صراع الحكومة والبرلمان مع الجيش الليبي يهدد بنسف كيان الدولة

الثلاثاء 2014/05/27
عملية "كرامة ليبيا" محل نقاش وخلاف

طرابلس- بعد أكثر من سنتين على سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، لم تتمكن ليبيا إلى حد اليوم من الركون إلى الاستقرار بشكل تام، رغم الاستحقاقات الانتخابية التي مرت بها لانتخاب مجلس برلماني تنبثق عنه حكومة تسيير الأعمال.

وتعاني عديد المحافظات الليبية من سيطرة الميليشيات المسلحة عليها، والتي تنتمي جلها إلى تشكيلات تنظيم القاعدة الإرهابي وبعض المجموعات المتشددة الأخرى مثل تنظيم أنصار الشريعة وميليشيات أخرى تقوم على التهريب وتجارة السلاح والمخدرات وتتستر تحت سواتر دينية ومسميات عديدة أخرى.

وقد أكدت تقارير محاولات الحكومات المتعاقبة على ليبيا منذ الانتخابات الماضية إعادة فرض الأمن وسيادة مؤسسات الدولة، لكن المجهودات الحكومية تصطدم في كل مرة بمعوقات عديدة منها الميداني ومنها السياسي. وقد دفعت هذه الحالة المربكة إلى خيارين اثنين الإشكال الأمني الليبي.

فالخيار الأول يقول بضرورة تدخل الجيش وإعادة فرض الأمن ودفع البلاد نحو الاستقرار التام خاصة بعد “انتهاء شرعية المؤتمر الوطني العام” المنتهية ولايته وهو خيار يتبناه رئيس الوزراء الليبي السابق محمود جبريل. أما الخيار الثاني الذي يقول بضرورة مواصلة الدولة لعملها وفق شرعية السلطة الحالية ليكون فرض الأمن والاستقرار نابعا عن مؤسسات رسمية، ويتبنى هذا الخيار رئيس المؤتمر الوطني المنتهية ولايته النوري بوسهمين.

محمود جبريل

ولد في ليبيا سنة 1952 وتحصل على الباكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية ثم الماجستير والدكتوراه من جامعة بانسلفانيا، سنة 1985. ترأس أول حكومة ليبية بعد انتخابات 2011


واجب الجيش الدفاع عن الوطن وتطهير ليبيا من الإرهابيين

قال رئيس الوزراء الليبي الأسبق والأمين العام لحزب التحالف الوطني، محمود جبريل، إن الحركة التي أقدم عليها اللواء خليفة حفتر تعد “محاولة جريئة ونبيلة لإنقاذ ليبيا من الصراعات التي حلت بها”.

وأكد في جل التصريحات التي أدلى بها لوسائل الإعلام أن هجومات الجيش بكتائبه “القعقاع” و”الصواعق”، ليست محاولة انقلابية على السلطة وليست أطماعا أو تنفيذا لأجندات أجنبية، بل هي “نتيجة للوضع الراهن” الذي وصفه بالمتردي ولا يليق بالشعب الليبي.

وأشار محمود جبريل، في سياق حديثه عن التحركات الأخيرة للجيش الليبي، في كل من بنغازي وطرابلس وبعض المحافظات الأخرى، التي استهدفت فيها القوات العسكرية التابعة للعقيد حفتر، معسكرات التنظيمات الإسلامية المتشددة ومن بينها تنظيم القاعدة، إلى أنها “مشروعة” وتهدف إلى الدفاع عن الوطن والشعب ومبادئ الثورة و”تطهير البلاد من الميليشيات التي تعيث في البلاد فسادا”.

وأكد محمود جبريل على أن بعض القوانين الانتقالية التي تم سنها في نطاق البرلمان الليبي الجديد (المؤتمر الوطني العام) “ظالمة وغير منصفة”، ولعل أهمها قانون العزل السياسي “الذي يجب أن ينطبق فقط على المفسدين وليس على جميع من كان ناشطا في مؤسسات النظام السابق”.

