صراعات فردية تنخر الثقافة المصرية

السبت 2016/09/17

يتعين علينا أن نعترف بواقعنا الثقافي المصري، وأن نقرأ المشهد العام قراءة كاشفة وصريحة، دون مواربة أو مشاحنات حتى يتعين لنا أن نضع أيدينا على نقاط القوة والضعف، وأن ندفع نحو واقع أكثر قربًا من المأمول والذي يطمح إليه كل مثقف في أن يتشرف بالانتماء إليه وإلى واقعه، مادمنا نعترف بأن الثقافة المصرية أحد محددات هويتنا التاريخية والحضارية على مرّ عصورنا.

تبدو كلمة “مربك” وصفًا قريبًا من وضعنا العام ومشهدنا الثقافي الآني في مصر، إذ عانى الجسد الثقافي على مر عقود خلت من ممارسات جعلت منه موضع ممارسة واستغلال، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لما بدا قريب الشبه بالعبث أو اللاوعي لقيمة الروح المصرية وثقافتها التي تمثل أحد أهم مقومات قوة الدولة الناعمة، وهنا موضع الأزمة، إذ ربما تمت إدارة الوضع بمحسوبية ما أو دون كفاءة تامة، فضلا عن محدودية الخيال، في حين أن الأولَى تقديم الكفاءات وأصحاب الخيال لضمان التغيير المطلوب في جسد الثقافة المصرية، والإنعاش المرجو لروحها الناعمة، بما يضمن الاضطلاع بحملها الوطني بشكل يقترب من الوعي التام.

لعل أسوأ ما نعانيه في واقعنا الثقافي المصري، هو تشكل ما أسميه “الجيوب الثقافية” -وهو ما اصطلحته في بحثي عن بيئة المبدعين وصراعات الهامش والمركز-، وتلك الجيوب منشأ الكثير من صراعات الهامش والمركز الثقافي، بل وإليها يعزى الكثير من حال واقعنا الثقافي. وهي جيوب صارت تعمل في غالبها باعتبارات أساسها غير ثقافي، وإنما هي اعتبارات اجتماعية وإنسانية، مما شكلّ هذا الارتباك والإرباك داخل المؤسسة الرسمية وغير الرسمية، وبذلك تحول الهمّ الثقافي العام إلى مجال لتصفية حسابات شخصية وفكرية، ولا يخفى على الكثير ما يعانيه الواقع من تلك الصراعات على المستوى المؤسساتي العام الحكومي أو الخاص غير الرسمي، بل بين قطاعات المؤسسة الواحدة وقواعد إدارتها، لتتحول الهموم الشخصية والصراعات الأيديولوجية والقناعات الفردية إلى صراعات تأخذ الطابع المؤسساتي أو الرسمي، وهو ما زاد الوضع تردّيا على ما هو عليه من تردٍ، ولا تخفى صراعات البعض من الرموز مع رأس السلطة الثقافية رغم عملهم ضمن سفينة واحدة، وكذلك تحيزات البعض ضد البعض الآخر، داخل الحقل الواحد، والتنابذات على صفحات الجرائد والفضائيات، وهو ما أضرّ بواقعنا، فأدى ذاك الانشغال بتلك الصراعات إلى تسرب مفتتات لجسد وروح الواقع الثقافي المصري.

نأخذ مثالين عن ذلك؛ صراع يوسف زيدان مع مكتبة الإسكندرية، والذي أخذ أبعادًا أخرى بعيدة عن الثقافة والأدب والفن، وكذلك صراع مجاهد مع النبوي في الحكومة السابقة، وهما مثالان لمعارك قسمت الواقع وشغلته عن قضيته الأولى ودوره الأهم حول ترسيخ مفاهيم الاختلاف والحوار لا الخلاف والقطيعة إلى حد نفي الآخر، وكذلك بعض الانقسامات حول “أزمة أتليه الإسكندرية”، والتي جاءت فيها بعض القراءات معتمدة على حسابات شخصية، وبديلاً عن أن تجمع الأزمة المثقفين، راحوا ينقسمون ويزايدون.

تعاني الثقافة المصرية وستستمر معاناتها تلك مادامت تُدار معاركها وتوجه إلى الداخل لا الخارج، إذ يسقط ضحاياها من أركان المشهد الثقافي الداخلي، لتضعف بنيته أكثر مما هو عليه، ويُضاف إلى ذلك ما يمكن أن تنتجه تلك المعارك من هجرات لأقلام وعقول مثقفة كان يمكن استثمارها أو احتواؤها ضمن المشهد، والإفادة من خبراتها بديلا عن الانشغال بتلك الصراعات الدائرة.

وهنا لا ننكر الواقع الاقتصادي والمادي لهؤلاء وكيف يزيد من فرص الهجرة والخروج من كل هذا التآكل الذي نخر الجسد الثقافي المصري وروحه، دون الالتفات إلى ما عليه أو ما اكتسبته تلك العقول من خبرات ثقافية يمكن أن تدعم قوة الدولة الناعمة وأن تؤازر الهوية المصرية الثقافية في الإعلان عن نفسها بقوة ورسوخ يصير معه احترام العالم من حولنا لا تشرذمه حول مصر وواقعها بشكل عام.

ربما تعين على كل الواقعين تحت عباءة الثقافة المصرية محاولة الخلاص من حالة الاستقطاب التي تعانيها مصر ما بعد ثورة يناير، وأن تتجرد من صراعاتها الفردية البسيطة، وأن يزيد وعيها بكونها شريحة تمثل ضمير أمة بأسرها، وعليها أن تدير صراعها وحربها ضد الهجمة الشرسة لمحاولات التشويه لتلك الأمة بشكل أكثر شفافية وتجرد وبعيدًا عن تصفية الحسابات الشخصية والمحسوبية وغيرها من المجاملات التي من شأنها أن تهدم الأمم لا أن تضعف واقعها الثقافي فقط.

روائي وباحث أدبي من مصر

16