صراع أديان أم تنفيذ استراتيجيات

الخميس 2015/02/19

أذكر ولن أنس حوارا دار في طرابلس ليبيا، بيني وبين الطبيب الحكيم سعيد تقدمير. كان ذلك في منتصف ستينات القرن الماضي، وبلداننا جديدة العهد بالاستقلال، تبحث عن أحسن السبل للارتقاء والتقدم. طال الحوار إلى أن عرّجنا على العلاج وطرقه، علاج الأمراض والمشاكل، فقال محدثي: تصوّر أنك في يوم ممطر، هطل فيه المطر بغزارة فإذا بالماء يقطر في المسكن. كيف تسرع لمجابهة الحدث؟ تجفف الماء أم تصلح السقف؟ قلت أصلح السقف طبعا ثم أجفف الماء.

ذكرت هذا الحديث لأني أستحضره كلما سمعت أو قرأت عن تدابير وخطوات تتخذ هنا وهناك، ضدّ ما أصبح يسمّى رسميا الإرهاب الإسلامي، وما إليه من ويلات ومصائب، سمِّها القاعدة أو داعش، أو ليبيا، أو العراق، أو سوريا، أو ما شئت من الأسماء، إذ كلها تؤدي إلى مفهوم واحد هو صراع الأديان، ليس هذا مجال التعرّض لما عرف العالم والإنسانية عبر تاريخها، من حروب دينية وويلاتها إذ هي معروفة لدى الخاص والعام، وكتبت عنها دراسات وتحاليل من كلّ صنف ووجهة نظر.

للتذكير أشير إلى ما هو قريب تاريخيا، فأذكر ما عرفته أوروبا في القرن السادس عشر باسم الإصلاح ونقيض الإصلاح، ثمّ حرب الثلاثين عاما (1618 – 1648) تلتها محاكم التفتيش، وما الحروب الصليبية بحملاتها التسع، سوى تجسيم فعليّ لتطاحن الأديان، حسب ما يعتقده الكثيرون.

إنّ ما يهمّنا من هذا اليوم، هو ما يجري حاليا بين ظهرانينا وحولنا، وما هي أسبابه وكيف تعالج، وتستبدل بما تنصّ عليه الأديان نفسها من سلم وتعايش وتفاهم وتعاضد بين الجميع لفائدة الجميع، دون تهميش أو نبذ أو تمييز. قد لا أخطئ في القول بأنّ هذه الأوضاع التي نراها ونقاسيها حاليا بدأت، على الأقل في شكلها الإرهابي الجديد، منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، فظهور حركات رجعية بأسماء متعدّدة مستترة بالإسلام، ومثيلاتها مستترة بالمسيحية الكاثوليكية، وخاصّة منها ذات الشكل البروتستانتي أبرزها ما يسمّى “نيوكونس” بالولايات المتحدة. كلّ هذا أثار من جديد الصراع الديني، خاصة بعد ما عبّر عنه سامويل هانتنغتون بصراع المدنيات. يبرز هنا سؤال يفرض نفسه وهو: هل هي الأديان حقا التي تتصارع؟ إنها ولا شك بريئة من كلّ ما ينسب إليها، لأنّ ما يؤتى باسمها يأتيه البشر بحيوانيتهم وجشعهم. نعم إن الدين عامل أساسي في الهوية الثقافية لكثير من الشعوب، لكنه رغم ذلك لا يدعو ولا يأمر بتهميش الآخرين، فتحدث المجابهة. فما الذي يدفع إلى التناحر والتقاتل إذن؟

غايات أخرى كثيرة، منها الاقتصادي والسياسي، مثل ما تأكد من دراسات أسباب الحروب التي دارت رحاها في القرن السادس عشر بأوروبا فكادت أن تقضي عليها. أمّا حاليا، فيكفي التبصّر في ما جرى بالبوسنة، وما يجري بأفغانستان والعراق وغيرهما.

إنني أعيش ببلد تعاشرت فيه الأديان قرونا، وتلاحمت فأعطت مدنية وتقدما ورفاهية بقيت، وستبقى، مثالا يذكر فيحمد وعسى أن يحتذى. أقول هذا لأنّ الصراع أو التطاحن الذي نشاهده لا يجري بين الأديان بل باسمها، وبالرّغم منها ومن تعاليمها، حتى أنه يمكن القول بأنها أول ضحية لهذا الصّراع. لا أدل على ذلك من وضع الإسلام. فهو منذ عقود، عرضة لكل التهم والتهجّمات الكلامية والفعلية العسكرية. قيل إن الإسلام لا ينسجم مع الديمقراطية، فطلعت علينا أقطار عديدة بنظم أثبتت عكس ما يُدّعى، ثمّ ها هي تونس تؤكد ذلك بنظامها الجديد. أما إذا التفتنا إلى الماضي وبحثناه بعين التبصّر والعقل والحقيقة، رأينا أن معظم البلدان ذات الأغلبية الإسلامية شملت دوما عديد الأديان، خاصة السماوية منها، دون عنصرية ولا تمييز. قد تنشأ أحيانا خلافات أو مشاجرات، طبعا لأن تلك هي سنّة الحياة، فحتى أفراد العائلة الواحدة غير ناجين من الخلاف والشجار.

