صديقي قتل ليلتي

السبت 2016/10/15

البارحةَ سهرتُ صحبة صديقٍ طيّبٍ في حانة. كان كريماً جداً ودفع ثمن الشراب وتوابعه. أهديته نسخة من كتابي الأخير، فرفض أخذها إلّا بعد أن دسَّ بجيبي سعر الكتاب مضاعفاً خمس مرات.

صديقي الجميل كان ارتكب سلة أغلاط مميتة على جسد المائدة السكرانة بحديث الذكريات ووحشة الفراق. حدثني بجزعٍ مبين عن صداع عسر الهضم، وعملية البواسير خاصّته. كتب على ورقة صغيرة اسم الدواء العجيب الذي يشفط البلغم من الرئتين. زرع إصبعه السبّابة بخشمه ثلاثة آلاف مرة ومرة.

صاحبي المسالم الحلو لعّبَ نفسي وحطّمَ ليلتي. بخاصرة السهرة، صرتُ على يقينٍ قوي بأنني أتعرّض إلى عملية تعذيب ممنهجة.

المملحة القائمة على الطاولة، كانت على شكل رأس إنسان. أنا لم أنتبه للأمر، لكنَّ سهيري كان حملها وقرّبها من وجهي، وطلب منّي أن أتخيّل رأساً مقطوعاً يمطر على صحن الزلاطة الكبير. سألني عن الأكلة التي أشتهيها على أوشال الكأس الأخيرة. أبديتُ رغبةً في صحن كباب أو تشريب كوارع باجة.

استثمر جليسي هذه الشهية وحدثني عن ديدان قد تنمو برأس الخروف، وفوائض لحم وجلافيط وكرشات قد تُفرم مع خلطة الكباب المريب. سألته عن حلٍّ صحي يُسكتُ نداء المعدة الشريف، فاقترحَ مواعين فلافل وفول وحمص بطحينة، ثم استدرك وفاضَ بأنَّ علينا أن نكون حذرين من أيّ شعرة منتوفة من جسم النادل، قد تضيع تحت زيت الماعون وتتبيلته اللذيذة.

كان يتثاءب بقوة فيخرج من فمهِ الضخم، صوتٌ يشبه صوت أمّ مفجوعة بفقد وليدها الوحيد.

لا قليل صلة بين سميري والكتابة، لكنه كان رشَّ مساء المائدة بمئة قصيدة افتراضية. توسّلني عن رأيي في ما قرأ، قلت هي خواطر ابتدائية قد تنمو تالياً إلى شيء قريبٍ من جرف الشعر. لم تُعجبهُ إجابتي المهذبة، فواصل قصفي بسلة جديدة من نكات سخيفات باهتات تقلبُ معدة الجائع على البطانة.

صديقي الذي كتبت عنه أنه طيب ومسالم، لم ينسَ أن يقصَّ عليَّ تفاصيل مروّعة عن عملية شدّ المعدة خاصته. لم يبق تحت يميني من سواتر الدفاع المقدّس سوى كرع الكأس تلو الأخرى، كي تتغبّش وتتضبب حكاياته المقززة. قبل النهاية بالبعض من كأس عرقٍ سمينةٍ، طلبتُ منه أن يحذف مسألة العشاء من أثاث المائدة.

فرحَ وتورّد وجهُهُ وقام على حيلِهِ. في تلك اللحظة الفاصلة، عطسَ صاحبي الودود بوجهي، مثل ثورٍ جبار يودّعُ النظارة برفسةٍ أخيرة.

24