وفي السياق ذاته، يؤكد جبريل على أن سياسة الانتقاء في عزل أفراد من الشعب الليبي عن العمل السياسي “إنما تقف وراءها جماعة الإخوان المسلمين” وأن أغلب من تم استثناؤهم من قانون العزل السياسي، هم من جماعة التيار الإسلامي في ليبيا”، وأن هذه السياسة الظالمة والمقصية حسب تعبيره متواصلة إلى الآن، ما يفسر حالة الاحتقان الشعبي العارمة التي أدت إلى دعم الجيش في كل عملياته التي يقوم بها.

وفي معرض تأكيده على ضرورة التغيير الجذري للحالة السياسية والأمنية والمؤسساتية الليبية، عرّج محمود جبريل على الحكومة السابقة التي ترأسها “الكيب”، متهما إياها بالفساد وصرف منح غير شرعية إلى مجموعة من العسكريين الموالين له ولـ”جماعة السلطة”، مؤكدا على أن كل الأحاديث والأقاويل التي أشارت إلى لقاءات واتفاقات جمعته (أي جبريل) مع جماعة الإخوان المسلمين أو عبدالحكيم بالحاج، سواء داخل ليبيا أو خارجها، “هي من قبيل الاشاعات والكلام المغلوط” الذي يسيء لسمعته.

وفي إطار توصيفه لموقفه الداعم للتحركات العسكرية الأخيرة، يؤكد محمود جبريل على أن الهدف الذي تتضمنه هذه التحركات هو “إرساء نظام ديمقراطي ووطني حقيقي في ليبيا”، مضيفا أنه وحزبه وفئات واسعة من الشعب الليبي، “حريصون على الديمقراطية أكثر من حرصهم على أنفسهم ولكن ليست الديمقراطية التي يُغتال فيها الضباط ويُبدد فيها المال العام، ويعين فيها من يُعطي الولاء للجماعة، وتُهمل فيها أبسط الحقوق”. مضيفا أنه، “على الشعب الليبي أن يعي بأن قواته المسلحة مازالت موجودة بقياداتها العسكرية المحترفة وأن مطلبها وأملها هو حماية إرادة الشعب والدفاع عنه وليس حكمه، وأن القوات المسلحة لن تخذل تطلعاته وآماله في حياة كريمة آمنة مستقرة يسودها الاعمار والازدهار رغم كل العراقيل والحروب التي شنتها ولازالت جماعات لم تشارك أصلا في معارك التحرير”.

ومن خلال مقارنته لمهام القوات المسلحة على المستوى الدولي، وما تحدده الأعراف المقارنة لمهام الجيوش في العالم، يؤكد جبريل على أن “مهام القوات المسلحة معروفة ومحددة عالميا وهي الحفاظ على أمن الوطن والمواطن”. وأكد أنه بدلا من أن تدعم الحكومة والبرلمان مجهودات الجيش في إعادة الأمن والاستقرار وسيطرة الدولة على المؤسسات، سارعت الحكومة وبعض النواب إلى الاستغناء عن القوات المسلحة والوقوف ضد مجهوداتها، مضيفا أن الجيش من حقه الدفاع عن نفسه مقابل الاغتيالات اليومية، مؤكدا على أنه لن يقف مكتوف الأيدي.

نوري بوسهمين

سياسي ليبي من مواليد مدينة زوارة، تولى رئاسة المؤتمر الوطني العام في 25 يونيو 2013، خلفا لمحمد المقريف، وترشح عن حزبه "كتلة وفاء" القريبة من الإسلاميين


حفتر يقود انقلابا ضد شرعية الدولة ويسعى لتحقيق مآرب شخصية

أكد رئيس المؤتمر الوطني العام النوري بوسهمين في ندوة صحفية أعقبت بداية العمليات المسلحة التي يقودها خليفة حفتر ببنغازي أن المؤتمر الليبي العام والحكومة المؤقتة ورئاسة الأركان العامة للجيش “تندّد بما أقدم عليه حفتر، وأن المؤسسات الشرعية الليبية ترفض القيام بتلك الهجومات وترى أن ما قام به حفتر هو خروج خطير عن القانون”.

وقال بوسهمين في تصريحات عديدة أخرى إن العقيد خليفة حفتر قام بتلك العمليات العسكرية انطلاقا من مواقف شخصية وقرارات منفردة ولم يستشر فيها أحدا من قيادات الجيش أو الحكومة أو أي مسؤول في الدولة، “ما يؤكد أن أطماع حفتر تتجاوز مجرد محاربة الإرهابيين في ليبيا إلى مطامع شخصية بتولي الرئاسة، وهذا يُسمى انقلاب”.

