صراع الزعامة والولاء يقسم شيعة العراق

يشهد العراق، في خضم المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، صراعا آخر على السلطة بين العبادي والفصائل الشيعية القومية في مواجهة مجموعة من الميليشيات المدعومة من إيران.
الخميس 2015/05/21
تصدع البيت الشيعي ينذر بالأسوأ للعراق

لندن- أعلنت واشنطن عن قرارها بتسريع تسليح عشائر سنية عراقية وتدريبها لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، لتضع بذلك رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في مأزق جديد، حيث ماطل العبادي في تسليح عشائر المحافظات السنية التي يحتلها تنظيم داعش بسبب ضغوط يتعرض لها من قبل إيران وقوى شيعية نافذة في العراق تمنعه من تسليح العشائر.

وذكرت مصادر مقرّبة من رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، أن هذا الأخير يواجه ضغوطا تدفعه إلى التفكير في “الاستقالة”، وفق تقرير خاص لمجموعة الشرق الأوسط الاستشارية (ميدل إيست بريفنغ). ونقلت المجموعة، التي تتخذ من واشنطن مقرّا لها، عن المصادر المقرّبة من رئيس الوزراء العراقي، أن الخلافات الشيعية الشيعية تتافقم داخل مراكز القرار العراقي، الأمر الذي دفع حيدر العبادي إلى “التفكير في الاستقالة”.

وقالت ذات المصادر إن السبب الرئيسي للخلاف هو الضغط الذي تمارسه قوى شيعية في الحكومة على رئيس الوزراء لتغيير وزير الدفاع العراقي السنّي خالد العبيدي لتعيين وزير محسوب على القوى الشيعية في هذا المنصب الحسّاس.

ويدعم تقرير لمركز “نقاش”، المختصّ في الشأن العراقي، ما نقلته مجموعة الشرق الاستشارية،، بشأن الضغوط التي يواجهها العبادي، بل إن “نقاش” يذهب إلى وصف الخلاف داخل التحالف الشيعي العراقي بأنه الأخطر منذ عام 2003. ويرجع ذلك إلى خلافات عدة نشبت بين الأحزاب الشيعية، أهمها تلك المتعلِّقة بمصير حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي يواجه أزمة مع الفصائل الشيعية وأخرى مع واشنطن وطهران.

الميليشيات الموالية لإيران تؤيد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي ساعدها كثيرا عندما كان في الحكم

ويتكوّن التحالف الشيعي، من جموعة أحزاب تحكم العراق منذ 2003 وحتى الآن ضمن كتلة برلمانية كبيرة تسمى “التحالف الوطني”، وهذه الأحزاب هي حزب الدعوة الذي يترأسه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ورئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبداي عضو فيه، والمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم، والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر وحزب الفضيلة برئاسة رجل الدين محمد اليعقوبي، وهذه الأحزاب هي أبرز الأحزاب الشيعية التي تحكم العراق منذ 2003 وحتى الآن ضمن كتلة برلمانية كبيرة.

ويشير تقرير “نقاش” في هذا السياق، إلى أن هذه هي المرة الأولى على مدى 12 عاما، التي تندلع فيها خلافات بمثل هذه الحدّة بين أعضاء التحالف الشيعي، إذ أن هناك أطرافا شيعية قريبة من نوري المالكي تقوم منذ أيام بحملة لتشويه سمعة العبادي وإسقاطه. وذكر التقرير أن رئيس الوزراء العبادي قال خلال جلسة سرية داخل البرلمان، في 28 أبريل الماضي، إن “هناك كتلة سياسية تريد إسقاط حكومتي”، وقال إنه مستعد لتقديم استقالته إذا فشل في مهمة قيادة الحكومة.

بدوره يؤكّد كيرك سويل، محلل المخاطر السياسية، أن التداعيات السياسية الأخيرة، كان لها وقع كبير على العبادي، حيث اغتنم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وحليفاه، منظمة بدر وعصائب أهل الحق الفرصة من أجل التصدّي لسلطة العبادي المتنامية على قوات الحشد الشعبي.

ويستشهد كيرك سويل بالاحتجاجات التي اندلعت مؤخّرا في بغداد ضد وزير الدفاع خالد العبيدي. وزعم المتظاهرون أن عدم كفاءة العبيدي هو الذي تسبّب في مقتل 140 جنديا عراقيا بعد محاصرتهم لأيام عدة في قاعدة ناظم الثرثار العسكرية.

