صراعات المنطقة المحتدمة: انهيار فكرة المقاتل الكردي النبيل الشجاع

بعد مرور حوالي قرن على فقدان الأكراد فرصة تكوين دولة مستقلة إثر تفكك الامبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وانتشارهم في عدة دول أصبح ذلك الحلم فجأة أقرب إلى الواقع يغذي آمال تحقيقه دعم الغرب لهم باعتباره حليفا رئيسا في الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية متغاضيا عن ممارساتهم ضدّ العرب في المناطق المستعادة من داعش وعن أزماتهم الداخلية التي تنذر بعودة الحرب الأهلية بينهم، وهي النتيجة التي خرج بها بول وود، الصحافي والمحلّل البريطاني إثر زيارة قام بها للمنطقة.
الخميس 2016/03/03
أنا وابن عمي على الغريب

لندن - سلاح على الكتف ووقفة على إحدى الصخرات الجبلية تزيد من صرامتها نظرة غامضة، تلك هي الصورة التقليدية التي يتم اسحضارها عند الحديث عن أسطورة المحارب الكردي، لكن بول وود، الصحافي والمحلّل في مجلة “دو سبكتاتور” يؤكّد أن هذه الصورة تغيّرت كثيرا وبانت حقيقة خرافة المقاتل الكردي الشجاع والنبيل منذ أن أصبح هذا المحارب جزءا من الصراع الدائر في سوريا والعراق، وتحوّل إلى حليف رئيسي للحكومات الغربية في حربها ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية.

وقد قام بول وود بزيارة إلى إقليم كردستان العراق، تحدّث عن تفاصيلها ضمن تقرير حمل عنوان “أسطورة المقاتل الكردي المقدام”، جاء بمثابة تحذير إلى الحكومات الغربية التي ترى في الأكراد حليفا قويا لها ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية دون أن تعي مخاطر ما بعد الحرب، حيث يقول بوول وود في مطلع تقريره، “حلفاؤنا في سوريا والعراق يواجهون مشاكل داخلية ويمارسون التطهير العراقي في بلدانهم”، مشيرا إلى أن الأكراد استفادوا من تغطية حربهم ضدّ الجهاديين، لكن ذلك يؤدّي إلى مشاكل خطيرة يجري التغاضي عنها.

عن أسطورة المقاتل الكردي محارب الجبل المقدام، يتحدّث بول وود مشيرا إلى أنه خلال الحرب ضد داعش قبل عامين، والتي بدأت بشكل غير محكم، تراجع مقاتلو البيشمركة الذين يدّعون أنهم من الذين “يواجهون الموت”، العديد من المرات.

وينقل وود عن أحد المحللين قوله إن مجندي البيشمركة، تماما مثل المراهقين في أي مكان من العالم، تعاملهم مع السلاح أقرب إلى ممارسة لعبة “كول أوف ديوتي” (نداء الواجب) من استخدام السلاح الحقيقي. وقد اعترف أحد الدبلوماسيين الغربيين بأن المقاتلين الأكراد فرّوا من سنجار، وتركوا الإيزيديين يواجهون مصيرهم، وفي أبرز تحوّلات الحرب، بدا وكأنهم تخلّوا عن عاصمتهم أربيل؛ ولم يتمكنوا من الثبات إلا بعد أن قامت الولايات المتحدة بدعمهم عسكريا وتوجيه الضربات الجوية ضد داعش.

بعد الدعم الغربي، نجح الأكراد في دفع تنظيم داعش إلى التراجع من الأراضي التي يأملون في أن يقيموا عليها دولتهم المستقلة، لكنهم في المقابل بدأوا يمارسون سياسة تطهير عرقي ضدّ العرب الذين يعيشون هناك على اعتبار أنهم يشكّلون تهديدا لهذا الطموح. ويستشهد الصحافي بتقرير صدر عن منظمة العفو الدولية، الشهر الماضي، تضمن تذكيرا للحكومات الغربية، التي تدعم الأكراد، بأنها تتدخل لمساعدة طرف دون آخر.

واتهمت منظمة العفو الدولية القوات الكردية بأنها “دمرت قرى بأكملها” في مناطق استعادتها من قبضة داعش في شمال العراق، وهو أمر تقول إنه يرقى إلى جرائم الحرب. ونقلت عن أحد السكان العرب “عندما استعادت قوات البيشمركة قريتنا كانت البيوت قائمة. في وقت لاحق قاموا بجرف القرية. ولم يبق شيء”. وتؤكد صور بالأقمار الصناعية، قبل معركة البيشمركة مع داعش وبعدها، كيف تم تدمير 95 في المئة من المباني.

على بريطانيا والحكومات الغربية الأخرى أن تبين أن حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب مختلفان

وينقل بول وود عن أحد الجنرالات الأكراد قوله إن 90 في المئة من تلك المناطق هم من العرب، وأغلبهم يتعاطف مع داعش، ويعلّق على ذلك قائلا “ربما كان على حق، لكن ذلك لا يمنحه أي مبرر لارتكاب الجرائم، ويعطي الأكراد الحق في تلك الشعارات المنتشرة على الجدران وعليها عبارة ‘الأكراد فقط، العرب يرحلون\'”.

