صراع الزعامات ينزع عباءة الاستقرار عن جنوب السودان

الجمعة 2013/12/20
النائب السابق للرئيس سيلفا كير هو المتهم الأول بتدبير محاولة الانقلاب

لندن – تعيش دولة جنوب السودان أزمة سياسية وعسكرية طاحنة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعد مظهراً من مظاهر الاضطرابات السياسية في الدولة الوليدة.

يحاول جنوب السودان منذ انفصاله عن الدولة المركزية في الخرطوم، تأسيس مقومات دولته وأسسها بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية التي حصدت مئات الآلاف من أرواح المدنيين، بعد أن استقل عن السودان في استفتاء شعبي لسكان الجنوب أعلن عن نتائجه النهائية في فبراير 2011، وتم الإعلان عن استقلاله في 9 يوليو من العام نفسه.

وبدأت التوترات تشتعل في الإقليم في يوليو الماضي بعد أن أقال رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت نائبه رياك مشار وكل أعضاء حكومته، وذلك في إطار عملية إعادة هيكلة واسعة، كما أقال الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان باقان أموم.

واندلعت حرب التصريحات الإعلامية المضادة ضد سلفا كير، بعد أن اتهمه نائبه السابق مشار بالتعصب والدكتاتورية، معتبرا أن سياسياته في الحكم ستؤدي إلى إثارة الغضب الشعبي، وعدم الاستقرار السياسي وسط نوبات من العنف العرقي.


تاريخ الانقلابات


محاولة الانقلاب التي فشل فيها النائب السابق لسلفاكير لم تحدث من فراغ، فالمنافسة السياسية بينهما تعود إلى سنوات الحرب الأهلية داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان. ففي عام 1991 حاول رياك مشار، الإطاحة بالقيادة التاريخية للجيش الشعبي لتحرير السودان الذي كان سلفا كير من كوادره.

وعلى الإثر انقسمت حركة التمرد على أسس قبلية وانشق عنها مشار لينضم في وقت ما مع قواته إلى جيش الخرطوم الذي استخدمه ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان، قبل أن يعود من جديد إلى صفوفه مطلع الألفية.

وفي عام 1991 قام فصيل مشار الذي يضم في صفوفه غالبية من قبائل النوير بقتل نحو 2000 مدني من قبائل الدينكا في مدينة بور، وهي القبائل التي ينتمي إليها الزعيم التاريخي للجيش الشعبي جون قرنق ومعه سلفا كير، وينتمي ماشار إلى قبيلة النوير التي خاضت اشتباكات في الماضي مع قبيلة الدينكا المهيمنة في جنوب السودان.

وفور فشل الانقلاب خرج سلفا كير يؤكد أن حكومته تسيطر بشكل كامل على العاصمة جوبا، بعد ليلة من القتال العنيف بين الجنود في الحرس الرئاسي، وقد تم فرض حظر التجول ليلاً، بعد حملة من الاعتقالات للجنرالات العسكريين وبعض المواليين للانقلاب، ولا يزال مشار ملاحقا إلى الآن.

محاولة الانقلاب التي فشل فيها النائب السابق لسلفا كير لم تحدث من فراغ، فالمنافسة السياسية بينهما تعود إلى سنوات الحرب الأهلية داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان


صراعات قبلية


يقول مراقبون إن الاختلافات بين الرئيس سلفاكير ونائبه رياك مشار تعكس حالة من الانقسامات العرقية والسياسية المعقدة في مختلف أنحاء البلاد الفقيرة، وأيضاً الانشقاق الحادث في الحركة الشعبية وموالاة البعض للرئيس والبعض الآخر لمشار، أوجد حالة من الشقاق بين الرجلين، كما أن الإثنين على خلاف دائم وتدافع حول السلطة وتصعيد أعوانهما، إلى جانب تقسيم الغنائم النفطية والأموال التي تأتي من الخارج من وراء الاستقلال، وهذه الانقسامات امتدت إلى الجيش الذي يدين بالولاء للسياسيين.

ثم إن العنصر القبلي ساهم في تأجيج الصراع بين الطرفين باعتبار الرجلين من مجموعات عرقية متنافسة اشتبكت في الماضي، فالرئيس كير من قبيلة الدينكا الأكبر في جنوب السودان، في حين أن مشار من قبيلة النوير ثاني أكبر القبائل، لافتين إلى أحد أسباب الانقلاب في جنوب السودان، وهو إطاحة الرئيس سلفا كير في فبراير الماضي بحوالي 118 من كبار الضباط العسكريين مــن الخدمة العسكرية ووضعهم على الاحتياطي.

وهي خطوة أقل ما توصف به أنها أكبر هزة داخل قيادة الجيش منذ الاستقلال في جنوب السودان، حيث قام كير بتعيين بدائل للضباط من قادة المتمردين خلال الحرب مع الشمال، وهو ما جعل كثيراً من هؤلاء الضباط يخططون لكيفية إزاحة كير من السلطة وصعود نائبه مشار.

