صدمة مصطلح "الفكر المنوي"

الثلاثاء 2014/08/05

بعد أن هدأت حدة ردود الفعل على مصطلح «الفكر المنوي» فلابد لي من إيضاح أرجو أن ينفع المعترضين والمؤيدين على السواء. ومن المهم أن أقول أولا أن هذا المصطلح الذي أطلقته في حديث تلفزيوني لبرنامج “في الصميم” في قناة روتانا خليجية، أحدث صدمتين: صدمة لدى الموصوفين بهذا الفكر، وصدمة لدى عامة الناس، في السعودية ومنطقة الخليج العربي عموما، الذين استقر في نفوسهم أن كل متحدث في الشأن العام الديني، بغض النظر عن نوع حديثه، محصّن ضد التوصيف الصارخ لما هو عليه في الحقيقة.

لقد فكرت بما يمكن أن ينطوي عليه فكر لا يرى في المرأة سوى مكبا للشهوات وتحقيقا للملذات الجنسية. ولذلك هو لا ينظر إليها ولا يتعامل معها، ولا يعترف لها بكينونة سوى كينونة خضوعها لشهواته الجسدية. وما عدا ذلك هي (سقط متاع) تسمعُ وتطيعُ وتقبل بما قسمه الرجل وليس بما قسمه الله لها. تأملت كذلك في نشوء هذا الفكر، فوجدته قد نشأ وكبر في أحضان ما يسمى خطاب الصحوة، الذي شهدته السعودية وبعض الدول العربية منذ الثمانينات الميلادية.

لقد اشتغل الخطاب الصحوي، المتشدد بالذات، منذ ذلك الحين بالمرأة وجسدها أكثر من انشغاله بأي شيء آخر. وكثير من الوعّاظ لم يُعرفوا لدى الناس إلا من خلال حملهم للواء حماية المرأة (الجسد) من التغريبيين والليبراليين والعلمانيين. أولئك، الذين ما فتئ الخطاب الصحوي يبدأ في جداله معهم من المرأة ثم يعود إليها، مستبعدا ما عدا ذلك من أفكارهم وأطروحاتهم الفكرية التقدمية، بل وحتى أطروحاتهم العادية التي تتعلق بصناعة الحياة على الصعد التنموية والاقتصادية والاجتماعية.

التغريبي أو الليبرالي أو العلماني أو (الإنسان المنفتح بشكل عام) هو في نظر الصحوي المتشدد رجل يريد، في كل ما يسعى إليه، أن يُخرج المرأة من دينها وعباءتها ليصل إليها ثم يستبيح جسدها إمعانا في ملذاته وإرضاء لشيطان فسقه وانحرافه عن جادة الصراط المستقيم. أي كما اختزل الصحوي نفسه وهمه في المرأة، أراد أن يختزل الآخرين على النحو ذاته، ويجرهم غصبا إلى حياض معركة المرأة التي يخوض غمارها مسلحا بجماهير عريضة انطلقت في الأساس من عاداتها وتقاليدها القبلية.

ولأن معركة المرأة الصحوية طويلة وملحة فقد انجرَّتْ تيارات الانفتاح، إلى هذه المعركة في اتجاهين: الاتجاه الأول تمثل في محاولة حماية المرأة من (مدافن) التشدد، بينما تمثل الاتجاه الآخر في دفاع هذه التيارات عن نفسها من تهمة الغرق في ملذات الجنس وتوابعها التي أمعن الصحويون في كل خطاباتهم وأدبياتهم في تأكيدها، مرة كتهمة، ومرة كجريمة ترتكبها هذه التيارات.

