صراع السوريين ومستقبلهم الملتبس

الأربعاء 2015/05/13

المدن السورية تستقل بذاتها، فقد تقلصت سلطة العاصمة والدولة المركزية. دمشق تعيش وضعية مختلفة عن السويداء، والأخيرة تختلف عن اللاذقية وهكذا. المدن التي خرجت عن النظام تواجه إما تحالفا دوليا لإنهاء داعش فيها، أو تقصفها طائرات النظام وتتحكم فيها ميليشيات جهادية، وتتراجع قبالة ذلك الفصائل الوطنية.

في المناطق التي يمثل فيها الأكراد أغلبية تسود تجربة الإدارة المدنية التي يتحكم فيها حزب واحد ويشرك معهم أفرادا من مجموعات أخرى أو من قوميات أخرى كديكور ولإظهار التنوع القومي والديني، ويشبه ذلك ما فعله النظام في السبعينات تحت مسمى الجبهة الوطنية التقدمية، وفي مناطق كثيرة من سوريا هناك قادة القبائل أو قطاع الطرق، وتنتشر عقلية الأمير والقطيع، سواء كانت باسم ديني أو قومي. وفي كل هذه التمظهرات تغيب عقلية المواطنة. ففيها يحاول الجميع بسط سيطرته على الآخرين، وما يسمح باستمرار الظاهرة رفض النظام لأي حل سياسي ممكن منذ أربعة أعوام متتالية.

الظاهرة الأخطر هي توسع الميليشيات الجهادية في المناطق التي خرجت عن النظام وفي مناطق النظام تحت مسمى جيش الدفاع الوطني، وهناك الميلشيات الطائفية غير السورية، والتي تؤازر هذا الطرف أو ذاك. ربما من الصحيح القول إنها جماعات ممسوكة ماليا من دول إقليمية، ولكن المشكلة أن البدء بأي عملية سياسية سورية سيقتضي مراعاة مصالح كل تلك الدول. والتعقيد أن كثرة تلك الجماعات وانتشارها في عموم سوريا وفي المدن المحكومة أمنيا، يعني أن سوريا أصبحت الآن، وحتى في المستقبل، خاضعة لصراع النفوذ الإقليمي والدولي. خطورة الميليشيات الجهادية تكمن في غياب أي بعد وطني لديها وانحكامها لمشروع أصولي، ورفضها مبدأ التعددية والتنوع الديني والقومي، وتصورها بضرورة خضوع كل التنويعات الاجتماعية لمشروعها السياسي، والذي يغلب عليه مفهوم الخلافة أو الدولة الإسلامية.

يضاف إلى هذه المعطيات الانهيار الاقتصادي الذي عمّ سوريا، فالنظام يدمر والفصائل تفكك المعامل وتبيعها “خردة” والأرض أهملت، إضافة إلى التهجير والحصار، حيث وصل دمار المنازل والبنية التحتية إلى مستويات خيالية. المدن والبلدات دمر الكثير منها، وطال ذلك أجزاء كبيرة من حلب عاصمة سوريا الاقتصادية. الأرقام تقول إنّ الخسارات تفوق 200 مليار دولار، فمن سيعيد بناء البلاد؟

نضيف إلى ذلك أن ديون النظام والمعارضة قد يتم تحميلها لأي حكومة قادمة، ولاشك أن تجربة العراق ولبنان وأفغانستان، لا تبشر بأي خير للسوريين، والأسوأ أن المعارضة تحولت إلى أدوات لصالح دول إقليمية، ومهمتها حينما تبدأ العملية السياسية تأمين مصالح تلك الدول.

يقترح سياسيون ومثقفون شكلا للنظام السوري القادم بأن يكون نظاما طائفيا وفدراليا، تتوزع فيه مجالس السلطة بكل أقسامها طائفيا، وتستقل فيها المدن باسم القومية أو باسم الإقليم، وأن ذلك هو الممكن الوحيد حاليا. يضاف إلى ذلك ضرورة إشراك الجماعات العسكرية الطائفية في الجيش المستقبلي، أي تشكيل جيش أقرب للطائفي منه للوطني؛ هذا يعني نسفا كاملا لكل قيم الثورة في العدالة والمساواة والحرية والمواطنة والديمقراطية، وهي القيم التي ثار الناس ليحققوها ولينتقلوا إلى واقع أفضل، أي ستنتقل سوريا حينها من الاستبداد السياسي إلى الاستبداد باسم الله.

النظام لا يمتلك أي نزعة وطنية ويعمل على تأبيد نفسه بالاعتماد على إيران أو روسيا أو حزب الله أو أي دولة يمكن أن تمد له العون، والجديد في هذا تراجع الدعم له وتهاوي دفاعاته في كافة المدن السورية. المعارضة بدورها من الطينة نفسها، فقد اعتبرت جبهة النصرة من قوى الثورة، ومالأت قوى أصولية كثيرة، وكان أسوأ ما فعلته حين أدخلت الإخوان المسلمين في المجلس الوطني منذ بداية الثورة، وساهموا دون توقف في أسلمة الثورة وفي تسليحها وفي تغليب البعد غير الوطني عنها.

في حال بدأت العملية السياسية كما تشير التغيرات منذ خروج مدينة إدلب عن النظام، فإن الوضع السوري مقدم على مخاطر الطائفية والجهادية والتبعية للخارج والتفكك، أي أن تتمثل المجموعات المعبرة عن هذه التكوينات سياسيا، خاصة وأن ستافان دي متسورا فتح باب الحوار مع كافة المكونات بما في ذلك الجهاديون.

يمكن إيقاف كل هذا الميل عبر حركات وطنية، تنطلق من الوطني ومن مفهوم المواطنة، وتستند إلى الشعب الذي هُمش، وأصبح حاقدا على كل من ساهم في مقتله وتدمير منازله وقتل أولاده وأعماله. الشعب كارهٌ للنظام وللجهاديين أيضا، ومتضرر من كل التدخلات الإقليمية؛ وهذا ما يمكن تفعليه بتشكيل هذه الحركات؛ وسيتقرر حينها مصير سوريا الحداثي بتحقيق أهداف الثورة حالما يتقارب الشعب وهذه الحركة. ما لم يتحقق ذلك فالميل السابق هو ما سيتحقق حالما تبدأ العملية السياسية؛ وهنا تبدأ مأساة سوريا جديدة.

كاتب سوري

9