إن المشكلة الرئيسية الأساسية في ما يجري هنا وهناك من تطاحن كلامي ومسلح، من قتال وإرهاب، من وحشية وشراسة و”قلة دين”، حسب التعبير الشعبي، لا تكمن في الأديان ولا هذه مُسبِّبتها، بل تكمن في الإنسان نفسه، في أنانيته وجشعه وطموحاته الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية، مضاف إليها كلها حبّه للهيمنة والتسلط والسيطرة. تحوّل هذا من الأفراد إلى الشعوب والدول، لتبدو الصورة الحالية واضحة جلية، تقول بصوت عال فصيح: الأديان لا تتصارع إنما هم البشر.

الإنسان معتدي ومعتدى عليه في كل ما نعيشه ونشاهده ونقاسيه، ولا سبيل إلى الخروج من الهوة إلا بالصّراحة وإعلان الحقيقة، واتّباع الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه. لذا معظم ما يصرّح به ويتخذ من تدابير للقضاء على هذه الأزمة البشرية، لا جدوى منه لأنه “تجفيف الماء لا إصلاح السقف”، حسب تعبير تقدميي سالف الذكر.

لنتوقف برهة ونتساءل أو نسأل أصحاب القرار: من أسّس وأنشأ كل هذه المجموعات المسلحة التي تريد فرض ما لا يُفرَض؟ أين ولماذا أنشئت؟ من موّلها ويموّلها؟ من درّب عناصرها وكوّنهم؟ أين تمّ ويتمّ ذلك التدريب؟ كيف يمكن أن يجري كلّ هذا ولا يطّلع عليه أحد، ولا تُعرف مواقعه، حسب دعوى المدّعين، بينما المخابرات البشرية والإلكترونية والأقمار الصناعية تعرف كلّ صغيرة وكبيرة، في عالم لم يعد فيه سرّ ولا خصوصية؟ من المستفيد ماديا ومعنويا من هذه الحروب المنحصرة داخل حدود معيّنة ومن العمليات الإرهابية المخطّطة زمانيا ومكانيا؟ كيف ولماذا يتعاون مدّعو التديّن والكفاح باسم الدين مع المهربين وتجار المخدّرات والأسلحة؟

إنّ بداية القضاء على هذا الوباء المعاصر، تكمن في الإجابة عن هذه الأسئلة، وكثيرة غيرها، ثمّ يأتي الشروع في عمليّة المقاومة والقضاء، على أسس صحيحة وبينات ثابتة، ومواقع وأشخاص محدّدين معروفين. هل بالإمكان هذا؟ نعم لكنه ليس بيدي ولا بيد أخرى غير أيدي أصحاب القرار. أمّا نحن فكلّ ما نستطيع قوله هو أن الأديان يمكن ويجب أن تتعايش وتتعاشر، والدليل أنها تعايشت وتتعايش في كثير الأقطار والبلدان. هل يجب التذكير بحضارة الأندلس ومثالها الراقي من التعايش والتسامح، في عصر كانت ميزته الهمجية والتعصّب وهيمنة القوي؟ هل يلزم التذكير بأين لجأ اليهود كلما تعرّضوا للمحن خاصة محنة طردهم وإخوانهم المسلمين من أسبانيا؟ ألم تأوهم أقطار إسلامية؟ هل يجب التذكير بأنّ الإسلام لا يتنافى والديمقراطية لأنه دين يوصي بالشورى واحترام حقوق الغير ولو كان من ملة أخرى، ويأمر بالعدل والإحسان ويحرّم القتل والاعتداء مثل الأديان الأخرى وأكثر، وأنه في كلّ ما يجري أحيانا باسمه هو الضحية الأولى؟ إن ما تواجهه الإنسانية في مستهل هذا القرن الجديد، من بشاعة ومجازر ملتحفة برداء الدين لإخفاء غايات أخرى، عرفنا بعضها وتكهنّا بعضا الآخر، وغاب عنّا الكثير منها ولعله الأساسي الأصلي وهو الدافع إلى هذه الويلات.

لذا ليس أمام من يبحث عن اقتلاع جذور هذا الوباء القاتل إلا ترك الأديان جانبا، والتركيز على منبته ومأتاه، لأن الأديان يمكن تلخيص مفاهيمها في هذا الصّدد ببعض الآيات القرآنية الكريمة مثل “لكم دينكم ولي دين” و”ربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا” و”لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون”.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9