ووصل الحال، في حمى معركة الجسد الأنثوي، إلى تفرغ الصحويين لاختراع عناوين كبرى جديدة مدارها (جسد المرأة) المصان وَهْما من حماة الفضيلة وهم الصحويون وأتباعهم، والمهان توهما ممن يحاربون هذه الفضيلة وهم الليبراليون ومن لف لفهم. وكان من بين هذه العناوين الصحوية المتشددة العنوان الذي لعب على وتر الشرف الذي يعتبر تاريخيا من القيم العليا لدى الإنسان العربي، فكان أن أوهموا أتباعهم وسربوا، بشيء من الترقب والتربص، أن شرف المرأة مرهون بلباسها. وأن لباسها هو الذي يغطيها بالكامل من رأسها إلى أخمص قدميها دون ظهور وجهها أو يديها أو رجليها. وبنيت على هذا الوهم آلاف الكتب والكتيبات وخطب المساجد وأشرطة الكاسيت ثم الفيديوهات على شبكة الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي استنزفت سنوات طويلة من عمر المجتمع الذي غيبته هذه (الأدبيات) الصحوية عن حقائق الخلاف بين علماء المسلمين فيما يظهر من جسد المرأة وما يستر، إلى الدرجة التي أصبح فيها نقاب وجه المرأة أشبه بعقيدة راسخة تكاد مخالفتها تكون مخالفة لفرض من فروض الإسلام.

ووصل الحال في الاشتغال بأستار المرأة ونقابها أن حاول البعض أن يخفوا أو يقللوا من أهمية فتوى أحد أئمة أهل السنة والحديث المعتبرين في زماننا، وهو الإمام والمحدث محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله، الذي أفتى في كتابه (جلباب المرأة المسلمة) بعدم وجوب تغطية وجه المرأة وكفيها. وقال في طبعة 2002 من الكتاب ما نصه: “أما بعد فهذه هي الطبعة الجديدة لكتابي “حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة”، وهي تختلف عن سابقاتها بزيادات هامة في جوانب عديدة أهمها تلك الزيادة في الأحاديث وآثار السلف الدالة على أن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة”.

وقال الألباني، بعد أن تعرض لآراء المتعصبين ضد فتواه، إنه كتب مبحثا سماه: “الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب، وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها وأوجب، ولم يقنع بقولهم إنه سنة ومستحب” وهذا يعني أن الشيخ الألباني، وليس أحدا من الليبراليين، اكتشف قدر التعصب والغلو في مسألة تغطية المرأة بالكامل. وأفرد لذلك بحثا تجاوز، كما قال، مائة صفحة. ويبدو أنه كان غاضبا حين وضع عنوان هذا البحث من الذين تصدوا لفتواه أو قللوا منها، حيث يتضح ذلك من كلمات مثل”الرد المفحم” و”من خالف” و”تشدد وتعصب”.

وهذا يؤكد، من جهة، أن المرأة فعلا تحولت، بفعل خطاب الصحوة المتشدد، إلى أزمة في كل ما يتعلق بحياتها وعلاقتها بالرجل في المجتمع المسلم المعاصر. ويعني، من جهة أخرى، أن حرب الأفكار حول ماهية وجودها في حياة هذا الرجل استهلكت حياته وقضت، على أدواره الاجتماعية والتنموية الأخرى، التي أجلت لحساب هذا الانشغال المتعاظم بمسألة كان يفترض أن تكون ثانوية، لو استوعب المتشددون السعة التي أوجدها خلاف العلماء السابق والحاضر حولها.

وقد أدى مأزق التشدد هذا إلى حالة من الإسراف في تعطيل قدرات المرأة وتهميشها، بل وأحيانا تشويهها بالاتهامات المرسلة التي تنال منها ومن أسرتها، فيما لو لم تلتزم بما وضعه خطاب الصحوة من قواعد وتشريعات وآراء (متعصبة) للباسها وحجابها. وبات على كل إمرأة، وعلى كل رجل له علاقة بهذه المرأة، أن يحذروا سخط الصحويين المتشددين الذين يرسلونهم، مرة بجرة قلم ومرة بجرة لسان، إلى مغبات التفسخ والانحلال والدياثة.

وهذا ما عنيته حين بحثت عن تفسير لهذه الحرب الكبرى على المرأة من هذا الخطاب، وما إذا كان فعلا ينطلق من منطلقات دينية، أم أن وراء الأكمة أزمات نفسية وذهنية لابد من التنبه لها؟ وكان مصطلح “الفكر المنوي” هو الأبلغ في التعبير عن هذا الفكر الذي لا يرى في المرأة غير جسدها، مستبعدا بالكلية الاعتراف بعقلها وذكائها وتعليمها وتميزها في كثير من مرافق الحياة، قيادة وشغلا.


كاتب سعودي

8