صراع إعلامي سياسي على تشكيل الخارطة السياسية التونسية

السبت 2014/10/25
الوافي وبعض زملائه بدأوا في مهمة تشكيل الإعلام الذي يريده المرزوقي

تونس - الصحفيون والسياسيون كانوا أكبر المستفيدين من مناخ الحرية التي منحتها الثورة التونسية، لكن من المؤسف أن هذه الحرية خلفت تجاذبا مقيتا، خاصة وأن الإعلام يعتبر سلاحا استراتيجيا في تشكيل الخارطة السياسية.

يجمع التونسيون على أن لا شيء تحقق في تونس بعد الثورة أكثرمن حرية التعبير التي لطالما حرموا منها في العهد السابق، لكن هذه الحرية تحولت إلى فوضى حوّلت المشهد الإعلامي عموما إلى حلبة صراع لمن يدفع مالا أكثر أو يمتلك نفوذا أوسع.

ولا يخفى أن الإعلام في كل دول العالم يلعب دورا مهما ومحوريا في المسارات الانتخابية عموما، لكن رغم “الأشواط المهمة” التي قطعتها التجربة التونسية في العملية الديمقراطية إجمالا استعدادا لخوض غمار الانتخابات التشريعية غدا والانتخابات الرئاسية بعدها بشهر فقط، فإن المشهد الإعلامي لا يزال يزخر بما يناقض هذا التوجه، ومن ذلك أمثلة كثيرة.


إرادة سياسية ضد الإعلام


حذرت 13 جمعية حقوقية في بيان مشترك من خطورة تمادي بعض الإذاعات والتلفزات الخاصة بما وصفته بـ“التمرد على قانون الاتصال السمعي والبصري”.

ودعت إلى ضرورة التوقف حالا عن استخدام دقة هذه المرحلة الانتخابية كذريعة لانتهاك القانون في وقت يصبو فيه الشعب التونسي إلى إرساء دولة القانون والمؤسسات وتحتاج فيه البلاد إلى التزام الجميع بتطبيق القانون، حسب نص البيان.

واعتبرت أن الإبقاء على الوضع غير القانوني للمنشآت الإعلامية السمعية والبصرية (مؤسسات خاصة) الرافضة لقرارات الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (هايكا)، من شأنه الإضرار بسلامة المسار الانتخابي.

واتهمت المنشآت الإعلامية بعدم احترام القانون خلال انتخابات أكتوبر 2011 وانتهاك قواعد العمل الإعلامي وأخلاقياته منذ ثلاث سنوات من أجل الحصول على نصيب الأسد من الإشهار والمال السياسي.

ورأت أن هنالك إصرارا على إضعاف “الهايكا” أحدى أهم مؤسسات الدولة في مرحلة الانتقال الديمقراطي، معتبرة أن ذلك من شأنه أن يفتح باب الاخلالات والفوضى والتهديد لدولة القانون على مصراعيه.

يذكر أن منظمة الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو اعتبرتا (الهايكا) والقانون المحدث لها خطوة رائدة على طريق تعديل قطاع الإعلام وتحريره من هيمنة الأوساط السياسية والمالية، حسب نص البيان.

ولعل أكثر ما يبعث على القلق في بيان الجمعيات اعتبار أن من أهم أسباب تفشي هذه الممارسات هو “غياب الإرادة السياسية في التعامل مع ملف إصلاح الإعلام خلال السنوات الثلاث الأخيرة”، خاصة خلال حكم الترويكا. ويجمــع خبراء أن لا شيء دمر الإعلام في تونس طوال عقود سوى غياب الإرادة السياسية لإصلاحه وفق تشريعات واضحة.

سلوى الشرفي: أشفق على الصحفي من الإسهال الخطابي للمرزوقي ومن سطحيته

وقــد فوتت حكومة “الترويكــا” التي قادها الإسلاميون بعد أول انتخابــات ديمقراطية وحرة تشهدها تونس سنة 2011 وتعمدت نشر الفوضى في الإعلام تمهيدا لتركيعه وحشد الدعم الشعبي لذلك.

