صراع الزعامة على الجهاد العالمي يشتد بين الظواهري والبغدادي

إشكالية الزعامة والتمدد فكريا وجغرافيا لا زالت تمثل أسس الصراع بين تنظيمي القاعدة وداعش رغم خروجهما من تحت عباءة التفكير الإخواني الجهادي المتطرف، فهل ينضوي الظواهري تحت راية البغدادي وبذلك يكون العالم مقدما على كارثة كبرى سيمثلها اتحاد حركات العنف والتطرف والإرهاب وما سيترتب عن ذلك من قتل ودمار، أم أن الصراع على زعامة الجهاد العالمي بين التنظيمين سيتواصل؟
الأربعاء 2015/09/16
تنظيم القاعدة فقد زمام المبادرة ومعركة ريادته للجهاد العالمي أمام تنظيم داعش

أثار التسجيل الصوتي لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري الحيرة في تبيان أسس العلاقة ما بين القاعدة وداعش، وما لوحظ في كلام الظواهري هو التناقض الموجود في ثنايا الخطاب الذي وجهه لمنتسبي تنظيمه، فرغم وضعه شروطا خمسة للتعاون مع تنظيم الدولة إلا أنه أعلن عدم اعترافه بداعش وخليفته البغدادي.

هذا الأمر يستلزم إعادة النظر في ما يفرّق بين التنظيمين ويجمع في آن من حيث الاستراتيجيات والأهداف لتبيّن مدى الارتباط والانفصال في مجال الزعامة على الحركات الجهادية التي تنطلق من المحلية إلى العالمية في سباق التنافس على الريادة والأسبقية والأحقية بالاتباع.

الظواهري زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي دعا في آخر تسجيل صوتي له الجهاديين إلى الوحدة في العراق وسوريا، ويرى بعض المحللين والباحثين في الحركات الإسلامية أن هذه الدعوة تمثل إشارة “تصالح” من الظواهري إلى خصمه البغدادي رغم أنه لم يطلبها صراحة وهو ما عبر عنه كلامه حين قال “إن الحرب الصليبية التي تشن علينا طويلة وممتدة ونحن بحاجة إلى أن نخوضها ونحن متحدين لا أن نبدأها متحاربين متخالفين”.

كما ذكّر الظواهري بعدم اعترافه بـ’الخلافة’ التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية، معتبرا أنها “إمارة استيلاء بلا شورى ولا يلزم المسلمين مبايعتها ولا نرى أبا بكر البغدادي أهلا للخلافة”، وهذه العبارات كان الظواهري قد قالها في تسجيلات سابقة له.

وقد حدد الظواهري خمسة محاور للتعاون مع تنظيم البغدادي حدّدها في “وقف المعارك بين الجماعات الجهادية، ووقف الحملات الداعية إلى القضاء على الخصوم، وإنشاء محكمة شرعية مستقلة للبت في الخلافات، وإصدار عفو عام والتعاون لمعالجة الجرحى وإيواء اللاجئين وتخزين الأغذية”.

طائفية نظام الحكم في العراق ساعدت تنظيم الدولة الإسلامية على التمدد واكتساب الأنصار داخل التيار السني

ولكن رغم التنافس بين التنظيمين الإسلاميين، قال الظواهري “لو كنت في العراق أو في الشام لتعاونت معهم في قتال الصليبيين والعلمانيين والنصيريين والصفويين رغم عدم اعترافي بشرعية دولتهم ناهيك عن خلافتهم لأن الأمر أكبر مني ومن زعمهم إقامة الخلافة”.

هذا الأمر المستجد في تصريحات الظواهري يذهب بنا إلى مذهبين الأول أن يكون زعيم تنظيم القاعدة يطلب ودّ البغدادي تلميحا لا تصريحا، خاصة بعدما أعلن داعش خبر وفاة الملا عمر قائد طالبان والذي تكتمت عليه القاعدة وبذلك تسقط بيعة الحركات الجهادية لطالبان ومن ورائها القاعدة.

أما الثاني فهو محاولة تنظيم القاعدة الرجوع إلى ساحة النفوذ والزعامة من خلال الدعوة إلى توحيد جهود الجهاديين في مواجهة العدو المشترك، حسب رأيهم وهو الغرب، ولكن بشرط انضوائها كلها تحت جبة القاعدة، وهنا يرى المتابعون أن تزايد مبايعة أفرع القاعدة للبغدادي هو ما جعل الظواهري يطرح مسألة الاندماج هذه رغم الخلافات البيّنة بين التنظيمين.

وقد تركز هذا الخلاف في سياق التأثير والهيمنة على الحركات الجهادية العالمية، إضافة إلى مسألة التمويل والقدرة على استقطاب جهاديين جدد يكونون رافدا مهما في تأصيل التطرف والإرهاب الذي يميز التنظيمين.

