صراع الأجيال.. حتمية حضارية أم عقم في التواصل

الأحد 2017/08/06

سؤال أقضّ مضجعي ومضاجع كل الآباء والأمهات ولا يزال: ما الذي يتحتم علينا أن نفعل لجسر الهوة التي بدأت تتوسع بيننا وبين أبنائنا؟ أصبحنا نعجز -ولو نسبيا- على فهم تصوراتهم للحياة ورؤاهم وحتى أحلامهم، كما باتوا غير مهتمين بخوفنا وحرصنا على ضمان الحد الأدنى من أبجديات الحياة في معانيها الفكرية والفلسفية والمادية والحضارية عموما.

كل المعطيات والمؤشرات، واقعا وإيحاء، تترجم وجود هوّة بدأت في الاتساع وبدأ قطرها يتمدّد بين الوالدين والأبناء. ما نعايشه يوميا يوحي بوجود صراع بدأ خافتا محتشما ثم أصبحت حدته تظهر للعلن في تصاعد قد ينذر بالانفجار.

الأبناء إناثا وذكورا تطبّعوا بطباع نخالها خروجا عن السائد والمألوف، ونعتقد أنها نوع من التمرّد علينا وعلى أعراف حياتنا وقوانينها المستندة تحديدا إلى المرجعيات القيميّة والأخلاقية المتوارثة. نظن أن جيل أبنائنا هو مواصلة بديهية وحتمية لما سطره ودبّره آباؤهم، ومن قبلهم أجدادهم، وأي محاولة للخروج عن ذلك تعدّ تمردا لا بد من مقاومته.

المسألة ذوقية بالأساس لأننا لم نستطع أن نستسيغ اللامبالاة في الدراسة، وتسريحات الشعر الغريبة، ونمط الغناء الصاخب بكلماته التي نعتبرها مبتذلة وفي بعض الأحيان سوقية، والعلاقات الأسرية “الأفقية” التي استوى فيها الكبار مع الصغار وأصبح الخطاب جداليا “عنيفا”، واضمحلت سطوة الأخلاق كالحياء.

هل العيب فينا لأننا لم نقدر على مجاراة صخب حياتهم الحديث والمليء بالحركة والاستقلالية؟ أم العيب فيهم لأنهم قطعوا معنا ومع ما يربطهم بماضيهم في حركة أشبه بالانبتات؟ هل هناك مجال من الحدّ الأدنى الذي يجعل علاقاتنا بأبنائنا أكثر فاعلية وإيجابية؟

بشيء من الحكمة والتروّي يجب الإقرار بأن هناك اختلافا في مصادر ومرجعيات التربية، نتج عن التسارع الشديد في نمط الحياة العصرية. إن نمط التربية والرعاية الأسرية تغير لتسارع النسق اليومي للحياة في جميع مجالاتها نظرا لكثرة الاستحقاقات والمتطلبات المادية والمعنوية، ولتطور الوسائل التعليمية ووسائل الاتصال والتواصل وتنوع مصادر المعرفة ويسر انفتاح الثقافات بعضها على بعض.

من الضروري إذن ألا يتجنّى الأبناء على آبائهم وأمهاتهم بحجة أن تفكيرهم ورؤيتهم للأمور يعدّان خارجين عن نواميس العصر. وبذلك فهم يرفضون التعامل الإيجابي والمثمر مع منظومة تربوية وقيمية يعتقدون أن أصحابها غير قادرين على تطويرها، وبالتالي تقييسها وفق مقتضيات العصر. إنهم يعمقون الهوّة التي تفصلهم عن جيل آبائهم.

أما الآباء والأمهات فإنهم يتسلّحون بسلاح الرفض المسبق لما يأتيه أبناؤهم، تحت شعار “نحن الأقدم، نحن الأكبر، نحن الأكثر تجربة، نحن الذين يجب أن يقودوا المرحلة ويسطّروا أهم توجهاتها”.