ديفيد باتريوس: الميليشيات المدعومة

من إيران هي الخطر الحقيقي على العراق

وشكّك العبيدي في التقارير الأولية عن أحداث ثكنة ناظم الثرثار العسكرية التي وقعت مرتين في غضون أسبوعين في يد تنظيم الدولة الإسلامية خلال الهجوم الذي شنّه في الأنبار. وقال إن التقارير التي تتحدث عن سقوط 140 قتيلا لا أساس لها من الصحة، وإنه تم العثور على 25 جثة فقط بعضها يعود إلى قوات العدو.

وكذلك أطلّ المالكي وهادي العامري، أمين عام منظمة بدر، وقيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، عبر القنوات التلفزيونية المتعاطفة معهم ووجّهوا انتقادات للعبادي، مطالبين بأن تتسلّم قوات الحشد مسؤولية الأمن مكان الجيش.

ويشير مصطفى حبيب، المحلل في مركز “نقاش”، إلى أن الميليشيات الموالية لإيران ما زالت تؤيد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي ساعدها كثيرا عندما كان في الحكم وسمح لها بالتغلغل في الأجهزة الأمنية ومدها بالسلاح والمال والصلاحيات، والآن ينتقد المالكي العبادي على الرغم من أنهما من الحزب نفسه، “الدعوة”.

فشل العبادي

عندما تأسست قوى الحشد في يونيو 2014، كان في البداية مجرد مظلة لميليشيات قائمة، تحظى معظمها بالدعم من إيران، وبعد تسلّمه رئاسة الوزراء في سبتمبر الماضي، تعايش العبادي مع هذه الميليشيات، محافظا على طبقة رقيقة من سلطة الدولة.

لكن قانون الموازنة الذي أُقِرّ في يناير الماضي منحه نفوذا واسعا على صعيد السيطرة على رواتب عناصر تلك الميليشيات، أو على الأقل أولئك الذين ينتمون إلى ميليشيات غير مموَّلة من إيران، ثم في مطلع مارس الماضي، أصدرت الحكومة مرسوما قضى بوضع قوات الحشد الشعبي رسميا تحت سلطة رئيس الوزراء باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة.

فشل حيدر العبادي في مسك العصا من الوسط بين النفوذ الإيراني والنفوذ الأميركي في العراق، مثلما فشل في تحقيق ما وعد به عندما تسلّم الصيف الماضي رئاسة الوزراء خلفا لنوري المالكي المعروف بتهميش السنّة، بأن يضع قضية تشكيل “الحرس الوطني” ضمن برنامج حكومته، وقال حينذاك “يجب فرض الاستقرار ودعم قوات الأمن ومشروع المصالحة الوطنية وتطوير تجربة الحشد الشعبي وتأسيس حرس وطني في كل محافظة ودعم قوات البيشمركة”.

ويذكر كيرك سويل أن العبادي سعى إلى نزع الطابع المذهبي عن الحشد عبر ضم السنّة إليه. ويعتبر المحلل السياسي أن تسليم العبادي شخصيا البنادق إلى أبناء القبائل السنّية الذين تطوّعوا في قوات الحشد، في أبريل الماضي في منطقة الحبانية، غرب العراق، مشهد قوي وذو دلالة.

إذا ما استمرت الخلافات بين الأحزاب الشيعية فإنها ستؤدي إلى تغيّرات سياسية كبيرة ربما تشمل تغيير الحكومة أو بعض وزرائها

لكن، لم يستطع حيدر العبادي تجاوز سطوة الميليشيات الشيعية، ودورها في الحشد الشعبي، الأمر الذي يعكسه تراجعه عن قراره بعدم إشراكه في أي معارك ضدّ تنظيم داعش في محافظة الأنبار. فقد كان لهذا القرار تأثير كبير على مجريات الأحداث في المحافظة العراقية، خاصة بعد الانسحاب المتعمّد للميليشيات الشيعية المسلّحة فاتحة المجال لتقدّم تنظيم داعش.

