صراعات الشرق الأوسط تضع التعليم تحت خط النار

يعتبر التعليم أحد أبرز القطاعات الحساسة التي تتأثر بالصراعات الداخلية والحروب الأهلية، خاصّة أنّ تداعيات انقطاع الأطفال والشباب عن الدراسة بسبب الصراع غالبا ما تكون كارثية وتظل سارية المفعول على مدى عقود لاحقة، ممّا يجعلها تؤثر بشكل مباشر في عمليات نمو الدول والمجتمعات. وفي ظل هذه الأهمية القصوى وجب على المعنيين بمستقبل الأجيال الناشئة أن يكثفوا جهودهم لإيجاد حل سريع وناجع لهذه المعضلة الحقيقية التي تنضاف إلى سجل مآسي الحرب التي تعانيها العديد من البلدان العربية التي تشهد صراعات، وفق دراسة صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة.
الاثنين 2015/10/05
المدارس والمعاهد أضحت ثكنات عسكرية والبنادق فيها عوضت الأقلام

دمشق- حلت بداية العام الدراسي في عدد كبير من الدول العربية في خضم سياقات داخلية صراعية غير مواتية؛ حيث أدت الصراعات الداخلية الممتدة لانهيار تامٍّ في كافة أركان العملية التعليمية بعددٍ من الدول العربية، بالتوازي مع ضغوط متزايدة على الخدمات التعليمية في دول الجوار نتيجة تصاعد موجات اللجوء لهذه الدول، إذ ترتب على اتساع نطاق الحروب الأهلية في كلّ من اليمن والعراق وسوريا وليبيا وجنوب السودان والصومال تدمير المنشآت التعليمية، وهجرة الملايين من اللاجئين إلى بؤر الصراعات، وتسرب عدد كبير من الأطفال من التعليم، فضلا عن تصاعد استهداف المعلمين والقائمين على المؤسسات التعليمية، واستنزاف الموارد المالية المحدودة المخصصة للتعليم.

وقد تصاعدت حدةُ تداعيات الصراعات الداخلية على استقرار وانتظام التعليم في دول عربية متعددة، لا سيما في ظل تصدع مؤسسات الدولة المسؤولة عن تقديم الخدمات التعليمية، وارتفاع معدلات انقطاع الأطفال عن الدراسة مع انخراطهم في الصراعات الداخلية، أو نزوحهم إلى دول الجوار مع عائلاتهم، وعدم قدرتهم على الحصول على الخدمات التعليمية في مخيمات اللاجئين.

وقد أكد تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة في 3 سبتمبر 2015 بعنوان “التعليم تحت النار” أن الصراعات الداخلية في منطقة الشرق الأوسط منعت ما لا يقل عن 13.4 مليون طفل من تلقي التعليم في المدارس في كلٍّ من سوريا والعراق واليمن وليبيا وجنوب السودان بما يعادل نسبة 40 بالمئة من إجمالي عدد الأطفال في سن الدراسة في هذه الدول. وتتفاوت معدلات الانقطاع عن التعليم من دولة إلى أخرى، حيث تصل إلى 3.1 ملايين طفل في السودان، و3 ملايين طفل في العراق، و2.9 مليون طفل في اليمن، و2.7 مليون طفل في سوريا ومناطق تمركز اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان وتركيا ومصر، و2 مليون طفل في ليبيا.

مدارس التطرف

8850 منشأة تعليمية في سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان تم تدميرها

لا تقتصر تداعيات تردي أوضاع التعليم في دول الصراعات الداخلية في المنطقة العربية على المعاناة الإنسانية للمدنيين، وإنما تتضمن تهديدات مباشرة بإطالة أمد الصراع إلى ما لا نهاية، وإعاقة عمليات التسوية وإعادة الأعمار، حيث يتم استقطاب الأطفال المنقطعين عن التعليم من جانب التنظيمات الإرهابية التي تقوم بتدريبهم على استخدام الأسلحة أو تنفيذ عمليات انتحارية، ويُستدل على ذلك بمقاطع الفيديو التي نشرها تنظيم داعش في العراق وسوريا لأطفال يقومون بتنفيذ عمليات إعدام بحق عناصر من معارضي التنظيم، فضلا عن العملية الانتحارية التي قامت بتنفيذها طفلة تنتمي لتنظيم “بوكوحرام”، والتي أدت إلى مقتل 15 شخصًا، والهجوم الانتحاري الذي نفذه طفل سوري في منطقة سامراء بالعراق في يناير 2015.

