صراع الأصولية والحداثة في كتاب "العرب والإسلام ونحن"

الخميس 2014/05/15
بيرك: علينا أن نقول إن الإسلام كان الموحي الأساسي لحضارة عظيمة عرفها الكون خلال القرن العاشر

ضمن سلسلة “ألف ليلة” الفرنسيّة، صدر كتاب بعنوان “العرب والإسلام ونحن”، وفيه يتحدث المستشرق الفرنسي جاك بيرك (1910-1995) عن جملة من القضايا الهامّة المتّصلة برؤيته الفكرية حول العرب والإسلام. ألّف بيرك كتابا بعنوان “إعادة قراءة القرآن”، إضافة إلى ذلك، قام بترجمة مختارات من كتاب “الأغاني”، والعديد من نصوص عيون الأدب العربي الكلاسيكي.

ولد جاك بيرك في الجزائر عام 1910. وفي عام 1934 أرسل إلى المغرب لأداء الخدمة العسكريّة غير أنه ظلّ هناك 20 عاما موظّفا في الإدارة الاستعمارية. وبسبب عدم رضوخه للأوامر الإداريّة الصّارمة، وتمرّده على القوانين، أرسل إلى جبال الأطلس العليا ليعمل هناك في ظروف قاسية للغاية. غير أنّ اكتشافه للمجتمع البربري، ولتقاليده خفّف عنه وطأة العقاب، محرّضا إيّاه على الدراسة والبحث.


أسطورة الأندلس


كان كتابه الشهير “البنى الاجتماعيّة في الأطلس الأعلى”، والذي فتح له أبواب “الكوليج دو فرانس”، أعلى مؤسسة جامعيّة في فرنسا، ثمرة جهوده السّالفة الذّكر. وفي أواخر الخمسينات من القرن الماضي، عيّن خبيرا في “اليونسكو” لتصبح آراؤه وأفكاره تحظى بالاعتبار والتقدير من جانب الدوائر العليا في الدولة الفرنسيّة.

وفي تلك الفترة شدّد على أنّ المستقبل مرهون ببناء ما سمّاه بـ”المجموع المتوسطي الإسلامي”، وقد وضّح ذلك قائلا: “إني أعبّر عن رمز هذا المجموع من خلال أسطورة الأندلس حيث يبدو أن الديانات الثلاث، الإسلاميّة واليهودية والمسيحية تعايشت في سلام لقرون عدّة”.

وخلال الستينات انكبّ جاك بيرك على ترجمة القرآن. كما ألّف كتابا بعنوان “إعادة قراءة القرآن” لا يزال يعتبره الكثيرون مرجعا أساسيا لفهم النصّ القرآني. إضافة إلى ذلك، قام بترجمة مختارات من كتاب “الأغاني”، والعديد من النصوص الكلاسيكية الأخرى.

الإسلام آخر الديانات السماوية، والذي يدين به أزيد من مليار نسمة، يظل مجهولا حتى هذه الساعة

وعند بروز الحركات الأصوليّة المتشدّدة في الجزائر، أعلن أن ذلك عائد إلى الإرث الاستعماري، وإلى الأخطاء الفادحة التي ارتكبها النظام الجزائري في الحقبة التي تلت الاستقلال، مبيّنا أن الهدف الأساسي للحركات الأصولية التي تزعم أنها تستمدّ قوّتها من الماضي الإسلامي “المجيد” هو استعمال الدين من أجل أهداف سياسية محضة.


دين مجهول


وفي المقدمة التي خصّصها للكتاب المذكور، يذكر جان سور أنه التقى بجاك بيرك في تونس عام 1963 وذلك خلال المؤتمر الذي عقدته جمعية الجامعات المستعملة للغة الفرنسية. وهو يقول عن مؤلفاته: “إنّ قراءة جاك بيرك علّمتني بكلّ بساطة ما سمّاه بأول كلي بـ”سيولة ميادين الحياة”. نصوصه تمسّني على مستويات متعدّدة، مثل الانتساب الاجتماعي والالتزام السياسي والشعور الديني. وهي تمنحني قراءة موحدة لكنها مفتوحة، وتغرسني في ذاتي، وفي ذات الوقت تحرّرني منها. وهي تمنحني بالخصوص توافقات، وتطابقات بين مصيري الذي كنت أظنه متوحدا، وبين شعوب أخرى أجهل ثقافاتها جهلا تامّا تقريبا”.