إنهم يتصرفون مع أبنائهم وفق علاقات “عمودية” غير متوازنة، طرفاها آمر ومأمور، أو هكذا يرغبون في أن تكون طريقة سير الأمور على هذا النحو. ولكن أحكام الواقع تفترض أن يطرح الآباء على أنفسهم الأسئلة الحارقة التي تؤرقهم: لماذا لا نجتهد ونترجّل ونخرج من أبراجنا العاجية ومن قواقعنا، لنتفهم طبيعة العصر الذي يعيشه فلذات أكبادنا؟ ما الضرر لو تغيّرت تسريحة الشعر، وتغير الذوق الفني، وحاول أبناؤنا أن يكونوا أندادا لنا في حواراتهم؟

بكل بساطة علينا أن نعيش العصر بنظرتهم وننخرط فيه بإيجابية، مع محاولة التعديل في بعض السلوكيات الجامحة التي يأتونها أحيانا بتلقائية أو بتسرع أو لعدم معرفة. علينا أيضا أن نعدّل طريقة الرفض وطريقة الخطاب ونجعلهما أكثر سلاسة وأكثر قابلية للفهم والاستيعاب، مع التأكيد في المقام الأول على الجوهر وترك القشور والزوائد التي لا قيمة حقيقية لها، ولا نعتبرها شذوذا أو خروجا عن المألوف والسائد المعتاد.

علينا كآباء وأمهات أن نحسن التعامل مع اختلافهم ونعتبره جزءا من حياتهم ومن مستقبلهم ونترك لهم فرص الاعتماد على الذات وخوض التجارب بأنواعها ليتعلموا حتى من أخطائهم وفشلهم.

لتضيق المسافة بين الجيلين، على الأبناء أيضا أن يتفهموا طبيعة خوف وحرص آبائهم على مستقبلهم، ويحسنوا التعامل مع السائد خاصة ما تعلق بالمنظومة الأخلاقية التي تنظم العلاقات الاجتماعية. عليهم أيضا أن يكبحوا جماح اندفاعهم غير المدروس، ويضعوا مستقبلهم -في الدراسة وفي الحياة العامة- نصب أعينهم. فليجعلوا رهاناتهم عل اختلافها صائبة، أو على الأقل تكون نتائجها بأخف الأضرار، لتكن رؤاهم جامعة بين ماض تليد ومستقبل مشرق. لن ينجح جيل الأبناء في مسعاه الحياتي إلا إذا جعل التطور طبيعيا، سلسا، يمحّص معتقدات الآباء ويخضعها للدراسة والفهم قصد استخلاص الدروس والعبر، فليس كل ما يأتيه الآباء هو خارج عن نطاق الحداثة والعصرنة.

أمّا الأهم من كل ذلك أن يتعاملوا بجدية وحكمة وانضباط مع الوافد الحضاري الذي يدخل كل البيوت دون طرق للأبواب أو استئذان أصحابها. شبكات التواصل الحديثة لم تترك زاوية في أذهان الشباب إلا ولامستها وأثّرت فيها بشكل إيجابي أو سلبي.

مهمتنا الأساسية كآباء وأمهات تتمثل بأمرين يجب القيام بهما بتعقل وهما؛ أولا، أن نطلعهم على ماضيهم بمحاسنه ومساوئه ونجعلهم يتعاملون معه بحس جدلي ونقدي، وبذلك نضمن حدا أدنى من الالتقاء معهم، كما نضمن عدم انبتاتهم. أما الثاني، فهو أن نرشّد تعاملهم مع الوافد الحضاري أيضا بما فيه من حسن وسيء، وبذلك نضمن عدم انسياقهم الأعمى وراء المظاهر المضللة.

المهم أن نجعل الحوار معهم مستمرا، مثمرا، وإيجابيا ونكون قد نجحنا في تقليص الفوارق بيننا وبينهم ونتجنب الصدام الغوغائي الذي لا ينتج سوى المزيد من التفكك الأسري والاجتماعي.

كاتب تونسي

21