صدمة رجل أسود في مجتمع من السود الراغبين أن يصبحوا بيضا

يكتب قسطنطين جورجيو، في روايته “شحاذو المعجزات”، رواية النقائض الإنسانية التي تولَد نتيجة صراعات القوى الكبرى المُعتَمِدَة على إرثٍ في الصراع الطبقي ينخر العقد الاجتماعي في أي بلادٍ تضمُّ بِيضاً وسوداً، هذه الحكاية المبنية حوارية مستمرة من صفحتها الأولى تروي بألمٍ عن المنسيين والمسحوقين، وهؤلاء ليسوا أفراداً بل هم شعوبٌ وقعت ضحية الصراع على النفوذ.
الأربعاء 2017/05/17
السود بيض أيضا

يشيد الكاتب هذه الرواية عبر حواريات مبنية على حدث متجوِّل في أمكنة جغرافية تقع مابين الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا وتمتد إلى تروبيك، البلاد الأفريقية التي تقع على خط الاستواء تماماً، في هذه المساحات يجول قلم قسطنطين جيورجيو لينقل حكاية “ماكس أومبيلينت”، ابن العائلة الثرية، الأميركي من أصول أفريقية في روايته “شحاذو المعجزات”.

ينتمي أومبيلينت إلى الجيل الرابع في عائلته، وهو الجيل الذي آمنَ الأجدادُ المؤسسون لإمبراطورية الثروة تلك، بأن يظهر فيه شاب أسود البشرة يحمل بين أصابعه القدرة على تغيير الواقع الاجتماعي الذي تبدل رسمياً وقانونياً بعد إشهار قانون المساواة بين البيض والسود في أميركا، إلا أنه سقط في العقد الاجتماعي فظل خاضعاً لمنظومة مفهومة في حينها ضمن بنية العلاقات الاجتماعية المتشابكة في ذلك الحين.

يسقط أومبيلينت في براثن عصابة مفصلُها الأساسي زميلته الجامعية “بلانش” التي تنتمي إلى عائلة امتهنت العمل الأمني بلباس الشرطة، من خلال إيهامه بالحب العميق، وتبدأ معه رغم كل الصعوبات إتمام عملية الزواج على الأراضي الأوروبية، ذلك الحلم الذي لا يلبث أن ينتهي قبل أن يولد عندما يهاجِم أخوَاها الشرطيان أومبيلينت بهدف تشويهه ثم قتله، لكن الموت الذي ظلَّ بعيداً عن أومبيلينت أورثه تشوهاً في ذكورته فصار مخصياً.

روسيا وأميركا

القضية في الرواية، الصادرة عن دار مسكلياني، تبدأ بنفي كل مَن كان شاهدا من البيض على وقوع حادثة الاعتداء، أخذَت بُعداً آخر لتتحول إلى صراع بين البيض والسود، استناداً إلى الماضي الدفين الذي ساقَ فيه البيضُ السودَ إلى مخازن العبيد، أولئك الذين لم تشفع لهم دماؤهم التي نزفوها خلال الحرب في خنادق البيض.

أومبيلينت يذهب إلى روسيا الاتحادية بعد أن أعلنت موسكو تضامنها مع قضيته عقِب عدم إنصاف القضاء الأميركي له، هناك على الأرض الروسية تبدأ جولة أخرى من الأحداث، مفصلها الرئيس ستانيسلاس كريتزا رجل المهمات الخاصة الذي يتم استدعاؤه على عجل من بلادٍ تبعُد عشرة آلاف كيلو متر عن موسكو كي يتم إعدامه فيعود مع أول طائرة، هكذا هم الرجال المخلصون المؤمنون بعدالة الأوطان، تقول الرواية التي تنتقل بأسلوب حواري شيِّق بين كل الشخصيات فلا مكان فيها للبوح الشخصي، المونولوج الداخلي يأتي في سياق بناء حواري.

