صدمة وذهول

الثلاثاء 2017/04/04

الناس يتمنون لو يصبحون مسؤولين كبارا تؤخذ تصريحاتهم على الهواء في الشوارع والاستوديوهات. وهناك ألف ممن يتمنى أن يدس الصحافيون ميكروفونا تحت أنفه ويطلبون منه تصريحا وفي الغالب تعقيبا على عمل إرهابي.

حصل هنا في لندن منذ أسبوعين اعتداء إرهابي وتوالت التصريحات وتناوب أصحاب الحل والعقد الظهور في التلفزيون يشتمون داعش ويرمونه بكل شر، وهذا عادي ومقبول طبعا. لكن الذي لا أراه طبيعيا هو أن المسؤولين يعبرون عن صدمتهم أيضا بما فعله إرهابيو داعش.

إذا كنت تؤمن، وأنت محق، بأن داعش إرهابي، ينبغي ألا تكون مصدوما إذا ارتكب فعلا شنيعا وقتل أبرياء. هذه الفظاعات من صلب عمله وهي منصوص عليها في عقد توظفيه بل وينص عليها إعلان الوظيفة الشاغرة، أتصور الإعلان يقول: مطلوب للعمل فورا وبراتب مجز إرهابي يذبح الناس ويدهسهم ولا يحتاج أن يكون ذا خبرة.

ولأن الإرهاب صناعة موت فالإرهابيون يقتلون ويموتون كثيرا فتنشأ شواغر دائما. قوى الأمن في العالم كلها تريد قتلهم ودورات التعيين سريعة، تتعين إرهابيا وما إن تبدأ مهام عملك الجديد حتى تموت بعدها بأيام والتجنيد مستمر.

أذكر مرة أيام “المتاعب” في أيرلندا الشمالية أن الإرهابيين ضربوا قنبلة حطت في روضة أطفال تقع قرب مركز شرطة. وجرح من جرح من الأطفال الصغار وخرج مدير شرطة أيرلندا الشمالية غاضبا حانقا وقال “هذا تصرف غير مسؤول من قبل الإرهابيين”. العبارة قمة في سوء التعبير وخيبة اختيار الكلمات والصفات. كان كمن يقول إن هذا الإرهابي حقير لا يفرش أسنانه قبل النوم.

الغاية من الكلام أعلاه هو أن الإرهاب شيء مريع جدا وليس بعده ذنب. لا يمكن أن تصف مرتكب عملية جسر ويستمنستر والبرلمان بالإرهابي ثم تضيف أنه دهس الناس دون رخصة قيادة سيارة. لفظ إرهابي بشع ويحمل الكثير من الشرور بذاته ولا يحتاج إلى متعلقات جانبية لتجعله فعلا شريرا حقا.

تقول عن أحد إنه إرهابي فما الداعي إلى الصدمات. الإرهابي قادر، بالتعريف، على الإتيان بأي فعل شائن وإجرامي فما معنى الصدمة هنا؟

المسؤولون يعيشون مصدومين وفي حالة ذهول دائما، الإرهابيون يفجرون قطارا فيظهرون معبرين عن صدمة. أنا لو أصبحت مسؤولا كبيرا ستصيبني الصدمة من الإرهابيين ولكن حين يقومون بشيء صادم حقا. تصوروا لو أن داعش أفلح في استيلاد فصيلة جديدة من الورود. هذه صدمة. ولو أن مجاهدي طالبان توجهوا بكل إخلاص إلى إنتاج بودرة لما بعد الاستحمام لكنت مصدوما.

24