ويضيف رئيس المؤتمر الليبي العام، في تصريحاته أثناء الندوة الصحفية، موجها كلامه إلى أهالي بنغازي وعموم الشعب الليبي، أن “المؤتمر الليبي العام والحكومة المؤقتة ورئاسة الأركان العامة للجيش الليبي تؤكد لأهل بنغازي خاصة وللشعب الليبي كافة، على أنه في الوقت الذي ندين فيه بشدة كل عمليات الاغتيال والخطف التي تشهدها بنغازي وبعض المدن الليبية الأخرى، ونعمل على التعرف على من يقف وراءها وتقديمه للعدالة، إلا أننا في الوقت ذاته نحذر كل من يحاول استغلال هذه القيادات لتحقيق مكاسب شخصية أو الانقلاب على شرعية الدولة”.

وهو إعلان صريح عن اتهام الجهات الرسمية الليبية للعقيد خليفة حفتر بمحاولة الانقلاب، خاصة وأن لحفتر سابقة في محاولة تحرك عسكرية فاشلة في فبراير الماضي. ويضيف بوسهمين قائلا، إن “ما يحدث في بنغازي الآن من بعض ضباط ومنتسبي الجيش، هو خروج عن شرعية الدولة وانقلاب عليها يقوده المدعو خليفة حفتر، كما نؤكد على أنه ستتم ملاحقة كل من شارك في هذه الأحداث قانونيا”.

وفي الأثناء، شهدت أغلب المدن الليبية الرئيسية تحركات من قبل الكتائب التابعة للعقيد خليفة حفتر وحدوث اشتباكات متقطعة بين قواته ومجموعة من الميليشيات المنتشرة في مداخل ومخارج تلك المدن، حتى وصل الأمر إلى طرابلس، أين تم اقتحام البرلمان وإضرام النار فيه.

ولم يستبعد رئيس المؤتمر الوطني نوري أبو سهمين أن يكون الهجوم على البرلمان من تدبير حفتر، حيث شوهد ارتفاع عمود دخان في سماء المقر بعد أن أحرق المهاجمون مبنى مجاورا، وأغلقت الطرق المؤدية إلى المطار، بعدها انسحب المهاجمون وسمعت أصداء مواجهات لاحقا في طريق المطار. ويبدو أن القوة المهاجمة تنتمي إلى كتائب الزنتان التي تسيطر على العديد من المواقع على طريق المطار. وندد المؤتمر العام على لسان بوسهمين بذلك الهجوم معتبرا ذلك “تهديدا بتنفيذ انقلاب”، وقد أعلنت الحكومة الانتقالية لاحقا أنها توصلت إلى تسوية مع الثوار السابقين الذين قاتلوا نظام معمر القذافي في 2011، دون تقديم أي تفاصيل حول تلك الاتفاقات.

وقد دعا رئيس البرلمان بوسهمين والحكومة ورئاسة الأركان في بيانات متفرقة أهالي بنغازي إلى “التماسك والوقوف صفا واحدا مع المدافعين عن الشرعية”. وعلق بوسهمين في إحدى مداخلاته على تطور الأحداث بأنها، “محاولات انقلابية تدعمها جهات أجنبية لا تريد الاستقرار لليبيا”. ودعت الجهات الثلاث في بيان مشترك إلى التعاون مع الجهات الأمنية للقضاء على ما أسماه بوسهمين بالعمل “الانقلابي” وعدم الانجرار وراء الدعوات المغرضة إلى شق الصف داخل المدينة. واعتبر النوري بوسهمين، أن “إجلاء سكان الأحياء يدخل ضمن هذا التشويش وقلب الحقائق بهدف تحويل بعض المناطق إلى ميادين للقتال وأهداف للمروحيات والطائرات”.

وصرح النوري بوسهمين في إطار متابعته للتطورات الميدانية، بأن الحكومة والبرلمان لا يزالان مستعدين لرأب الصدع الحاصل بين الأطراف المختلفة داخل الحكومة والجيش الليبي وأنه “على الجميع العودة إلى الشرعية واحترام إرادة الشعب”.

