صراع الديكة

الخميس 2015/03/12

منذ أن خصصت الصحافة بعض صفحاتها لنقد الكتب، والمعارك بين الكتاب والصحافيين لا يخمد لها أوار.

الصحافيون، خصوصا أولئك الذين احترفوا النقد على أعمدة الصحف، يرفعون من قيمة هذا الكاتب وكتابه، أو يحطون من قدرهما معا، إما لأن الكتاب ضحل، وإما لأنهم يريدون تصفية حسابات قديمة مع مؤلفه، وما الكتاب إلا ذريعة لإصابة الخصم في مقتل.

أما الكتّاب فمنهم من يتقبل رأي من ينقده برحابة صدر، سواء أعجبه أو لم يعجبه، ومنهم من لا يحتمل حتى أن ينبهه الصحافي الناقد إلى أخطائه، لأن له من الحساسية ما يجعله يرى في كل سطر قدحا وخلف كل كلمةٍ نيةً مضمرة.

أكثر من ذلك، فإن بعض الكتاب يسيئون الظن بالصحافي الناقد، ويؤكدون -سرّا أو علانية- أن استحسانه لهذا الكتاب أو ذاك مردّه علاقة تربطه بالكاتب أو الناشر، أو بكليهما معا، وقد يعزونه إلى رشوة انتفع بها كي يكتب غير ما يمليه عليه ضميره وحسّه الأدبي، فينوّه بما لا يستحق في نظرهم التنويه.

ويزداد الأمر تعقيدا إذا كان الطرفان -الناقد والمنقود- معروفين، يحظى كل في مجاله بسمعة طيبة. عندئذ تنشب معارك يكاد لهبها يحرق أوراق الجرائد، أو يتحوّل الكاتب نفسه إلى ناقد يردّ بطريقته فيُعلي ويُنزل، ويمدح ويهجو.

حدث هذا مثلا في فرنسا منذ القرن التاسع عشر، عندما التحق كاتب مثل تيوفيل غوتييه بالصحافة ليقاوم “أعداءه”، أو عندما أنشأ كاتب آخر هو ألكسندر دوماس جريدته الخاصة “الفارس” -إشارة إلى روايته الشهيرة- قائلا “سأشهر أسلحتي الدفـاعية والهجومية ضدّ النقاد”.

أما مارسيل بروست، فلم يكتف بشنّ هجوم شرس على سانت-بوف حينما كتب عن روايته “في البحث عن الزمن الضائع” نقدا لم يعجبه، بل ألف في مغرب حياته مقالة من عشر صفحات قال فيها “هذه هي الوثيقة الوحيدة التي ينبغي اعتمادها حول روايتي”.

صحيح أن بعض نقاد الصحافة يتعسفون أحيانا في إصدار أحكامهم على هذا الكتاب أو ذاك بشكل يلغي جهد صاحبه بجرّة قلم، ولكن ليس أمام الكاتب إلا تقبّل الرأي الذي لا يروق ولو على مضض، لأن الكتاب ملك له ما لم ينشــره، فإذا نشره صـار ملكا لمن يقرؤه.

يقول بول فاليري في هذا الشأن “عندما يظهر الكتاب للعموم، فإن تأويل المؤلف إيّاه لا يفوق من حيث القيمة أيّ تأويل آخر لأيّ شخص كان؛ فنيتي ليست سوى نيتي، والأثر هو الأثر”.


كاتب من تونس مقيم بباريس

15