صراع الزعامات يشق أركان الإخوان في الجزائر

تشكيل أحزاب إسلامية تقوم على الولاء للأشخاص، وعبدالله جاب الله القيادي الذي لا يحتمل المنافسة.
الأربعاء 2018/03/07
عقدة القيادة

الجزائر - عمل الإسلاميون في الجزائر على الارتباط بالسلطة والعمل تحت جلبابها، وهي خطة وإن نجحوا من خلالها في تجنب الصدام مع مؤسسة الجيش، إلا أنها عزلتهم عن الشارع الجزائري ليتفرغوا إثر ذلك للصراعات الداخلية وتصفية الحسابات بين الزعماء، ما أفضى إلى تشكيل أحزاب كثيرة تقوم على الولاء للشخص.

ويقول متابعون للمشهد السياسي الجزائري إن أفضل طريقة لمعرفة تفكير الإسلاميين هي متابعة نشاط عبدالله جاب الله، أحد أبرز الوجوه ذات الخلفية الإخوانية، وقد أسس أكثر من حزب ثم تخلى عنه باحثا عن حزب جديد سيكون فيه القيادي الذي لا منافس له.

ويوصف جاب الله من طرف خصومه بـ”الدكتاتوري والمتسلط” وبالشخصية النرجسية، وهو ما كلفه القفز من حزب إلى آخر، بسبب انتهاء جهوده في كل مرة إلى معركة كسر العظم بينه وبين معارضيه. ويقول المقربون منه إن جاب الله “يفضل الانسحاب في كل مرة، ليؤسس منصة لمشروعه مع الأوفياء له، ويترك التركة للمتصارعين عليها”.

ويمثل جاب الله، الجناح الراديكالي في التيار الإخواني بالجزائر، فمنذ سنوات النشاط السري في حقبة الثمانينات والسبعينات من القرن الماضي، وإطلاق جمعية النهضة الثقافية، ظل الرجل متمسكا بأولويته في قيادة التيار، وبأبوّته للإسلام السياسي في الجزائر، ما أدخله في نزاع مبكر مع الأحزاب الإسلامية الأخرى، كالجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وحركة مجتمع السلم الحالية (الفرع الأصلي للإخوان).

رفاق سابقون لجاب الله يذكرون بأن "الرجل كان يسيطر على كل كبيرة وصغيرة في الحزب، بما في ذلك التوقيع على أوامر بتكليف بمهمة لسائقي سيارات الحزب"

وكلفه إصراره على صلاحيات القيادة وفرض الانضباط والولاء داخل الأحزاب التي أسسها، موجة متتالية من التمرد دفعته في كل مرة إلى رمي المنديل، والتوجه لتأسيس حزب جديد، فمن حركة النهضة التي ظهرت إثر إطلاق السلطة للحريات السياسية والتعددية في نهاية الثمانينات، إلى جبهة العدالة والتنمية، ومرورا بحركة الإصلاح الوطني، وانشقاق رفيق دربه جمال بن عبدالسلام لتأسيس جبهة الجزائر الجديدة في 2012.

ويذكّر رفاق سابقون لجاب الله، بأن “الرجل كان يسيطر على كل كبيرة وصغيرة في الحزب، بما في ذلك التوقيع على أوامر بتكليف بمهمة لسائقي سيارات الحزب، وأنه كان يتفرد بسلطة القرار، ففي المسائل المهمة والحساسة لا ينزل القرار إلى الهيئات الحزبية (المكتب الوطني ومجلس الشورى) إلا للتزكية، وأما النقاش أو التداول فهو ليس من اختصاصها”.

واصطدم عبدالله جاب الله، منذ السنوات الأولى لظهور الإسلام السياسي في الجزائر في سبعينات القرن الماضي، مع رموز وشخصيات التيار، بسبب عقدة القيادة والتفرد ورغبته الجامحة في انضواء الجميع تحت عباءته، فكان يرى في جغرافية الشرق (مسقط رأسه) الأولوية في احتضان الفكر الإخواني، وفي شخصه القائد الأصلح قبل محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني وعباسي مدني وعلي بلحاج.

وبسبب هذه الميول النفسية والذهنية، رفض جاب الله الانخراط في مبادرة تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في نهاية الثمانينات، لأنه كان يرى نفسه هو الأب الروحي للحراك الإسلامي في الجزائر، وأن الانضمام لذلك المشروع سيجرفه إلى الهامش.

ولنفس الأسباب أدار الرجل ظهره لمبادرة تأسيس حركة المجتمع الإسلامي في نفس الفترة، لأنه كان يرى مكان محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني، خلفه في سلم ترتيب قيادة تيار الإخوان الجزائري، وحين لم يستقم له الأمر أطلق رفقة المقربين منه حركة النهضة، ويطلق بذلك نواة الجناح الإخواني الراديكالي، الذي رفض أي شكل من أشكال التقارب مع السلطة، عكس الجناح المعتدل بقيادة محفوظ نحناح الذي دخل في شراكة سياسية مع السلطة.

وفيما كان تحالف “حركات النهضة والعدالة والبناء” الذي تشكل قبل الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، يبحث آليات وخطوات دخول الانتخابات التشريعية والمحلية، كان جاب الله يفاوض في الكواليس حول موقعه في الهيكل الجديد.

وروى قيادي من حركة النهضة لـ”العرب”، كيف كان رئيس الحزب يشتغل في الكواليس لأجل ضمان موقعه في مشروع التحالف، بينما كانت اللجان المُنَصّبة تعكف على وضع آليات وخطط دخول التحالف لخوض غمار الانتخابات الأخيرة، وكيفية المرور إلى مؤتمر نهائي يعيد صهر أطراف التحالف في حزب واحد، (النهضة والبناء أسسهما جاب الله، والبناء انشقت عن حركة حمس).

وتذكر مصادر متابعة لشؤون الإسلام السياسي في الجزائر، بأن “توزيع المناصب وعقدة القيادة والاستحواذ على النفوذ”، مثلت الأمر الذي فجر مشروع تحالف النهضة والعدالة والبناء، فجميع القيادات كانت تخطط للانفراد بالمشروع، بعيدا عن الديمقراطية والشفافية الداخلية.

1