صراع الرئاسة والحكومة واجهة أخرى لأزمة تونس

التعديل الوزاري سيكون عنوانا للقطيعة بين المؤسستين ويزيد من صراع التعطيل والإرباك لأداء مؤسسات الدولة، وهو أمر قد يستمر إلى حدود أكتوبر 2024 موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
الخميس 2021/01/07
من جبة الرئيس إلى جبة الأحزاب

جاءت إقالة وزير الداخلية التونسي توفيق شرف الدين لتكشف لمتابعي الشأن السياسي التونسي حدة الخلافات بين رأسي السلطة السياسية في البلاد؛ بين رئيس جمهورية ساع لافتكاك صلاحيات لم يمنحها له الدستور وجعل دوره شرفيا، وبين رئيس حكومة تكنوقراط، تحرك فجأة ليتحول إلى لاعب سياسي مستفيدا من صلاحيات واسعة يمنحها له الدستور.

في البداية كان الأمر مجرد تسريبات، لكن الآن اتضح أن التعديل الوزاري الذي لوح به رئيس الحكومة هشام المشيشي لأكثر من مرة هدفه الأول تحدي الرئيس قيس سعيد، الذي قام بتعيينه في المنصب ضمن قائمة من الأسماء النكرة بعد أن رفض كل الأسماء التي عرضتها الأحزاب، المقربة له والمعارضة.

كان الرئيس سعيد يناور، في سياق الصراع مع البرلمان والأحزاب، من أجل وضع منصب رئيس الحكومة تحت يديه والإمساك بالسلطة التنفيذية كلها من أجل تحقيق نمط حكم بلا أحزاب مثلما أعلن عن ذلك في تصريحاته المختلفة.

لكن خطأ قيس سعيد أنه اختار شخصية بلا تاريخ حزبي أو سياسي ودون معرفة مباشرة للرجل سوى بعض النصائح من مستشاريه، وهم مثله طارئون على المشهد السياسي، فقد اختارهم من محيطه في مجال مدرسي القانون أو من مجال القضاء حيث تعمل زوجته على أمل بناء ساسة جدد لم يتسخوا بالمناورة السياسية.

وبدل أن يترك هامشا لرئيس الحكومة الذي اختاره في تسيير حكومته، مر مباشرة إلى معاملته كتلميذ صغير مهمته أن ينفذ ما يطلب منه، من ذلك إلزامه بمجموعة من الوزراء في حقائب سيادية وخدمية لا يعرفهم، وهم من محيط الرئيس ومستشاريه، وهذه هي النقطة التي دفعت الرجل التكنوقراط إلى التخطيط المعاكس، أي الخروج من جبة الرئيس الذي اختاره، إلى جبة الأحزاب التي وفرت له سريعا ما يريده من حماية وحولته إلى واجهة تختفي وراءها في معارك لي الذراع مع الرئيس سعيد.

مباشرة انقلب المشيشي إلى الجهة المقابلة وبدأ بالتحدي من خلال عزل وزير ثقافة كفيف اقترحه الرئيس سعيد، ثم دعمه في لقاء علني، لكن المشيشي استغل للوزير أول خطأ وأقاله وترك الوزارة بلا وزير إلى حد الآن.

وفيما يتيح الدستور استشارة الرئيس في اختيار وزير الخارجية ووزير الدفاع، إلا أن سعيد سعى إلى ضم وزارة الداخلية إلى صلاحياته كونها أحد مفاتيح الإمساك بالملف الأمني والعسكري في البلاد، وإحدى أوراق الاستقواء أمام أحزاب سبق أن تلاعبت بالتعيينات في هذه الوزارة وحولتها إلى ملعب لي أذرع بالرغم من أن الوزارة يفترض أن تكون محايدة ومهمتها الرئيسية توفير الأمن والنأي عن الصراعات.

وبعد أشهر قليلة من استلام هذه الحكومة لمهامها وجدت نفسها مجبرة على الانخراط في الصراع السياسي بالرغم من كونها حكومة تكنوقراط، وهدفها الأول إدارة الشأن الاقتصادي في ظل وضع صعب تعيشه البلاد. وفي سياق المناكفة نجحت الأحزاب، وأساسا حركة النهضة وحزب قلب تونس، في احتواء الحكومة ومنحها حزاما برلمانيا مكنها من الحصول على الثقة وقطع الطريق على أي مدخل قانوني أمام الرئيس سعيد لإقالتها باستثمار تأويلات لفصول قانونية تتيح لها تسيير البلاد بمراسيم رئاسية فيما لو عجزت الحكومة عن تمرير قانون المالية أمام البرلمان.