وإذا كان ذلك أمرا مفهوما من نظام بن علي الذي لم يكن يرى في الإعلام سوى أداة دعاية وتضليل، فإنه من المريب أن تتواصل بشكل من الأشكال عقلية من هذا القبيل بعد كل ما عرفته تونس من ثورة أطاحت بالاستبداد.

وبفضل عقلية الترويكا، كثر المتمعشون والمبتزون من الإعلاميين، وأصبحوا “أكثر من الهم على القلب يتبعون أحزابا شتى ودوائر شتى ومراكز مالية شتى، من بقايا النظام القديم ومن القادمين الجدد”، وفق الصحفي التونسي محمد كريشان.


ضربات تحت الحزام


يشهد المشهد الإعلامي محاولات سيطرة من طرف بعض رجال استعملوا الوسائل الإعلامية كحلبات صراع ومنابر لتصفية الحسابات الشخصية أو لتضليل الرأي العام والتشويش على العملية الانتخابية.

كما زادت حدة الممارسات غير الأخلاقية أو “الضرب تحت الحزام” وفي أحيان كثيرة من أطراف لم يكن لها أن تتواجد في الساحة الإعلامية أصلا لولا منُّ النظام السابق الذي انقلبت عليه عندما حان الوقت المناسب.

وتابع كثيرون معارك حامية الوطيس كان الإعلام طرفا فيها، خصوصا ما جد بين نبيل القروي، مدير قناة نسمة الفضائية، وسليم الرياحي، رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر والمترشح للانتخابات الرئاسية. صراعات تجاوزت كل حدود الأخلاق والمهنية لتصفية حسابات شخصية وسياسية، وقد اغتنم فيها أصحابها حضورهم عند الناس من خلال شاشات التلفزات (نسمة والحوار التونسي)، لتمرير أجندات أو لضرب خصوم سياسيين! فضلا عن مواقف حازمة وجازمة شبه غائبة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، التي اكتفت بلفت نظر قناة نسمة إلى ضرورة احترام المعطيات الشخصية للمترشحين.

وفي هذا السياق قال الصحفي زياد الهاني: “الصراع بين نبيل القروي وسليم الرياحي لا علاقة له بخدمة الرأي العام وتنويره، وقد كشف حقيقة من غالط الشعب بوعود أثبتت الأيام عدم صحتها” مثلما ادعى الأول (نبيل القروي)، أو “بمحاولات بائسة لإقصاء الثاني من المشهد السياسي لأن حزبه أصبح يتقلد مراتب متقدمة جدا في عمليات سبر الآراء وهو ما لم يرق لبعض الأحزاب التي تقود قناة نسمة”، مثلما زعم سليم الرياحي!!. مضيفا، “هناك عمل ممتاز ومهني بعيدا عن الحسابات السياسية في بعض وسائل الإعلام”.

وضرب مثالا على ذلك استنادا إلى التحقيق الذي نشر في صحيفة “الصباح التونسية”، والذي أظهر أن الخلاف بين الطرفين ليس أكثر من صراع مصالح بينهما محوره 4 مليارات (2 مليون دولار) دفعها القروي إلى الرياحي بعنوان مساهمته في شرائهما لقناة التونسية (الحوار التونسي حاليا) عندما كان صاحبها سامي الفهري في السجن، لكن “صاحب الذبذبات” احتفظ بها لنفسه ورفض إرجاعها!!

وأكد الهاني في تصريح خاص أن “أخطر ما تواجهه بلادي اليوم هو موجة التزييف باستخدام مساحيق الوطنية التي تقودها وجوه بلا حياء!!، فمن مواقعهم المختلفة في السياسة والأعمال والإعلام وبالمال الفاسد، يزرعون الكذب ويبيعون الوهم للبسطاء في قراطيس الوطنية”.