كاثرين براون، الخبيرة بشؤون الإرهاب في كلية “كنغ” في لندن، تشبه تنظيمي القاعدة وداعش بشركات عالمية تحاول استقطاب المجموعات المحلية لأجندتها الأيديولوجية وإلى الجهاد العالمي، فتنظيم القاعدة تعمل تحت لوائه مجموعات عديدة مثل تنظيم “القاعدة في المغرب الإسلامي” وتنظيم “القاعدة في جزيرة العرب”، وحركة الشباب الصومالية. أما داعش فيضم تحت لوائه مجموعة “أنصار بيت المقدس” في شبه جزيرة سيناء ومجموعة “جند الخليفة” في الجزائر، و”بوكو حرام” في نيجيريا، و”أنصار الشريعة” في كل من تونس وليبيا.هذه الخلافات بين التنظيمين يلخصها أبو حفص الموريتاني، وهو أحد زعماء القاعدة وكان مفتيا سابقا للتنظيم، في حديثه مع قناة الجزيرة، حيث اعتبر أن تنظيم داعش لم يكن يوما جزءا من المنظومة المنهجية والفكرية للقاعدة، حيث قال “كانوا معنا في أفغانستان ولهم خُلق ودين، ولكن يختلفون عن فكر القاعدة ولم ينضموا إليها فكريا في أفغانستان”.

الخلافات بين التنظيمين أسبابها عدة من بينها العدو المستهدف والاستراتيجية المتبعة في مواجهته، إضافة إلى الاختلافات الفقهية

كما اعتبر أبو حفص أن بروز تنظيم الدولة وتمدده وانتشاره في العراق والشام أدخل الحركات الجهادية مرحلة جديدة، تميّزت لأول مرة بوجود مناطق واسعة في أكثر من بلد يحكمها تنظيم إسلامي واحد ويعلن عليها الخلافة وليس الإمارة.

وعزا الموريتاني تراجع تأثير القاعدة أمام داعش إلى الواقع الجديد الذي طرأ في العراق وسوريا، حيث أثر هذا الواقع حسب تعبيره سلبا على تنظيم القاعدة وتنظيمات إسلامية أخرى، إضافة إلى أن طائفية نظام الحكم في العراق ساعدت تنظيم الدولة الإسلامية على التمدد واكتساب الأنصار داخل التيار السني الذي وقع تهميشه من قبل الأحزاب الشيعية وميليشياتها العسكرية، زيادة على الحملة الأميركية عليه التي دعمت وجوده وكثرت من المتعاطفين معه.

من ناحية أخرى نجد أبا الحسن الأزدي، المنظر السابق لتنظيم القاعدة وأحد أبرز منظري تنظيم الدولة حاليا، يوجه خطابا إلى الظواهري ويدعوه إلى مبايعة البغدادي اعتمادا على دعوة زعيم القاعدة لرص صفوف الجهاديين، حيث نجده يقول في رسالته التي تناقلها العديد من المواقع الجهادية على شبكة الإنترنت “لقد كان بمقدور الشيخ الظواهري البرهنة على ما يدعو إليه من التراص والتآخي والتوادد ونبذ أضداد ذلك، أن يتجانف عمّا أعاد الأمر فيه وأبدأ من علاقة القاعدة بالدولة الإسلامية، وبيعة الثانية للأولى، وإمرة الأولى على الثانية، مع علمه بأن الأمر قد انتهى وحسم، ولم يعد للحديث عنه من فائدة تجتني غير زيادة احتقان الأنفس، وإضرام نارٍ يدعو هو إلى إخمادها”. يبدو أن الخلافات بين التنظيمين أسبابها عدة من بينها العدو المستهدف والاستراتيجية المتبعة في مواجهته، إضافة إلى الاختلافات الفقهية والفكرية أي الأطروحات العقائدية والمرجعيات. ولئن كان ضرب مصالح الدول الغربية عموما والولايات المتحدة على نحو خاص، هدفا رئيسيا لهجمات القاعدة، فإن داعش يجعل من استهداف “العدو المحلي” سابقا على “الخارجي”.

فزعيمه البغدادي يرى أن الجهاد يملي عليه القضاء على ما يسميه “الأنظمة الكافرة” حيثما وجدت في العالم العربي و”تطهير” المجتمع الإسلامي من كل من يخالف تنظيمه فكريا ودينيا ومذهبيا.

رسائل الظواهري الأخيرة يرى فيها عدد من المتابعين أن تنظيم القاعدة قد فقد زمام المبادرة ومعركة ريادته للجهاد العالمي أمام تنظيم داعش، حيث أن تنظيم بن لادن لم يعد قادرا على مجاراة قوة تنظيم البغدادي في الجوانب المالية والتنظيمية والعسكرية والإعلامية، ما حدا ببعض فروع القاعدة إلى الإعلان عن انضمامها لداعش، ومبايعة زعيمها أبي بكر البغدادي الذي تنظر إليه هذه الفروع أنه أعطى لمشروع الجهاد العالمي نفسا جديدا، وهو ما جعله يستقطب الجهاديين ذكورا وإناثا من جميع أنحاء العالم.

13