هذا بالإضافة إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار من خلال وجود العديد من الأسلحة والجماعات غير القانونية بعيداً عن سلطة الدولة، ومعظمهم من سنوات الحرب مع السودان، إلا أن السلطات تضعهم في أسفل الاضطرابات الأخيرة.


بعد الانقلاب


عشية محاولة الانقلاب الفاشلة، ظهر الرئيس كير بعد فترة وجيزة على الهواء يرتدي الزي العسكري بدلاً من ملابسه المدنية المعتادة ويحيط به مسؤولون حكوميون، وهو ما أثبت فشل الانقلاب على رأس الدولة، حيث اتهم صراحة نائبه السابق رياك مشار بأنه خطط مع مجموعة من الجنود المتحالفين بتدبير الانقلاب للاستيلاء على السلطة.

وسواء كانت فشلت المحاولة أو نجحت فإن عدم الاستقرار في جوبا سيخلف كثيراً من التعقيدات السياسية والعسكرية في المنطقة، لا سيما على الخرطوم، التي من المتوقع أن يدفع متمردوها ونظامها السياسي ببعض القادة لإعادة المحاولة مجدداً، في البلد الذي لا يزال يشهد تخبطا سياسيا بعد إقالة البشير أيضا إثنين من كبار نائبيه حسب ما أفاد به مراقبون.

ورغم مرور ما يقارب العامين على تشكيل حكومة جنوب السودان إلا أنها لم تنجح في تحقيق تغيير في البرامج الاقتصادية والاجتماعية، في البلاد التي تضاعف فيها الفساد وزادها الاقتتال الأخير جراء الانقلاب انتكاسة أكثر.

سنة 1991 حصلت محاولة انقلابية فاشلة قادها ريك مشار وقتلت فصائله 2000 مدني من قبائل الدينكا في مدينة بور

ويقول مشار إن سلفا كير تعمد إزاحته من منصبه هو وآخرين باعتبارهم منافسين له، وما حدث ليس إلا اضطرابا في الحرس الرئاسي ليتطور إلى اقتتال كبير، نافيا صلته بما حدث، ولكن مراقبين يميلون إلى خيار أن سلفا كير أراد التخلص من خصمه السياسي الذي أعلن ترشحه للانتخابات في 2015، في هذا الصدد أكد السفير سيد فليفل الخبير في الشأن الأفريقي، أن جميع التقارير الواردة من جنوب السودان خلال الفترة الماضية كانت تؤكد أن شيئاً ما سوف يحدث في العاصمة جوبا.

ولكن ماذا على وجه التحديد؟ لا أحد يعرف، نظراً إلى أن الاضطرابات كانت متعددة سواء من الناحية السياسية مع الخرطوم أو الأمنية مع المتمردين، وبالتالي توقع المراقبون حدوث شيء غير طبيعي داخل الدولة المستقلة حديثاً، حتى رنت أعيرة نارية في جوبا، وكأنه كان هجوماً على قاعدة للجيش، حيث أفادت التقارير بأن الجيش السوداني في الجنوب تشابك مع قوة معادية من أكثر من 300 رجل حول جوبا، وحتى الآن لا أحد يعرف هل أن ما جرى كان محاولة انقلاب أو تمرد، أو خيار ثالث، وإلى الآن مازال الحدث غامضاً.

ويبقى هناك الكثير من التساؤلات، ومن الممكن أن يكون سلفا كير قد استخدم هذا التراشق العسكري في البلاد حتى يتخلص من بعض السياسيين في السلطة، موضحاً أن الفجوة العميقة التي تعرضت لها حركة تحرير السودان الحاكمة الشعبية (الحركة الشعبية)، بعد عزم بعض قادتها تحدي سلفا كير في الانتخابات الرئاسية عام 2015، كان لها أثر فعال في ما جرى في جوبا مؤخراً، لأن دوافع السلطة كانت وراء الضباب المسلح من القتال الدائر بين الجنود الموالين للجيش وجنود مشار نائب الرئيس، بالإضافة إلى أن ذهاب آلاف المواطنين في جنوب السودان للبحث عن ملجأ خلف أسوار مجمع الأمم المتحدة القريب من مطار جوبا الدولي، يعد خطوة أخرى من حكومة سلفا كير لتؤكد أمام المجتمع الدولي أن البلاد تشوبها اضطرابات عسكرية جراء بعض المتمردين الذين يريدون الاستيلاء على السلطة.

وجود مخطط لإسقاط النظام في جوبا خلق نوعاً من الضجة الشعبية ومخاوف جدية من حرب أهلية بين القبيلتين، في حين أن الدولة الوليدة كانت تسعى إلى بناء السقف ومعالجة الانقسامات الشديدة والاضطرابات السياسية في ظل بعض الاتهامات بالفساد ونهب المال لعدد من المسؤولين، وهو ما عاد بجوبا مرة أخرى إلى الدائرة المفرغة والتقليب في الماضي من تشابكات وأعمال مسلحة وتمرد قبلي وعرقي وطائفي، مما خلف مزيداً من التدهور في البلاد.

6