من جانبه انتقد الباحث الجامعي في الاتصال محمد شلبي المنظومة الإعلامية قائلا، “الإعلام فاسد ومعظم الإعلاميين من المنظومة القديمة وتنقصه المهنية”، مؤكدا أن “الرئيس المنصف المرزوقي، الذي انتقد الإعلام الأسبوع الماضي واصفا إياه بالفاسد ورفض الاعتذار، انخرط في المنظومة الإعلامية نفسها”.

وتطرق شلبي إلى حوار الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي مع الإعلامي سمير الوافي على قناة الحوار التونسي، مؤكدا في تصريح لـ“العرب” أن المرزوقي يريد إعلاما آخر على شاكلة سمير الوافي ومن يشبهه.

وكان سمير الوافي قد استضاف، الأسبوع الماضي، المنصف المرزوقي ولم يفسح المجال لمعارضي المرزوقي للإفصاح عن رأيهم. ووفق شلبي فإن “الوافي وبعض زملائه بدأوا في مهمة الاستجابة”.

وقالت مديرة معهد الصحافة وعلوم الأخبار في تونس، سلوى الشرفي بخصوص الحلقة “أشفقت على سمير الوافي من الإسهال الخطابي للمرزوقي ومن شعبويته وسطحيته وتشنجه”.

زياد الهاني: أخطر ما نواجهه اليوم هو موجة التزييف بمساحيق الوطنية

وقبل يومين، وفي مشادة كلامية على نفس القناة بين المسرحي التونسي مقـداد السهيـلي والإعلامي سمير الوافي، أكـد الأول أن الثـاني يمتلك أموالا طائلة ويسكن منزلا بضاحية راقية من ضواحي العاصمة تقدر قيمته بـ400 ألف دولار، متسائلا، “من أين لك هذا؟ والكل يعرف مسيرتك المهنية وإمكانياتك المادية”.

ولعل أبرز ما يميز المشهد على مختلف القنوات التونسية، التراشق الإعلامي بين “الضيوف” الذي يصل في أحيان كثيرة إلى تقديم دعاوى قضائية ضد المنشط أو الضيف المقابل. وظاهريا، يبدو أن الخطاب الإعلامي قد تغير بعض الشيء لكنه سقط في مستنقع المزايدات، حيث أنه تغير (الخطاب) شكلا لكن المضمون بقي ذاته، إذ كثرت مقالات الثلب التي أحالت أصحابها أمام المحاكم.


في المسار الصحيح


غير أن عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين سيدة الهمامي قالت: “ما دام الإعلام يقلق السلطة فهذا يعني أنه في الخط الصحيح”.

وفي نفس السياق، دعا منذر الشارني، المستشار القانوني لمركز تونس لحرية الصحافة، كل السياسيين إلى ممارسة حقهم في الرد وإلى عدم اللجوء إلى القضاء، وأضاف أن “الصحفيين محايدون وغايتهم إنارة الرأي العام ومهمتهم هي نقل الأخبار، لذلك فإنه من الأسلم التعامل على أساس التوضيح وحق الرد الذي يكفله القانون المنظم للقطاع الإعلامي”.

وأكد الشارني أن مقاضاة الصحفيين أمر غير مجد لحرية التعبير ويمكن أن يخلق جوا مشحونا بين السياسيين والصحفيين.

وذكّر الشارني بالفصل 13 من المرسوم عدد 115 الذي ينص على أنه “لا تجوز مساءلة أي صحفي على رأي أو أفكار أو معلومات ينشرها طبقا لأعراف وأخلاقيات المهنة كما لا تجوز مساءلته بسبب عمله إلا إذا ثبت إخلاله بالأحكام الواردة بهذا المرسوم”.

ويضيف، “للإعلام، مهما كانت المآخذ عليه ومهما كانت درجات وعي المجتمعات والشعوب، حضور لدى عموم الناس وتأثير على خياراتهم وآرائهم ولو بشكل غير واعٍ أو بشكل غير مباشر، إلا أن الأمر يختلف جدا وكثيرا في الدول التي بالكاد تخطو خطواتها الأولى في انتقالها الديمقراطي، حيث تكون مفتوحة على كل الاحتمالات وعرضة للسقوط والفشل”.

18