وكان رئيس كردستان العراق مسعود البارزاني انتهز الفرصة التي أتاحتها الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، واعدا بالمضي قدما في إجراء استفتاء حول استقلال كردستان، ويرى بول وود أن في هذه الخطوة محاولة من البارزاني لصرف انتباه الناس عن البؤس الاقتصادي، والمناورة لكسب الأكراد في صفه بإحياء رغبة قديمة وعميقة في إقامة دولتهم المستقلة. ويثير هذا القرار حفيظة الحكومات الغربية التي تأمل ألا يكون البارزاني جادا في تصريحاته.

خلافات الداخل

النقطة الأخرى التي يتحدّث عنها بول وود في تقريره، ويحذّر من خلالها من مغبّة الدعم الغربي “الأعمى” للأكراد تتعلّق بالخلافات الداخلية وانقسام البيشمركة إلى قوتين مختلفتين، واحدة موالية للحزب الديمقراطي الكردستاني والثانية تتبع الاتحاد الوطني الكردستاني، وهما الحزبان الكرديان الرئيسيان، وقد حارب بعضهما بعضا في فترة التسعينات، التي تصفها ممثلة الأكراد في واشنطن، بيان سامي عبدالرحمن، بأنها من “أحلك الفترات في تاريخ كردستان العراق وأكثرها خزيا”.

غاريث ستانسفيلد: لست مقتنعا على الإطلاق بأن الحرب الأهلية بين الأكراد قد انتهت

ورغم ما يبدو من هدوء ظاهر بين الحزبين إلا أن ذلك لا يعني أن الأمن مستتب بينهما، حيث يقول الباحث البريطاني غاريث ستانسفيلد “لست مقتنعا على الإطلاق بأن الحرب الأهلية بين الأكراد قد انتهت. هذا لا يعني أنهم على وشك وقف القتال ضد داعش والبدء في التقاتل في ما بينهم. ولكن هم فقط ابتعدوا خطوة عن العودة إلى طريقتهم القديمة. الجميع يعرف من هو الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وهذه مشكلة كبيرة جدا”.

وتم خرق الاتفاق الهش بين القوتين الكرديتين في الخريف الماضي عندما قرر الرئيس مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني البقاء في منصبه، على الرغم من انتهاء ولايته الثانية.

وكان هذا الأمر حافزا لخروج مظاهرات في شوراع كردستان العراق، انطلقت كاحتجاجات سياسية لكنها تحوّلت إلى مظاهرات شعبية ضدّ تراجع الأجور والاقتصاد الهشّ بسبب تراجع سعر النفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي للدخل كما أن الحكومة المركزية في بغداد توقفت عن تحويل الأموال إلى الأكراد. ومنذ شهور لم يتم دفع أجور العاملين في الحكومة، بما في ذلك القوات المسلحة.

وينتقد بول وود ازدواجية الساسة الأكراد من خلال استحضار موقف حصل خلال إحدى حفلات العشاء التي أقامها مسؤول كردي، حيث يقول نقلا عن أحد الزوار الأجانب الذين كانوا حاضرين أنه شاهد عدة زجاجات من خمر رفيع يتراوح سعر الزجاجة الواحدة منه بين 200 و1200 جنيه إسترليني.

وأفاد شاهد العيان أن أحد الوزراء الأكراد قال له وهما يحتسيان ذلك الخمر الفاخر “إننا لا نملك المال الكافي لندفعه للبيشمركة”. ويعّلق وود على ذلك قائلا “يتطرق الدبلوماسيون بدقة إلى قضايا الشفافية، في حين أن مأدبة العشاء هذه، والتي ضمّت أعضاء من الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، هي نوع من الفساد المستشري في الطبقة السياسية برمتها، والذي سيقود، كما قال ستانسفيلد، إلى ‘الربيع الكردي فيما بعد\'”.

الأكراد يعملون على استغلال المعركة ضد داعش لصالحهم، وكل ما يمكن للحكومات الغربية القيام به هو أن تغض الطرف

أزمة سوريا أعمق

تعتبر أزمة أكراد العراق بسيطة مقارنة بسوريا، وفق بول وود، الذي يشير إلى أن الميليشيات الكردية السورية، التي تسمى وحدات حماية الشعب، هي القوات البرية الأكثر فعالية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن وحدات حماية الشعب متحالفة ضمنيا مع نظام الأسد. وهذه الوحدات تحقّق تقدما ليس ضد داعش فقط ولكن ضد جماعات المعارضة المسلّحة أيضا، بما في ذلك الوحدات التي قام بتسليحها الأميركان، بما يجعل الولايات المتحدة متورطة في حرب بالوكالة ضد نفسها في سوريا.

من جانبها قد لا تكون وحدات حماية الشعب حريصة جدا على استقلال الأكراد في العراق، نظرا للخلاف التاريخي بين أكراد سوريا والحزب الديمقراطي الكردستاني، وهم متحالفون مع حزب الاتحاد الوطني المنافس له. وتشعر وحدات حماية الشعب بالقلق من تركيا أكثر من العراق، وهذا ليس مستغربا لأن هذه الوحدات، قريبة من حزب العمال الكردستاني.

وبما أن حزب العمال محظور دوليا، ومصنّف على أنه منظمة إرهابية، ينبغي أن تبيّن بريطانيا والحكومات الغربية الأخرى أن الاثنين؛ حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، مختلفان، و”هذا ضرب من الخيال”، حسب بول وود، الذي ينهي تقريره قائلا إن الأكراد يعملون على استغلال المعركة ضد تنظيم داعش لصالحهم، وكل ما يمكن للحكومات الغربية القيام به، هو أن تغض الطرف في هذا الوقت بسبب تلك الحرب.

6