ولا بد من الإشارة، وفق وثائق مسربة، إلى أن وزير الداخلية المقال قد بادر إلى القيام بتعيينات في مواقع حساسة في وزارته دون استشارة رئيس الحكومة المسؤول المباشر عنه قانونيا، ما أعطى الفرصة للمشيشي لإقالته وإعطاء مشروعية سياسية للتعديل الذي تأجل لأكثر من مرة بسبب محاذير الصدام بين مؤسسة رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية.

وسيكون التعديل الوزاري القادم عنوانا للقطيعة بين المؤسستين ويزيد من صراع التعطيل والإرباك لأداء مؤسسات الدولة، وهو أمر قد يستمر إلى حدود أكتوبر 2024 موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية. ولا وجود لأي مؤشرات لتهدئة الأمور بين رئاسة طامحة للإمساك بالسلطة كاملة، وأحزاب تصب الزيت على الأزمات بقطع النظر عن مآلاتها.

وسيكون الرهان موجها إلى مبادرتين؛ الأولى الحوار الوطني من أجل بناء أرضية من الثقة بين مختلف الفاعلين عبر إجراءات من بينها الالتجاء إلى حكومة وحدة وطنية مثلما جرى في الحوار الوطني لسنة 2013، حيث تنازلت حركة النهضة تحت ضغوط سياسية وشعبية واسعة عن الحكم، وتم تكليف مهدي جمعة بحكومة وحدة وطنية هدفها الرئيس كان التحضير للانتخابات.

لكن الآن الأمر صعب، فالانتخابات لم يمض على إجرائها أكثر من سنة فقط، ولا يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية بمهمة انتقالية في حين أن البلاد أمامها أربع سنوات أخرى للوصول إلى الانتخابات، وهو ما يعني الاتفاق على أرضية اقتصادية واجتماعية للحكومة وتركها تعمل، وهو أمر صعب ومعقد لاستحالة أي حكومة دون حزام سياسي داعم لها، وأن الأحزاب، كما الرئاسة، لن تقبل بالتنحي جانبا وترك الأمر لتقديرات “حكومة وطنية” ينظر إليها كمناورة لنقل السلطة من البرلمان إلى خارجه.

كما أن هذا الحوار من الصعب أن يأخذ مجراه الطبيعي في ظل شروط مسبقة بشأن استثناء جزء من التحالف البرلماني من المشاركة فيه (ائتلاف الكرامة، وقلب تونس)، ما يجعله بمثابة حوار لتحقيق أجندات سياسية خادمة للرئاسة وحزامها الثوري. كما أن الرئيس سعيد وضع أمام هذا الحوار صعوبة أخرى حين طالب بتشريك الشباب من مختلف محافظات البلاد فيه، وهو مطلب في ظاهره سهل، لكن آلية تنفيذه شبه مستحيلة لغياب أي مؤسسة شبابية منتخبة يمكن أن تختار المرشحين للحوار.

أما المبادرة الثانية فتخص إجراء انتخابات مبكرة، وإذا كان المطلب الأعم هو إجراء انتخابات تشريعية فقط لتلافي صعود برلمان مشتت تسيطر عليه الصراعات، فإن حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة قد تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة أيضا، ما يجعل هذا المسار بمثابة لعبة لتسجيل النقاط أكثر من كونه مبادرة جدية لإنقاذ البلاد من أزمة سياسية تأتي على الأخضر واليابس.

وحتى لو مررنا إلى انتخابات برلمانية مبكرة، فإن لا شيء يضمن عودة برلمان بنفس الفوضى الحالية في ظل عرقلة تعديل القانون الانتخابي. ولو افترضنا أن القانون تعدل وتم فرض عتبة في حدود 3 في المئة كشرط لدخول البرلمان، فكل المؤشرات تقول إن التوازنات ستكون نفسها وإن اختلف ترتيب الكتل، فالنهضة وائتلاف الكرامة قد يتبادلان المواقع لكن سيحافظان على نفس الرصيد أو أكثر في وضع الاستقطاب الحاد في البلاد بين الإسلاميين والحزب الحر الدستوري بقيادة عبير موسي الذي ترشحه الاستطلاعات ليكون الأول في أي انتخابات تجرى في الظروف الحالية.

وبالنتيجة، فإن مختلف المبادرات ستفضي إلى استمرار الأزمة طالما لم تحل المشكلة الأهم، وهي الاتفاق على النظام السياسي، سواء عبر تعديلات يوافق عليها البرلمان أو عبر استفتاء شعبي يبدو الأقرب لحسم هذا الخلاف.

8