وبعد لقاء تونس المذكور، شرع جان سور في تبادل الرسائل مع جاك بيرك الذي أصبح منذ ذلك الوقت “معلّمه الرّوحي”. وعن ذلك كتب يقول: “عقب السنوات التي تلت عام 1962، تبادلت الرسائل مع جاك بيرك. وكان يرسل لي بترجماته للشعر العربي، ولمعلّقة امرئ القيس بالخصوص، والقصيدة الأولى لذي الرمة. غير أن كتب جاك بيرك النظريّة هي التي كانت تشدّ انتباهي. فقد كانت ملتقى لكلّ المبادلات.

الهدف الأساسي للحركات الأصولية هو استعمال الدين من أجل أهداف سياسية محضة

ولم يكن سخاؤها يهمل أيّ شيء يثير فضولي أو خوفي. وقد اعتمدت على تلك المؤلفات لكي أعمّق أفكاري حول ما أصبح شغلي الأساسي المتمثل في تعليم وتكوين الكبار”. وفي بداية حواره مع جاك بيرك، يقول بيرك إن الإسلام آخر الديانات السماوية، والذي يدين به أزيد من مليار نسمة يظلّ مع ذلك مجهولا كبيرا حتى هذه الساعة. ودائما هو في تنافر مع ما يحيط به. فهو في تنافر مع الغرب رغم قربه منه جغرافيا، وتاريخيا، وحتى من ناحية القيم والمفاهيم إذ أن الحضارتين الإغريقية-الرومانية والإسلامية متجاورتان، وبينهما كانت هناك علاقات كبيرة عبر التاريخ. وقد تألّم الإسلام من هذا الجوار، وربما من هذا التواطؤ الكبير مع الحضارة المتوسطية”.


رفض الحداثة


وعن انشداد الإسلام لأصوله الأولى، يقول جاك بيرك: “علينا أن نقول إن الإسلام كان الموحي الأساسي لحضارة عظيمة عرفها الكون خلال القرن العاشر، ولم يعرف بعد ما يُعرف في الغرب بـ”النهضة”. ولن نجد في تاريخه شخصيات من أمثال غاليلي ونيوتن وديكارت، ولم يعرف القفزات على مستوى الكيف التي عرفها الفكر الغربي وجميع الجوانب العظيمة في حضارته لم تعرف ذلك التحوّل الذي أتت به “النهضة” الأوروبية، والذي لم يتمّ بسهولة، ولا من دون مقاومة من جانب القوة الدينيّة. وفي القرن الثامن عشر، حدثت الثورة الصناعية، وانتشرت في مناطق متعددة، خصوصا في الغرب. غير أن الإسلام ظلّ بعيدا عن هذه الثورة. بعدها ازدادت الثورة الصناعية انتشارا لكن على شكل أمبريالي. وعلى المستوى الجغرا-سياسي يمكن القول إن الإسلام يحاول إلى حدّ هذه الساعة تدارك ما فات بنسب متفاوتة من النجاح غير أن ذلك لا يعني نقصا في العقيدة على المستوى الديني والميتافيزيقي”.

ويضيف جاك بيرك قائلا: “كلّ المجتمعات الإسلاميّة تبدي رغبة حارّة في الدخول إلى الحداثة. وأعتقد أن الأمر الذي لم يفهمه الغرب هو أن من نسمّيه اليوم بـ”الأصوليّون ” ليسوا مثل أصوليي الجيل السابق. فهؤلاء كانوا معادين للتقدم، وكانوا يناضلون ضدّ كلّ أشكال التغريب. فمثلا كانوا يرفضون أن يبث القرآن عبر الراديو. ولعلهم كانوا يرفضون أيضا السكك الحديدية. أمّا أصوليو المرحلة الجديدة فيدعون إلى التقدّم التقني، وإلى الاستفادة من الثورة التكنولوجية، وإلى تعميم التقنيات الحديثة. غير أنهم يرفضون أن يحصل المسلمون على هذا التقدم عبر السير في نفس الطريق الذي سار فيه الغرب. ما هو هذا الطريق؟ إنه طريق الديمقراطية والنقد والأنوار. وهم يريدون طريقا خاصا بهم يرسمونه في أفق أخلاق دينية تستمدّ شرعيّتها وقيمتها وقوّتها من الأصول القديمة”.

وفي آخر الكتاب يتحدّث جاك بيرك عن الصراع العربي- الإسرائيلي، ويختم حديثه قائلا: “من الواضح أن هناك من الجانبين صقورا وحمائم. غير أن السلام لن يتحقّق إلاّ بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، والاعتراف بالدولة الفلسطينية”.

15