صراع الساسة يفاقم احتجاجات الليبيين على أزمة السيولة المالية

أصبح مشهد طوابير الليبيين أمام المصارف مألوفا، في علامة صارخة على انزلاق ليبيا إلى انهيار اقتصادي رغم ثروتها النفطية، وهو ما يؤكد عدم قدرة حكومة الوفاق الوطني على إحراز تقدم لإنهاء أعوام من الاضطرابات السياسية والصراعات المسلحة التي مزقت البلاد.
الاثنين 2016/10/31
بانتظار الأموال

طرابلس – عندما يفتح أي بنك في العاصمة الليبية طرابلس أبوابه، يتدافع المئات من العملاء الذين ينتظرون منذ أسابيع وربما شهور لسحب الأموال.

وعلى مدى الأسبوع الماضي تنامت مشاعر الاستياء والإحباط، فتجددت الاضطرابات في الشوارع وحدث تراشق علني بين رئيس الوزراء فايز السراج ومحافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير حول من يتحمل مسؤولية النقص الحاد في السيولة المالية.

البنك الدولي: أسعار الغذاء ارتفعت بنحو 31 بالمئة في النصف الأول من العام الحالي

ويظهر النزاع مدى الصعوبات التي تواجهها حكومة الوفاق للسيطرة على المالية العامة للبلاد، حتى بعدما أذكى تعافي إنتاج النفط توقعات بانحسار الضغوط الاقتصادية.

ويرى البعض في اجتماع يعقد في لندن اليوم الإثنين، تحت رعاية بريطانيا والولايات المتحدة فرصة أخيرة لتحفيز السراج والكبير على العمل سويا لإنقاذ اقتصاد ليبيا من المزيد من الهبوط.

وبدأت حكومة الوفاق الوطني بحذر محاولة إثبات وجودها في طرابلس في مارس الماضي، بعد 3 أشهر من تشكيلها بموجب اتفاق مشاركة في السلطة برعاية الأمم المتحدة، وبعد 5 سنوات من الانتفاضة التي أطاحت بمعمر القذافي، لكنها أطلقت الفوضى في البلاد.

لكن تلك الحكومة لم تتمكن من كسب تأييد القيادة المنافسة في شرق ليبيا أو السيطرة على الفصائل المسلحة القوية في غرب البلاد. وتسبب تفاقم أزمة السيولة المالية والصعود السريع لمعدل التضخم في تبديد الآمال في قدرة حكومة الوفاق على إحلال الاستقرار.

ويقف بعض الليبيين الآن في طوابير طوال الليل للحصول على الأجور والمكافآت. وقال ميلاد الأحمر وهو أخصائي علاج طبيعي وأب لأربعة أبناء وهو يقف خارج المصرف التجاري الوطني في طرابلس، “لم أحصل على راتبي منذ نحو 4 أشهر… أنتظر منذ الفجر أمام البنك في محاولة يائسة للحصول على بعض المال”.

وقال مصرف الوحدة أحد أكبر البنوك في ليبيا، أمس، إن خزائنه خاوية حتى إشعار آخر.

ويعتمد اقتصاد ليبيا كلية تقريبا على إيرادات النفط، ولذا فإن وجود علاقات متينة بين حكومة الوفاق الوطني وبين المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي، الذي يدير جميع عائدات المؤسسة، يعد مهما لعملية صنع السياسات.

وانقسمت المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي، حينما تشكلت حكومتان وبرلمانان متنافسان في طرابلس وفي شرق ليبيا في عام 2014.

وتعهد فرعا المؤسسة والمصرف في طرابلس، اللذان يسيطران على المدفوعات، بالعمل مع قيادة حكومة الوفاق الوطني المعروفة بالمجلس الرئاسي، لكن العلاقات بين السراج والكبير توترت وسط أزمة سياسية.

فبرلمان الشرق أو مجلس النواب عرقل الموافقة على مجلس وزراء حكومة الوفاق، ولم يتسلم وزير المالية على الإطلاق مهام منصبه، بينما تتخبط الحكومة المنافسة التي لا تتمتع بصلاحيات والتي عينها هذا البرلمان ومحافظها للبنك المركزي في أقصى شرق البلاد.

الصديق الكبير: المجلس الرئاسي لم يتقدم بأي برامج واقعية قابلة للتنفيذ الفعلي

وانتهت فترة ولاية الكبير في سبتمبر الماضي، لكنه لا يزال يمارس مهامه بشكل افتراضي نظرا لأن مجلس النواب يجب أن يوافق على تعيين أي خلف له بموجب الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة.

ومنذ أسبوع اتهم السراج، الكبير بعرقلة الجهود المبذولة للتعامل مع أزمة السيولة من خلال رفضه المتكرر للمطالب بتقديم قروض وتوفير العملة الصعبة. وقال إنه استنفد جهوده مع الكبير وأن استجابة الأخير ضعيفة وأحيانا منعدمة.

ورد الكبير بعد 3 أيام قائلا إن مجلس السراج وضع “مقترحات فضفاضة” تتضمن بيع دولارات “غير موجودة” وخفض قيمة الدينار الليبي. وأكد أن المجلس الرئاسي لم يتقدم بأي برامج واقعية قابلة للتنفيذ الفعلي.

ويقول البنك الدولي إن إيرادات ليبيا من النفط هبطت إلى مستويات قياسية في وقت سابق من العام وتعاني البلاد من عجز ضخم تغطيه من الاحتياطيات الأجنبية التي انخفضت إلى 43 مليار دولار من أكثر من 100 مليار دولار منذ ثلاث سنوات.

وخلقت القيود الصارمة المتعلقة بالحصول على العملة الصعبة سوقا غير رسمية مزدهرة للصرف، حيث هبط الدينار مؤخرا إلى مستوى منخفض جديد بلغ نحو 5.25 دينار مقابل الدولار.

وأدت الضغوط المالية إلى نقص في المنتجات الغذائية المدعمة، وهو ما دفع أسعار الغذاء للصعود بنحو 31 في المئة في النصف الأول من العام الحالي بحسب تقديرات البنك الدولي.

وتضاعف إنتاج النفط مؤخرا إلى نحو 600 ألف برميل يوميا، بعدما استولى القائد العسكري في الشرق خليفة حفتر على موانئ نفطية رئيسية من فصيل منافس وسمح للمؤسسة الوطنية للنفط بإعادة فتحها، لكن الإنتاج لا يزال أقل كثيرا من مستواه قبل 2011.

ويقول خبراء إن أزمة السيولة في ليبيا لن تحل دون تحسن الوضع الأمني والثقة في النظام المصرفي. وأضافوا أن وصول أوراق النقد الجديدة من بريطانيا إلى طرابلس ومن روسيا إلى الشرق سيساعد قليلا على تحسن الوضع.

وفي طرابلس يقول السكان إنهم لاحظوا اختلافا بسيطا مع تدفق 800 مليون دينار على مدى الأيام العشرة الماضية. وأضافوا أن الفساد يعني أن أصحاب النفوذ فقط هم من لديهم القدرة على الوصول سريعا إلى الأموال.

وقال الأحمر “سمعت فقط بأن هناك أموالا تطبع خارج ليبيا، لكننا لم نحصل على شيء… ليست هناك شفافية”.

11