صدمة كورونا: انكفاء العقل الإسلامي إلى الدعاء

أزمة كورونا تكشف أن الثقافة العربية الإسلامية ما تزال على الهامش ورغم التطور المادي فهي تعيش في الماضي.
الأربعاء 2020/04/01
علاج بالتعاويذ

ينحصر الجدل بشأن المسألة الدينية وفايروس كورونا في فتوى إغلاق المساجد من عدمه، وفي التنقيب عن الأحاديث والأدعية التي تستبق العالم بآلاف السنين في توقع الجوائح والتوقي منها. وكان واضحا أن “صدمة كورونا” كانت صدمة شبيه بصدمة عصر النهضة حين استفاق العرب والمسلمون على الحداثة الغربية، ووجدوا أن الحل في اقتداء طريق الغرب بحثا عن “العناصر المادية” للحضارة، والانكفاء على الذات في البعد الروحي، وهي الازدواجية التي تظهر دائما مع كل صدمة جديدة.

تراث كبير من الأدعية و”الوصفات” الروحانية في مواجهة، هذا كل ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية طيلة أربعة عشر قرنا. فمن أين يأتي التعالي الديني الذي يملأ حياتنا اليومية، وهو تعال يقوم على ادعاء امتلاك الحقيقة وتصنيف الشعوب الأخرى كشعوب ضالة وجب تقويمها بالسيف، وهو ما قاد إلى ظهور الحركات الإسلامية المتشددة التي تمارس القتل والتفجير باسم الدين، وتحت عنوان الجهاد، وحتى الحركات التي تتبرأ من توحش القاعدة وداعش، فهي تتبرأ من باب المناورة.

“أمة اقرأ” تكتفي بالتصدي للفايروس القاتل بالدعاء، فيما تنتظر من أمة “الكفر والضلال” أن تنتج الدواء القادر على إنقاذها، فضلا عن أنها تتوسل للحصول على أدوات الوقاية سهلة الإنتاج من الصين وأوروبا.

وكشفت أزمة كورونا أن الثقافة العربية الإسلامية ما تزال على الهامش، وأنها رغم التطور المادي فهي تعيش في الماضي. ليس فقط المواطنون العاديون الذي باتوا أسرى الأئمة والدعاة الغارقين في كتب الماضي، ولكنْ أيضا جزء كبير من الدارسين على أعلى مستوى ومن يعيشون ويعملون في مؤسسات ذات قيمة بالغرب.. جميعهم يبحث في الماضي لتفسير المستقبل.

ويدفع الشعور بالتموقع في الهامش داخل حضارة التكنولوجيا المتقدمة العرب إلى وضع الحلزون الذي لا يرى شيئا سوى ذاته، ولذلك بدأ العامة والمثقفون الذين اخترقتهم أفكار الموت، في البحث داخل النصوص القديمة للإجابة عن تحدي عام 2020.

وأفتى بعضهم بأن القرآن قد تحدث عن فايروس كوفيد-19 المستجد، في سورة المدثر في قوله تعالى “عليها تسعة عشر” (مع أن الآية تتحدث عن عدد خزنة جهنم)، وأن آية “وما يعلم جنود ربك إلا هو” يقصد بها كورونا كعقاب أرسله الله للصينيين. فيما عاد آخرون إلى كتب السابقين بحثا عن إشارات إلى الأوبئة وتأويلها على أن الحضارة العربية الإسلامية كانت سبّاقة في التعاطي مع الجوائح.

وفضلا عن أصوات المقرئين والأدعية والتكبير في المساجد، فإن مجموعات صغيرة في تونس انطلقت في أكثر من ليلة وفي ظل حظر التجوال مرددة “الله أكبر” وحاثة الناس في الأحياء الشعبية على الانتظام معها في “حفل تكبير” معرضة أرواح المئات للخطر. ورأينا كيف تحدى وكلاء رجال الدين الشيعة الإجراءات الحازمة لمنع انتشار الفايروس بإغلاق المزارات، معتبرين أن هذه الإجراءات تمس من الخوارق التي يتولى من خلالها الأئمة شفاء المرضى بما في ذلك المصابين بفايروس كورنا.