تشنج في الحكومة الليبية وقوات حفتر تواصل حربها على "التكفيريين "

قال اللواء خليفة حفتر، القائد السابق للقوات البرية في الجيش الليبي في تصريح له، إن “عملية الكرامة” التي تشنها قوات عسكرية موالية له منذ أواسط مايو، إنما “تهدف إلى تطهير ليبيا من المتطرفين والميليشيات الإجرامية وجماعة الإخوان المسلمين”.

وتوعد حفتر بتقديم كبار مسؤولي المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت) والحكومة وجماعة الإخوان إلى المحاكمة في حال تم اعتقالهم بتهمة ارتكاب جرائم ضد الشعب الليبي، خلال فترة توليهم السلطة.

وأضاف حفتر، أنه يتمتع بتأييد قطاعات كبيرة في الجيش الليبي، وقال إن الطريقة التي قاد بها المؤتمر الوطني، الذي يعد أعلى سلطة سياسية ودستورية في البلاد مؤخرا، هي من تسببت بدخولها في نفق مظلم، واعدا بأن تطهير ليبيا من الظلاميين والتكفيريين هو أمر “واجب ووطني”.

وفي إطار توصيفه لجملة الاشكالات التي تعاني منها ليبيا، حمّل العقيد حفتر المسؤولية لجماعة الإخوان المسلمين، مؤكدا على أنها المسؤولة عن الحالة غير المستقرة في عدد من الدول العربية وليس ليبيا فقط.

مضيفا، إن “الإخوان في ليبيا شكلوا جماعات كبيرة جدا من الإسلاميين المتطرفين ومنحوهم جوازات سفر ليبية، ما دفع بالجيران إلى التشكي كثيرا من هذا الوضع، خاصة مصر والجزائر وتونس، وهذه المجموعات مع الأسف كانت تشكل خطرا كبيرا جدا، لكن عندما انفجرت هذه العملية في مصر، وأعلن عن أن الإخوان المسلمين كانوا يقودون هذه الجماعات، طبعا تفتحت عيون الليبيين وعرفوا حقيقة هذه الجماعة”.

ونفى حفتر تلقي أي دعم من جهة خارجية وخاصة من مصر أو الجزائر، وأكد أنه لم يتلق أية معونة من أحد، وأن “كل ما في الأمر أن الجيش يعتمد على نفسه فقط، مؤكدا على أن الجيش الليبي في حد ذاته يعاني العديد من الصعوبات في تحركاته وإجراءاته لضبط الأمن وفرض النظام، وأردف قائلا، “هل يعلم الناس أن الجنود الذين يقومون بهذا العمل لم يتلقوا رواتبهم منذ أربعة أشهر، لقد انقطعت مرتباتهم، وحاولنا قدر الإمكان الاعتماد على أنفسنا فقط، والكل يعلم أن السلاح موجود بالفعل، والباقي كله الاعتماد على النفس”.

وحول ما إذا كان يعتزم الترشح لرئاسة الجمهورية بعد انتهاء المعارك التي تقودها قواته الآن، صرّح حفتر، بأن مسألة ترشحه للرئاسة أمر مؤجل وليس من اهتماماته الآن، مضيفا أنه، “يريد أن يؤمن البلاد تأمينا حقيقيا لكي يتم التعايش بين الليبيين في سلام وبين ليبيا وجيرانها في استقرار حقيقي وأمن طبيعي، والشيء الثاني أنه لا ينظر إلى هذه العملية، في إطار ترشيح نفسه في المستقبل، فهذا متروك للمستقبل”.

وفي تطور لاحق اقترحت الحكومة المؤقتة برئاسة عبدالله الثني، مبادرة مفاجئة لحل الأزمة الراهنة في البلاد، تضمنت عشر نقاط، وطالبت المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، بوقف عمله لحين إجراء الانتخابات العامة المقبلة. ولم يصدر على الفور أي تعليق مباشر من نوري أبو سهمين رئيس البرلمان الذي أصدر قرارا مثيرا للجدل، بتكليف قوة تضم مقاتلين إسلاميين إلى التمركز داخل العاصمة طرابلس.

12