الإنجاز الإنساني وإن لم يشاركوا فيه.

24