ويشير “نقاش” في هذا الصدد إلى أن التطوّر الخطير الذي حصل بعد معركة تكريت هو قرار الفصائل الشيعية وقف القتال ضد داعش، وقد ترك أبرز قادة الفصائل مثل هادي العامري، زعيم منظمة “بدر”، وأبي مهدي المهندس، زعيم “كتائب حزب الله”، أماكن القتال حيث كانوا يتواجدون دائما بلباسهم العسكري، وعادوا إلى بغداد ومدنهم في الجنوب وهم يصدرون تصريحات مستمرة لوسائل الإعلام تنتقد العبادي بشدة.

واستثمر تنظيم داعش هذه الخلافات وشنّ هجوما على مصفى “بيجي” شمال تكريت وسيطر على أجزاء واسعة منها، كما تمكّن من تنفيذ عملية اقتحام جريئة لأحد السجون في مدينة “الخالص” في ديالى وأطلق سراح عدد من عناصره المسجونين، على الرغم من أن ديالى تم استعادتها بالكامل من “داعش” منذ شهور.

انقسام شيعي

مع اندلاع معركة الرمادي، والخلاف الأميركي العراقي حول مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي فيها، ضاق الخناق أكثر على حيدر العبادي، الذي رضخ في الأخير للشق الإيراني وأعلن مشاركة الميليشيات الشيعية في استعادة مدينة الرمادي من تنظيم داعش.

بدورها، فرضت الميليشيات نفسها من موقع قوّة ووضعت شروطا مقابل عودتها إلى القتال، من بين هذه الشروط منح حصانة قانونية لعناصرها، وطالبت أحزابا شيعية مثل حزب “الفضيلة” وأعضاء من حزب “الدعوة” بإقرار قانون نيابي يمنح الحصانة للميليشيات الشيعية، التي تعاني بدورها من خلافات حادة.

حيدر العبادي فشل في مسك العصا من الوسط بين النفوذ الإيراني والنفوذ الأميركي في العراق

وتتجاوز الخلافات الشيعية الشيعية الخلاف بين العبادي والمالكي، لتشمل خلافات خطيرة بين الفصائل المسلحة، التي تنقسم إلى قسمين: المجموعة الأولى هي الميليشيات القريبة من إيران والتي ترتبط دينيا بالمرشد الإيراني علي خامنئي وأبرزها منظمة “بدر” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله” و”سرايا الخراساني”، وهذه الميليشيات لا تحترم قرارات الحكومة كثيرا.

أما القسم الثاني فهو الميليشيات الموالية لرجل الدين علي السيستاني وعمار الحكيم ومقتدى الصدر، وهي أقرب للحكومة، وأبرزها “لواء علي الأكبر” و”سرايا الجهاد” و”سرايا العتبة العباسية” و”سرايا العتبة العلوية” التابعة إلى السيستاني، و”سرايا الجهاد والبناء” و”سرايا عاشوراء” و”سرايا أنصار العقيدة” التابعة إلى عمار الحكيم، و”سرايا السلام” التابعة إلى التيار الصدري.

وتصل الخلافات بين هذه الفصائل الشيعية المسلّحة في بعض الأحيان إلى حد رفع السلاح ضد بعضها بسبب الصراع على المناطق والأسلحة، بالإضافة إلى صراعات سياسية تتعلّق برئاسة كتلة “التحالف الوطني” التي تضم جميع الأحزاب الشيعية وفشلت حتى اليوم في اختيار رئيس لها، وهو ما شتت مواقف هذه الأحزاب.

وإذا ما استمرت الخلافات بين الأحزاب الشيعية فإنها ستؤدي إلى تغيّرات سياسية كبيرة ربما تشمل تغيير الحكومة أو بعض وزرائها، فيما بدأ “داعش” يستعيد قوته مستغلا هذه الخلافات، ويحقق انتصارات جديدة في صلاح الدين والأنبار وديالى.

لكن كيرك سويل يرى أن الاحتجاجات المناهضة للعبادي لم تبلغ حجما حرجا، فلو كانت كذلك لألقت إيران بثقلها خلف تغيير الحكومة، فيما أكّد الجنرال ديفيد بترايوس، الذي قاد القوات الأميركية في العراق بين عامي 2007 و2008، قائلا “إن الميليشيات الشيعية – وكثير منها تدعمها إيران – تشكل التهديد الأبرز لاستقرار العراق على المدى الطويل، وعلى التوازن الإقليمي الأوسع”.

اقرأ أيضا:

عراقيون.. لاجئون وغرباء في بلدهم

7