هروب إلى الغيب

"أمة اقرأ" تكتفي بالتصدي للفايروس القاتل بالدعاء
"أمة اقرأ" تكتفي بالتصدي للفايروس القاتل بالدعاء

نشطت في الحجر الصحي الإلزامي الدعوات إلى التدين، وترديد الأدعية والأحاديث، وإن كان الأمر عاديا لأن الإنسان في المحن يؤوب إلى الروحانيات بحثا عن السكينة. ولا يقف الأمر، هنا، إذ يسود اعتقاد أن العالم تتم معاقبته بسبب الكفر والفجور والتعدي على الدين، فالصين أصابها الفايروس لأنها “تعتقل مليون مسلم وتمنعهم من أداء الصلاة”، فيما أوروبا تدفع ضريبة “بعدها عن الدين”.

وتنشط في وسائل التواصل الاجتماعي عمليات نشر فيديوهات عن تلاوة القرآن في الكونغرس، أو سماع الأذان في شوارع إيطاليا، كما لو أن الغرب قد تم فتحه وأعلن إسلامه بسبب كورونا. لكن السؤال لماذا يتمدد هذا الفايروس بين العرب والمسلمين، مع أن غالبيتهم متدينون ومواظبون على الصلاة والصوم والحج والعمرة.

إن الأمر لو كان عقابا من الله لكان المسلمون أولى به، فكثير منهم لم يعرف من التدين سوى تكفير الآخرين، كما أنهم حوّلوا الدين إلى أداة تقاتل بينهم وأداة قتل للأبرياء في أماكن كثيرة، وإلى الآن يبدو تبرؤهم من تلك الأفعال مجرد مناورة بعد أن فشلوا في بناء تفكير إسلامي عقلاني ومدني متسامح ومنفتح على الآخر يستطيعون من خلاله النأي بالنفس عن تفسير مشترك تتبناه تنظيمات داعش والقاعدة والإخوان، ومناهج التدريس الرسمية في دول عربية وإسلامية ذات ثقل ديني بالرغم من محاولات “فك الارتباط” ولو على مستوى الخطاب السياسي.

إن الهروب إلى الغيب بهدف تبرئة الأمة المتكاسلة في مواجهة الأخطار الصحية أمر مشترك بين المسلمين، دولا ومنظمات وأشخاصا، وهو ما تعكسه إطلالة سريعة على الفضائيات أو تقص للمواقف على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل الحكم عاما وليس فيه أي استثناءات: وهو أن العالم الإسلامي بتلويناته المذهبية وجماعاته يواجه الجوائح بالدعاء والهرولة إلى الغرب بحثا عن المساعدة.

ولعل أبلغ توصيف لهذه الاتكالية هو نصيحة اتحاد علماء المسلمين، الواجهة الدينية السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، التي حثت الناس على الدعاء، وخاصة “زيادة البحث في المسائل الفقهية”، بدل البحث العلمي للوصول إلى الدواء.

وبالنتيجة، فإنّ ميراثا طويلا من إنتاجات المسلمين بكل أطيافهم في مبحث الجوائح لم يخرج عن دائرة إتقان صيغ الدعاء والتضرع إلى الله، دون أي مباحث علمية اللهم ما تعلق بأسباب ظهورها كجزء من منظومة العقاب التي تحسب على الله عز وجل، وهي اقرب إلى التقوّل عليه، وتهدف إلى التنفيس عن العجز في اجتراء أساليب علمية للتصدي لهذه الأوبئة.

تغييب العلم

نشطت في الحجر الصحي الإلزامي الدعوات إلى التدين وترديد الأدعية والأحاديث
نشطت في الحجر الصحي الإلزامي الدعوات إلى التدين وترديد الأدعية والأحاديث

تثار الكثير من الأسئلة عن الجامعات في العالم الإسلامي، التي ترصد لها ميزانيات كبرى، ماذا تفعل ولماذا تعجز عن تحقيق ولو سبق صغير في مواجهة الأوبئة، إذا سلمنا بسردية نجاح الحضارة العربية الإسلامية في قرون أولى بتقديم منتج علمي بنت عليه أمم أخرى تقدّمها الحالي.

