صدمات في وجه زيارة أردوغان لتونس

الخميس 2017/12/28

بما حملته من مفاجآت لم يكن ينتظرها، لا ينطبق على زيارة الرئيس التُركي رجب طيّب أردوغان إلى تونس سوى توصيف الشاعر الفلسطيني محمود درويش “نرسيس ليس جميلا كما ظنّ… لكنّ صُنَّاعَهُ ورَّطوهُ بمرآته، ولو كان أذكى قليلا لحطّم مرآته”.

استعارة محقّة وفي محلّها، ترجمتها ردود الفعل الغاضبة والاحتجاجات السياسية في تونس الرافضة لزيارة أردوغان المتّهم من قبل طيف واسع بدعمه للتنظيمات الإرهابية عبر جعل مداخل تركيا ومخارجها الحدودية نقاط عبور بارزة لتسفير الشباب نحو بؤر التوتّر وخاصة إلى ليبيا وسوريا.

ورغم أنّ الرئيس الحالم بإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية كان يعلم منذ بداية جولته الأفريقية ومنذ أن وطأت قدماه تونس أنّ المشروع الإخواني قد ضعف بعدما تلقّى صفعات مدويّة في أكثر من عاصمة عربية، إلاّ أنّه كان يراهن على أنصاره الإسلاميين وأتباعه من حركة النهضة الشريكة في الحكم كي يضمنوا له دخول البلاد بملمح “الفاتح” أو “الفارس″ الذي سيتغنّى باسمه أبناء تونس لدى حلوله بمطار تونس قرطاج.

ومن العوامل التي قد تكون أوهمت أردوغان ولو لبرهة واحدة بأنّه سيلقى ترحيبا ليس له نظير في تونس، تخيّله بأن نجاح إخوانه من النّهضة الإسلامية في تقريب الصلة بينه وبين نجل الرئيس التونسي حافظ قائد السبسي (زعيم حزب نداء تونس الحاكم) عقب لقائهما في أنقرة في عام 2015 سيفتح له أبواب تونس على مصراعيها لتنفيذ شهوته الإخوانية.

كما يبدو أن الرئيس التركي قد خدع حين فكّر ووضع في مخططاته أنّ زيارته المتزامنة مع الأزمة الدبلوماسية التونسية – الاماراتية ستسهل عليه إعادة ترميم البيت الإخواني في المنطقة، ليصطدم وقبل حتى وصوله إلى العاصمة التونسية بجبهات رفض واسعة له ولأيديولوجيته ولسياساته ولممارساته المتطرفة لا في تركيا فحسب بل في مختلف الدول العربية.

جدل زيارة أردوغان إلى تونس لم ينحبس على الأحزاب السياسية أو المنظمات الحقوقية المعبّرة عن نبذ السياسات التركية، ليشمل أعلى هرم في السلطة بعد أن ردّ الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بطريقة منمّقة على ما أتاه أردوغان برفع شارة “رابعة” الإخوانية في قصر قرطاج بالقول “في تونس عندنا علم واحد لا اثنان لا ثلاثة ولا ‘رابعة'”.

ردّ وإن كان مبطنا ومحترما لبروتوكول الضيافة، فقد وصفه التونسيون بالأنيق والمعبّر عن توجهات معظم الشعب التونسي الرافض أولا لتوظيف أراضيه في معارك إقليمية، والمناهض ثانيا لكل من يحمل فكرا إسلاميا متطرّفا.

صفعة قوية ورسائل سياسية بالجملة غير مشفّرة تلقاها رجب طيّب أردوغان من نخب وعموم الشعب التونسي، حتّمت عليه الوقوف على حقيقة مفادها أنّه لن يكون قادرا في مستقبل الأيام على إنقاذ ما تبقّى من جماعات الإسلام السياسي لا في تونس فقط بل حتى في ليبيا التي تبقى في مخطط جولته الأفريقية بوصلة أولى ستسهل إعادة تمركز وتموقع المشروع الإسلامي.

وانزعاج “الحالم العثماني” ممّا وجده في تونس من رفض لم يكن مخفيا بل أكّدته مسارعته لإلغاء زيارة كانت مقرّرة لمقر البرلمان التونسي حيث كانت تنتظره تحت زخّات المطر جحافل من نواب وأنصار حزب حركة النهضة الهاتفين باسمه وبشعار “رابعة”.

وبعد كل هذه الضربات التي تلقاها أردوغان حتى من قبل حزب المسار الديمقراطي، أحد الأحزاب المشاركة في الحكم في تونس، والذي اعتذر عن حضور مأدبة الغداء الرسمية التي اقامتها رئاسة الجمهورية التونسية، على شرف الرئيس التركي، احتجاجا على ما أسماه سياسته الاستبدادية تجاه القوى الحية من المثقفين والفنانين والجامعيين والصحافيين في تركيا، كشفت مصادر رسمية لعدد من وسائل الإعلام التونسية أن أردوغان قرّر اختصار زيارته المقررة بيومين خصوصا أن مهمته قد تكون اكتملت بلقاء زعيم حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي.

كاتب من تونس

4