ولا يقتصر تجنيدُ الأطفال على التنظيمات الإرهابية، حيث تعتمد الميليشيات الشيعية المسلحة في العراق على الأطفال في العمليات العسكرية، وعادةً ما يكون المقابل المادي الدافع الأكثر فاعلية في استقطاب الأطفال لصفوفهم، وهو ما يتجلى في مشاركة الأطفال ضمن ميليشيات “الحشد الشعبي” في العراق وميليشيات “الحوثيين” في اليمن. ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في مايو 2015 فإن الأطفال يُشكلون حوالي ثلث عدد قوات “الحوثيين” التي تضم 26 ألف مقاتل.

أما الجانب الأكثر خطورةً لانهيار التعليم في بؤر الصراعات الداخلية فيتمثل في قيام التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة بإنشاء مؤسسات تعليمية بديلة تقوم بتدريس الفكر التكفيري المتطرف للأطفال، على غرار “جبهة النصرة” التي أسست “معسكر أشبال الأقصى لإعداد المجاهدين” الذي يستهدف إعداد كوادر تعتنق فكر تنظيم القاعدة بين الأطفال، وهو ما يمثل محاكاة لتجربة “مدارس الجهاد” التي أسسها تنظيم داعش في المناطق التي يسيطر عليها في سوريا والعراق بهدف نشر أفكار التنظيم بين الأطفال، وانتقاء كوادر من بينهم يتم ضمهم للتنظيم للقيام بعمليات عسكرية.

ويتجاوز عدد معسكرات تدريب الأطفال على القتال في سوريا والعراق حوالي 14 معسكرًا تدربها تنظيمات متعددة، مثل تنظيم داعش وجبهة النصرة و”لحزب الإسلامي التركستاني وقوات الحشد الشعبي الشيعية. وتقوم هذه المعسكرات بالدمج بين التعليم العقائدي المكثف، والتدريب العسكري المتواصل، بهدف إعداد جيل جديد من الكوادر المسلحة.

الأطفال يُشكلون حوالي ثلث عدد القوات الموالية لجماعة الحوثي في اليمن والتي تضم حوالي 26 ألف مقاتل

أما التعليمُ المدني في بؤر الصراعات المسلحة فلم يسلم من هيمنة أطراف الصراع، حيث أسس تنظيم داعش ديوان التعليم بهدف إدارة العملية التعليمية في المناطق الخاضعة لسيطرته في سوريا والعراق، حيث تم تغيير المقررات الدراسية بكافة المدارس لتصبح متوافقة مع فكر التنظيم المتشدد، وتمت إضافة مقررات “شرعية” بكافة المراحل الدراسية مع حذف مقررات التاريخ والفلسفة، وتم تأسيس مدارس للتعليم باللغة الإنكليزية لأطفال مقاتليه غير الناطقين باللغة العربية في سوريا والعراق، وتم استقطاب مدرسين بدوام كامل أو جزئي لهذه المدارس، أما في المناطق الكردية في سوريا فتم تغيير لغة التعليم الرسمية في المدارس إلى اللغة الكردية، مع إلغاء كافة المقررات المتعلقة باللغة العربية، وهو ما دفع نظام الأسد، في 23 سبتمبر 2015، لسحب المدرسين من المناطق الكردية، مثل مدينة قامشلي بمحافظة الحسكة، والامتناع عن سداد رواتب المدرسين بهذه المدارس.