ليس هناك شك في أن العالم الإسلامي، وخاصة الدول الثرية، ينفق بسخاء على الجامعات ذات الاختصاصات العلمية، لكنها لم تخرج في غالبها كفاءات علمية محلية ذات تأثير، إما بسبب عقلية التوظيف التي تسيطر على كثير من الشبان المتخرجين سنويا، وإما بسبب غياب الاهتمام بالبحث العلمي في سياق إستراتيجية وطنية كما تفعل الدول المتقدمة.

وعقلية الاجترار هي نفسها العقلية الفقهية القديمة التي كانت تحض على الشروح والتفاسير بدل النقد والاجتهاد كأرضية ضرورية لأي إضافة فكرية، وهو ما تلعبه الجامعات الدينية في العالم الإسلامي، وهي جامعات تحظى باهتمام خاص وتوضع لها استثمارات كبيرة من أجل إعادة إنتاج الفكر الإسلامي القديم الذي تم إنتاجه في مسار الاجتهاد الشخصي للصحابة والتابعين وتابعي التابعين في العلاقة بالنص، أو بالميراث السلوكي والشفوي للرسول الكريم محمد (ص).

ويقتصر دور العلماء هنا على إعادة تدقيق المتون والكتب المرجعية للأجيال التي سبقت، وإضافة شروح حولها، والنبش في أفكار سابقة للتدليس على صدقية تلك المدونات. وبالنتيجة فإن الأموال التي تنفق على هذه الجامعات، من أبواب مختلفة بعضها رسمي، وكثير منها مجهول، تخصص لإعادة إنتاج أفكار قديمة، وعقد مؤتمرات للترويج لأفكار وفتاوى أسست لظهور القاعدة وداعش، وإن كان المنظمون يظهرون عكس ذلك مناورة أو في مسعى إلى نزع الصفة الدينية عن تلك الجماعات التي هي نتاج طبيعي للفكر الإسلامي.

ميراث طويل من إنتاجات المسلمين في مبحث الجوائح لم يخرج عن دائرة إتقان صيغ الدعاء والتضرع، دون أي بحوث علمية

لكن الموروث الذي يجري تدريسه والاحتفاء به على نطاق واسع أغلبه يتمركز حول فقه ازدهر في فترة العصور الوسطى وفي الأزمات. فقه بوجهين الأول، التسليم بالأمر الواقع وإنقاذ النفس، والثاني الحثّ على السيف لإثبات الذات وحسم الخلافات. وظهر هذا الفقه في فترات متباعدة، لكنه ظل بنفس الهوية التي أسس لها ابن تيمية، أو لاحقا عن طريق الفرق الصوفية زمن الاستعمار، ثم ما بات يعرف الآن بالسلفية بمختلف ألوانها، ثم جماعات الإسلام السياسي الأخرى المتقاتلة تحت مسوغ الفتاوى.

وأفرز هذا الفقه مدرستين في الإسلام السياسي. الأولى تنتصر للسلامة الشخصية وتضفي شرعية على الواقع، وتلجأ إلى النص الديني (قرآن وسنة) لإثبات أن مهمة التغيير والقيادة يختص بها الحاكم، وتعتقد أن دور الفرد هو الدعاء لولّاة الأمور بالسمع والطاعة. أما الثانية، فهي مدرسة الإسلام السياسي الاحتجاجي، الذي يوصف في الأدبيات القديمة بالخوارج، والآن في شكل جماعات متفرعة عن الإخوان المسلمين، اضطرت تحت ضغط الواقع إلى تغيير أفكارها من حاكمية تجري تكفيرها على الجميع، مسلمين وغير مسلمين، عدا المنتمين للفرقة الناجية، إلى مناورة التعيش مع الآخر.

13