تُعهَد إلى كريتزا بعد العفو عنه مهمة إدارة دائرة السود في روسيا، تلك الدائرة التي تتضمن قسماً للمهمات الخارجية، هنا يبيِّن الكاتب بالكثير من التفصيل الفلسفة الروسية للسيطرة على العالم من خلال القوة الناعمة، فمهمة أومبيلينت كما تُوكَل إليه تقوم على اغتيال أربعةِ مبشِّرين وصلوا حديثاً إلى قرية نائية في التروبيك الأفريقية، بهدف إعادة تأهيل قبيلة من “آكلي لحوم البشر”.

الرواية بما تحمله من أحداث يمكن إسقاطها على أي واقع بعد تحييد ألوان الأبطال فيها

الفلسفة الروسية تقوم في هذه القضية على عدم إمكانية نقل هؤلاء زمانياً بهذه السرعة، فالترحيل الإجباري الجغرافي يمكن أن يتم سريعاً لكن الترحيل الزماني يجب أن يخضع للكثير من الضوابط والمعايير، لذا تسعى موسكو ضمن خطة محكمة إلى قتل المبشرين ونسب الجريمة إلى آكلي لحوم البشر، وبالتالي عرقلة المشروع الأوروبي، هكذا يجد أومبيلينت طريقه برفقة سائق من بلاد “الفلاش” نحو القرية البعيدة.

اكتشاف الذات

تبدأ عملية اكتشاف الذات من خلال صدمة وجود الرجل الأسود في مجتمع من السود أيضاً، لكن فكرة تفوّقه على أبناء جلدته تدفعه للتصرف كالبيض تماما، ثنائيات عديدة يطرحها هنا قسطنطين جيورجيو وفق متتاليات حسابية لغوية مُحكَمة، فالعقل هو أومبيلينت الذي يغدو اسمه في مجتمعه الجديد “يامو” أي الرضيع، والأداة هي مجتمع “آكلي لحوم البشر” الذين يدورون في فلك خدعة وأمنية واحدة في الوقت ذاته، هي أن يتحولوا إلى بيض ليكونوا مواطنين.

تطور الأحداث يشير إلى تورط القيادة العسكرية لتروبيك في عمليات إبادة جماعية، هذا هو السيناريو الذي أراده الروس وفق مخططهم، وضمن بنية روائية محكمة يقدِّم جيورجيو تطورات هذا المشهد بمرض الجذام الذي يصيب بعض الضباط الكبار، لينتهي باستسلام ماكس أومبيلينت بعد اختفائه، فتنتهي الرواية بين الضابط الأبيض والرجل الأسود، بمواجهة تحمل كل النقائض في معانيها، بجملة واحدة بعد أن وضعَ الرجل الأسود يديه في دائرة أصفاد الضابط، قائلا “إلى العمل أيها العقيد، ما تبقى لك لتفعله بي بسيط، وقانوني هذه المرة”.

تعتمد الرواية على تقنية السرد الروائي الدائري، فالدوائر السردية تنطلق فيها ضمن أصوات الأبطال لتحاكم النقائض، والنقائض هنا مبنية على حدوثها في الحياة، وليس إمكانيتها من منطلق الفانتازيا، استند فيها الكاتب إلى جملة من التغيرات التي تضرب أي مجتمع في العالم رغم حصرها بين مجتمعين يختلفان في التطور الزماني والمكاني، لهذا كان جسر الربط بين هاتين الثقافتين مبنيا على الطبيعة أيضاً من خلال نهر النمل وفكرة اصطياد التماسيح أيضاً، واستعداد الإنسان للقتل في سبيل حريته.

هذه فكرة واحدة من الأفكار التي يمكن أن تدرس بالتفصيل، إلى جانب الخطاب السياسي للقوى العُظمى التي تحكم العالم، فهذه الرواية بما تحمله من أحداث يمكن إسقاطها على أي واقع بعد تحييد ألوان الأبطال فيها، ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن الترجمة التي قامت بها وحيدة بن حمادو، جاءت متصِّلةً بخيط محكَم وكأنَّ النص قد كُتِبَ في أصله بالعربية.

14