مبادرات ضعيفة

دفع تردي الأوضاع التعليمية في بؤر الصراعات الداخلية بالمنطقة العربية لتكثيف جهود الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية لملء الفراغ الناجم عن انهيار المؤسسات التعليمية. وفي هذا الإطار تمثلت أهم مبادرات التعليم في بؤر الصراعات الداخلية فيما يلي:

*أولا مدارس المخيمات، حيث أدى انقطاع الأطفال اللاجئين عن التعليم إلى قيام بعض المؤسسات الخيرية بإنشاء مدارس للاجئين في المخيمات شبيهة بالكتاتيب الدينية، حيث تتكون من خيمة في مناطق تمركز اللاجئين، وتُركز على تدريس القرآن الكريم واللغة العربية والرياضيات، وهي لا تتبع أي جهة رسمية في دولة اللجوء، وإنما في الأغلب تأتي بمبادرة من أئمة المساجد أو الجمعيات الخيرية ممن تأتمنهم إدارة المخيمات والجهات الأمنية على تعليم النشء. ونتيجة اعتمادها على التطوع والعمل الخيري وكونها لا تتطلب انتقال أطفال اللاجئين إلى داخل الدولة فإن هذه المدارس تُعد الأكثر قبولا في مخيمات اللاجئين في لبنان والأردن وتركيا.

*ثانيا مبادرة جيل غير ضائع، وقد تم إطلاق هذه المبادرة بدعم من الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الإنسانية غير الحكومية والمانحين الدوليين، وتستهدف حماية الأطفال من تداعيات الصراعات الداخلية، حيث تمكنت هذه المبادرة من تأسيس 600 مدرسة مفتوحة في سوريا تسمح للمنتسبين إليها بتعويض المقررات الدراسية التي لم يدرسوها خلال سنوات الصراع، كما ساهمت المبادرة في مضاعفة عدد الأطفال السوريين المسجلين في التعليم الرسمي وغير الرسمي، وأثمرت جهود المؤسسات المنخرطة في المبادرة عن تعليم ما لا يقل عن 413 ألف طفل سوري ولبناني من الفقراء خلال العام الفائت.

على الرغم من التوسع في مبادرات تعليم الأطفال المتضررين من الصراعات الداخلية، فإن هذه المبادرات تتسم بمحدودية النطاق، وافتقادها القدرة على استيعاب الأطفال المتضررين من تلك الحروب

*ثالثا حملات العودة للتعليم، حيث قامت منظمة اليونيسيف برعاية مجموعة حملات بعنوان “العودة للتعليم” في عدد من الدول العربية، وتقوم هذه الحملات على إنشاء مراكز للتعليم البديل وإصلاح المؤسسات التعليمية المتضررة من الصراعات الداخلية.

*رابعا إعادة الإعمار، حيث تولّت بعض المؤسسات الخيرية في الدول العربية بناء مدارس جديدة في بؤر الصراعات الداخلية التي تمت تسويتها في إطار عمليات إعادة الأعمار.

لكن وعلى الرغم من التوسع في مبادرات تعليم الأطفال المتضررين من الصراعات الداخلية، فإن هذه المبادرات تتسم بمحدودية النطاق، وافتقادها القدرة على استيعاب الأطفال المتضررين من تلك الحروب، فضلا عن ضعف التمويل لهذه المبادرات، وهو ما يتجلّى في إخفاق مؤسّسات الإغاثة الدولية في تأمين 200 مليون دولار العام الماضي لتمويل خدمات التعليم لأطفال اللاجئين في سوريا ولبنان والأردن على الرغم من تعهد كل من الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة بتقديم حوالي 316 مليون دولار لدعم أطفال سوريا المتضررين من الصراع الأهلي.

خلاصة القول أضحى من الثابت أنّ تردي الأوضاع التعليمية في مناطق الصراعات الداخلية أضحى يؤدي إلى إطالة أمد الصراعات نتيجة توظيف الأطفال من جانب أطراف الصراع، وهيمنة الفرقاء المتصارعين وحلفائهم الإقليميين على عمليات التنشئة والتعليم كبدائل للدولة، مما يساهم في تكريس قيم التطرف والتكفير والصراع والعنف وعدم تقبل الآخر لدى الأجيال الصاعدة، وتعزيز توجهات الانفصال والانتماءات والولاءات الأولية الإثنية والطائفية والعرقية، مما يجعل الصراعات الأهلية غير قابلة للتسوية.

7